وجهات نظر

د. ضحي عبد الحميد: سر “الأنبوب المسدود” وإصلاح مؤسسات الدولة

الخبير الاقتصادي الدولي

في ساعات الصباح الأولى من يوم الثلاثاء 30 يناير 2026، ومن قلب الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الإدارية الجديدة، أطلق السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي رسالة تجاوزت مراسم الاحتفال، كانت كلماته امتدادًا لحديثه في احتفالية عيد الشرطة يوم 25 يناير، حيث وضع يده بجرأة على مكمن الداء، متحدثًا عن ضرورة “النقد الذاتي البناء” كأداة لا غنى عنها لإصلاح مؤسسات الدولة، ومؤكدًا أن الحجر والبناء لا يكفيان وحدهما، بل “البشر والإدارة الرشيدة” هما الروح التي تسري في جسد الجمهورية الجديدة.

هذه الدعوة الرئاسية للمصارحة لم تكن مجرد توجيه سياسي، بل كانت بمثابة “ضوء أخضر” لفتح ملف شائك طالما أرّق العقل الجمعي المصري، وللإجابة عن السؤال الذي يدور في خلد كل مواطن يسير على طرق ممهدة ويرى كباري عملاقة، لكنه يعود لمنزله مثقلاً بهموم بيروقراطية: “لماذا لا أشعر بالثمار في جيبي وحياتي اليومية رغم كل هذا البناء؟”.

لغز الحلقة المفقودة

الحكاية ليست لغزًا مستحيلاً، بل هي معادلة كيميائية تفاعلاتها واضحة لكن نتيجتها تتعثر.

في السنوات الماضية، ضخت الدولة مُدخلات هائلة: إصلاح مالي شجاع وبنية تحتية غير مسبوقة.

المنطق يقول إن النتيجة الحتمية يجب أن تكون رفاهية ملموسة للمواطن (خدمات صحية ممتازة، وتعليم متطور، وأسواق منضبطة، ومعدلات دخول لائقة).

لكن التيار الكهربائي القوي الذي تولده محطات “الإصلاح الاقتصادي” يواجه مقاومة شديدة قبل أن يصل إلى “مصباح” بيت المواطن.

هذه المقاومة تكمن في “آلية النقل”، أي الجهاز الإداري للدولة، هذا الجهاز، بوضعه الحالي، يعمل كـ “عازل سميك” يمتص جزءًا كبيرًا من مكتسبات التنمية قبل أن تصل للناس، وهنا مربط الفرس الذي أشار إليه الرئيس: نحن بحاجة لإصلاح “الأنبوب” الذي يوصل الخير للناس، وشدد على أن من لا طاقة له بتحمل عبء المسؤولية فليتركها لمن هو أكفأ وأكثر فعالية.

متاهة الـ707 جزيرة

نحن أمام جهاز إداري تحول عبر عقود إلى “ديناصور” ضخم الحركة، الأرقام لا تكذب؛ لدينا 5.2 مليون موظف يعملون داخل هيكل شديد التشتت يضم ما لا يقل عن 707 جهة حكومية مختلفة! تخيلوا 707 جزيرة منعزلة في دولة واحدة، بين وزارات وهيئات ومصالح، كل منها يغني على ليلاها.

في عام 2022، وجدنا أنفسنا أمام فسيفساء معقدة: 31 وزارة، 217 هيئة عامة، وآلاف الوحدات المحلية والقرى (6709 تقريبًا)، هذا التشتت خلق ما يسميه الخبراء “الجزر المنعزلة” (Silos)، حيث تغيب لغة الحوار بين الوزارات، ويصبح التنسيق بينهم معركة يومية، ويدفع المواطن الثمن وقتًا وجهدًا ضائعين.

ورغم التحسن الرقمي في مؤشرات البنك الدولي، إلا أننا ما زلنا في المرتبة 120 عالميًا في كفاءة الحكومة، والمرتبة 108 في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، وهو ترتيب لا يليق بطموح مصر.

وهم “الرقمنة” ومعضلة الـ25 جنيهاً

قد يقول قائل: “لكننا انتقلنا للعاصمة الإدارية وطبقنا التحول الرقمي!” وهذا صحيح، وإنجاز لا ينكره إلا جاحد، لقد نجحت الدولة في ميكنة الموازنة (GFMIS) وأغلقت جزءًا من كل حنفية الفساد المالي، وأطلقت بوابة مصر الرقمية لتقديم الخدمات للمواطنين.

لكن تقرير حوكمة الإصلاح الإداري في مصر الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي (OECD) لعام 2024 وضع يده على جرح غائر: نحن نمارس “الرقمنة دون تبسيط”.

لقد قمنا بميكنة الإجراءات البيروقراطية المعقدة كما هي! فبدلاً من أن يقف المواطن في طابور طويل، أصبح يتعامل مع “شاشة” تطلب منه نفس الأوراق والختمات المعقدة، فصنعنا “بيروقراطية إلكترونية” لأننا لم نقم بـ”تبسيط الإجراءات” أولًا.

المأساة الحقيقية تكمن في “العنصر البشري”. كيف نطلب من موظف أن يقود “فيراري” (التكنولوجيا الحديثة) ونحن ندربه بميزانية “دراجة”؟ تشير التقديرات إلى أن متوسط ما يُنفق على تدريب الموظف الحكومي سنويًا لا يتجاوز 25 جنيهًا فقط! هذا الرقم وحده يفسر الفجوة بين طموح القيادة وأداء الموظف المغلوب على أمره.

دروس من “النمور” التي سبقتنا

هناك شعوب سبقتنا وكانت تعاني نفس “الانسداد في الشرايين”، في ماليزيا، أنشأوا وحدة (PEMANDU) تابعة لرئيس الوزراء، مهمتها الوحيدة “ملاحقة التنفيذ”، أي فك الاشتباك بين الوزارات بالقوة.

في هونج كونج، أدركوا أن الفساد ليس مجرد جريمة، فحاربوه بالتعليم وتغيير عقيدة الموظف، وليس فقط باستخدام العقاب، فتحولوا من بؤرة فساد إلى قبلة للاستثمار.

روشتة الخروج من عنق الزجاجة

حديث الرئيس في يناير 2026 فرصة ذهبية لتحويل “النقد الذاتي” إلى “خطة إنقاذ”، ولكي يجني المواطن الثمار، لا بد من قرارات جراحية عاجلة:

المقصلة التشريعية والإجرائية (Regulatory Guillotine) محرقة قانونية وإجرائية تمسح آلاف القوانين والقرارات والخطوات القديمة، بشعار: “بسّط الإجراء أولًا.. ثم رقمنه”.

– وحدة إدارة التنفيذ: كيان مركزي قوي يتبع الرئاسة أو مجلس الوزراء، يكسر الجزر المنعزلة بين 707 جهة إدارية ويضمن عدم موت المشروعات في أدراج البيروقراطية.

الاستثمار في البشر: ميزانيات ضخمة لإعادة بناء عقل الموظف المصري وربط ترقيته بالكفاءة وليس بالأقدمية.

– اسمعوا المواطن: تفعيل “مؤشر رضا المواطن” وربط حوافز المسؤولين والمحافظين برضا الناس عنهم، لا برضا رؤسائهم في المكاتب.

ختامًا

الجمهورية الجديدة ليست مجرد خرائط عمرانية، بل عقد اجتماعي جديد يقوم على “كفاءة وفعالية مؤسسات الدولة” في خدمة أبنائها.

لقد وفرت القيادة السياسية الإرادة، والاقتصاد الموارد، ولا يبقى سوى إصلاح “الأنبوب” لتصل المياه العذبة لكل بيت مصري.
الإصلاح الإداري ليس ترفًا، بل جسر العبور الوحيد من دولة “الإنجازات الرقمية” إلى دولة “الرضا الشعبي”.

 

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading