وجهات نظر

د.زينة عبد العزيز منير: التنمية العمرانية وغياب العدالة البيئية فى العالم العربي

دكتوراة فى السياسات البيئية– جامعة فرايبورج ألمانيا

اتجاهات ومعدلات التنمية العمرانية فى العالم العربي، تكشف أن المنطقة العربية واحدة من أكثر المناطق في عدد سكان الحضر في العالم، ففي الستينيات من القرن الماضي، بلغ عدد سكان الحضر في الشرق الأوسط حوالى 35 % من إجمالي سكان المنطقة وفقًا لإحصاءات البنك الدولي.

حاليا يعيش حوالى 64 % من سكان العالم العربي في المدن والمراكز الحضرية- وهو ما يتجاوز المتوسط العالمي البالغ 55% وفقا لتقديرات البنك الدولي – ومن المتوقع أن يزداد عدد سكان المدن والمناطق الحضرية بنسبة 75% بحلول عام 2050.

بالإضافة إلى الزيادات الديموغرافية الطبيعية، كان التركيز المتزايد للسكان العرب في المدن والبلدات الرئيسية على مدى العقود القليلة الماضية بسبب عوامل الجذب التي جذبت السكان من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية مثل توافر فرص العمل وخدمات البنية الأساسية و المرافق.

تشوهات التنمية العمرانية فى العالم العربي

إلا أن الوتيرة التى سار عليها التوسع العمراني فى العالم العريي غير متماثلة، في مصر على سبيل المثال، كان التوسع الحضري بطيئًا على مدار السبعين عامًا الماضية، حيث ارتفع بشكل متواضع من 31% في عام 1950 إلى 43% في عام 2020، وعلى النقيض من ذلك، زاد التحضر بسرعة أكبر بكثير من 42.3 إلى 88.9 % خلال نفس الفترة.

لبنان 

وعلى عكس مصر  لم يتبع التوسع الحضري في لبنان اتجاهاً خطياً، لكنه شهد طفرات خصوصا تلك التي حدثت في أعقاب الحروب الإقليمية والوطنية في الثمانينيات والتسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين وفقا لتقديرات البنك الدولي.

تنعكس عملية التحضر السريع في انتشار المشاريع الحضرية العملاقة والمُجمعات السكنية ومراكز التسوق والمطارات والموانئ والطرق السريعة في المنطقة العربية.

في هذا الصدد  من عام 2006 إلى عام 2016، تضاعف إنتاج الأسمنت تقريبًا في البلدان الرئيسية الٌمنتجة للأسمنت في المنطقة، مثل المملكة العربية السعودية (من 27 إلى 61 مليون طن) ومصر (29 إلى 55 مليونًا) وتركيا (من 47 إلى 77 مليونًا).

التوسع الحضري و معضلة العدالة الاجتماعية

من المؤسف أن هذا التحول السريع في التطور العمراني والحضري فى المنطقة العربية لم يأخذ فى الاعتبار ندرة الموارد الطبيعية التى تعانى منها المنطقة العربية من خلال الاستخدام الفعال للموارد الطبيعية بما يضمن تحقيق العدالة البيئة و التنمية المستدامة.

وبدلاً من ذلك، أدت عملية التنمية العمرانية المتسارعة الى تفاقم التفاوت بين النمو السكاني وندرة الموارد الطبيعية والمرافق اللازمة لتقديم الخدمات الأساسية للسكان.

كذلك أدى التحول إلى الحياة الحضرية وتركيز الاستثمارات في قطاعات اقتصادية محددة (مثل السياحة والعقارات) إلى تفاقم المشاكل الحضرية المتمثلة في التنمية الإقليمية غير المتوازنة والمضاربة على الأراضي والتشوهات العمرانية والتفاوتات الاجتماعية.

فى هذا الصدد، أصبح الأغنياء فقط هم من يتحملون عزل أنفسهم خلف مجتمعات صغيرة مسورة (Gated communities)، بينما يعيش محدودي الدخل فى أحياء فقيرة تنقصها الخدمات والمرافق الأساسية التى تستوفى الحد الأدنى من جودة الحياة.

السياسات النيوليبرالية غير الرشيدة

فإن المجمعات السكنية المغلقة المٌسورة هي النتيجة الأكثر وضوحًا للسياسات النيوليبرالية غير الرشيدة في عدد من البلدان العربية والتي أدت إلى إثراء المستثمرين المحليين والأجانب و فرض واقع عمراني مشوه واغترابا وتفككا فى الهوية العمرانية والمجتمعية فى عدد لا بأس به من المدن العربية.

فى هذا السياق الحضري الجديد فى المدن العربية, تتفاقم أشكال التميز الطبقي والتراتبية الاجتماعية التى التى تحددها المجالات العمرانية قبل أي مؤشر آخر، فأصبح و كأن المدن العربية منقسمة إلى مدن أصغر: واحدة للطبقات المتوسطة والعليا الذين يستطيعون عزل أنفسهم فى مُجمعات سكنية راقية بحثا عن أحدث سبل الحياة العصرية بعيدا عن ضوضاء وتلوث مجتمعات خارج أسوار المُجمعات السكنية الراقية، وأخرى للطبقات الفقيرة والمٌهمشة الذين يعانون من غياب أو المستويات المتدنية فــي الصحة والتعليم والتنمية المحلية، ولا يستطيعون اجتياز أسوار المُجمعات السكنية الراقية إلا عن طريق شغل بعض الوظائف- غالبا الدُنيا- من أجل الإبقاء على دفع عجلة التمدن داخل هذه المٌجمعات السكنية.

التوسع الحضري وغياب العدالة البيئية

هذا التوسع العمراني الٌمشوه لا يعكس فقط التمايز الطبقي داخل المدن العربية ولكن يعكس أيضا صور عدم العدالة البيئية، فغالبا ما تكون العشوائيات أو الأحياء المهمشة مكانا للتخلص من مُلوثات المدن بما فى ذلك النفايات السائلة الصناعية والنفايات الضارة، وغالبا ما تكون الأرض التى تتواجد عليها هذه الأحياء متدهورة من الناحية الإيكولوجية أو غير آمنة من حيث كونها أكثر عرضة للمخاطر البيئية كالفيضانات ( على سبيل المثال، تم تصنيف الأحياء الفقيرة فى منشية ناصر والدويقة من قبل الأمم المتحدة بأنها مناطق غير آمنة، بسبب تعرضها للتلوث الصناعي، ووقوعها في مناطق معرضة للفيضانات أو الانهيارات الصخرية).

بالإضافة إلى ذلك، مع الاضطرابات السياسية و الأمنية في بعض أجزاء العالم العربي مثل سوريا وليبيا واليمن، أصبحت العشوائيات والأحياء المهمشة هي المستقبِل الرئيسي للاجئين، فمثلا يعيش أكثر من ثلث اللاجئين السوريين في مستوطنات غير رسمية في سهل البقاع في شرق لبنان ويعاني سكان هذه العشوائيات من رداءة نوعية المساكن، وظروف بيئية غير مستقرة، ومخاطر صحية ملموسة.

 سياسة الاحتواء لا تقضي على الأسباب الهيكلية 

 

صحيح يوجد قدر كبير من الجهود الحكومية سواء على مستوى رسم السياسات العامة أو إصدار التشريعات من أجل إجراء إصلاحات بيئية وعمرانية في المنطقة العربية، إلا أن تركيز الكثير من هذه السياسات العامة والتشربعات على إدارة المخاطر البيئية، واحتواء الأزمات، بدلاً من القضاء على الأسباب الهيكلية للتشوه العمراني، وما يرتبط بها من غياب العدالة الاجتماعية والبيئية أدى تدهور البيئة الحضرية والعمرانية فى المجتمعات العربية، وما يصاحبها من مدلولات أخلاقية واجتماعية وبيئية.

 

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading