وجهات نظر

د.سالي فؤدة: إعفاء مصر من رسوم الكربون الأوروبية حتى 2027.. فرصة ذهبية أم مهلة قبل الصدمة؟

أستاذ مساعد الهندسة الحيوية- مركز البحوث الزراعية- استشاري تكنولوجيا تدوير المخلفات الزراعية

في خطوة استراتيجية بالغة الأهمية، حصلت مصر على مهلة مؤقتة من الاتحاد الأوروبي لتأجيل التطبيق المالي لآلية تعديل حدود الكربون (CBAM) حتى نهاية عام 2027.

ولا يعني هذا القرار إلغاء الالتزامات البيئية، بل يمنح الصناعة المصرية نافذة زمنية ثمينة لإعادة هيكلة أنظمتها الإنتاجية والبيئية قبل بدء المحاسبة الكربونية الفعلية.

السؤال الحقيقي لم يعد: هل نحن معفيون؟ بل أصبح: هل نحن مستعدون لما بعد الإعفاء؟

ما هو CBAM ولماذا يمثل تحديًا استراتيجيًا؟

 

آلية تعديل حدود الكربون (CBAM – Carbon Border Adjustment Mechanism) هي نظام أوروبي يفرض رسومًا كربونية على الواردات كثيفة الانبعاثات، بهدف حماية الصناعات الأوروبية منخفضة الكربون ومنع ما يُعرف بـ«تسرب الانبعاثات» .

ويشمل النظام قطاعات رئيسية تُعد من أهم صادرات مصر إلى السوق الأوروبية، من بينها:

 

الحديد والصلب

الأسمنت

الألومنيوم

الأسمدة

الكهرباء

ومع بدء التطبيق الكامل، ستُقارن انبعاثات المنتجات المصرية مباشرة بالمعايير المرجعية الأوروبية (Benchmark)، وأي فجوة كربونية ستتحول إلى تكلفة مالية إضافية تُفرض على المنتج.

ماذا يعني الإعفاء حتى 2027 فعليًا؟

 

الإعفاء الحالي لا يشمل:

حساب الانبعاثات

توثيق بيانات الطاقة والمواد الخام

إعداد تقارير الانبعاثات المضمنة

• تجهيز أنظمة القياس والتتبع

وبمعنى أدق، تم تأجيل سداد الفاتورة فقط، بينما بدأت المحاسبة الكربونية بالفعل.

فالشركات المصرية مطالبة منذ الآن بإعداد أنظمة التقارير الفنية والامتثال التنظيمي.

لماذا تمثل هذه المهلة أهمية خاصة لمصر؟

 

يوفر هذا القرار أربع مزايا استراتيجية للصناعة المصرية:

أولًا: بناء أنظمة محاسبة كربونية وطنية

إتاحة الوقت لإنشاء نظم محاسبة كربونية متوافقة مع متطلبات الاتحاد الأوروبي، بدل مواجهة فجوة تنظيمية مفاجئة بعد 2027.

ثانيًا: تحديث خطوط الإنتاج

التحول إلى تقنيات أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للطاقة يساهم في خفض التكلفة المستقبلية للرسوم الكربونية.

 

 

ثالثا: الاستعداد المبكر للتدقيق الأوروبي

إجراءات التحقق الأوروبية صارمة، والاستعداد المسبق يقلل مخاطر رفض التقارير أو فرض غرامات جزائية.

 

رابعًا: الحفاظ على تنافسية الصادرات

الدول والشركات التي تبدأ التحول مبكرًا ستحافظ على حصتها السوقية داخل أوروبا، بينما سيدفع المتأخرون تكلفة تجارية مرتفعة.

 

المخاطر الحقيقية بعد 2027

في حال عدم استغلال المهلة الحالية بكفاءة، ستواجه الصناعة المصرية ثلاثة تحديات رئيسية:

 

• بدء فرض الرسوم الكربونية فعليًا

• ارتفاع تكلفة المنتج المصري مقارنة بالمنافسين منخفضي الكربون

• تراجع القدرة التنافسية داخل السوق الأوروبية

• وهنا يتحول CBAM من أداة تنظيمية إلى ضغط اقتصادي مباشر.

• ماذا يجب على الشركات المصرية فعله الآن؟

• التحرك المبكر لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية، وتشمل الخطوات الأساسية:

• إنشاء نظام حساب انبعاثات متوافق مع CBAM يشمل الانبعاثات المباشرة وغير المباشرة وسلاسل التوريد

• ربط بيانات الطاقة والإنتاج عبر دمج أنظمة تخطيط الموارد المؤسسية (ERP) مع أنظمة الاستدامة

• تدريب الفرق الفنية والإدارية على إعداد وإدارة التقارير الكربونية

• إجراء عمليات تدقيق تجريبية (Mock Audit) قبل 2027 لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا

• تنفيذ مشروعات خفض الانبعاثات مثل استعادة الحرارة، والطاقة الشمسية، والوقود البديل، وتكنولوجيا إعادة التدوير، والتحلل الحراري، والبيوتشار

 

CBAM ليس تهديدًا بل فرصة لإعادة هيكلة الصناعة

رغم التحديات، يمثل CBAM فرصة حقيقية لمصر للتحول إلى مركز صناعي منخفض الكربون في المنطقة، فالدول التي تستثمر اليوم في التكنولوجيا النظيفة ستقود أسواق الغد.

كما أن الشركات التي تبدأ مبكرًا لن تحمي صادراتها فقط، بل ستفتح آفاقًا جديدة لتمويل المناخ، والاستثمارات الخضراء، وأسواق الكربون.

 

الخلاصة

الإعفاء حتى عام 2027 ليس نهاية المعركة، بل بدايتها، فالذكاء الحقيقي لا يكمن في تأجيل المشكلة، بل في استغلال الوقت لبناء صناعة مصرية أكثر كفاءة، وأقل انبعاثًا، وأكثر قدرة على المنافسة.

من يستعد اليوم، سيحصد المكاسب غدًا.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading