وجهات نظر

د.رفعت جبر: غضب البحر المتوسط.. حين يجتمع تغير المناخ مع جشع الإنسان

أستاذ ورئيس قسم التقنية الحيوية- كلية العلوم- جامعة القاهرة

تزايد الحديث مؤخرًا عن “غضب البحر المتوسط وعصيانه”، وهو ليس مجرد استعارة شعرية، بل تعبير عن حقيقة علمية مقلقة تؤكدها الدراسات المناخية.

فالبحر الأبيض المتوسط، هذا المسطح المائي الهادئ ظاهريًا، يعاني بشدة من تأثيرات أنشطة البشر المتهورة والتغيرات المناخية. وتزداد سنويًا حوادث الغرق سواء للشواطئ أو الأفراد، حيث تتداخل عدة عوامل لتفسير هذه الزيادة، بعضها يتعلق بالبيئة البحرية وبعضها الآخر بالسلوك البشري:

  • التيارات البحرية المفاجئة: تُعد التيارات الساحبة أو ما يعرف بـ”الريب” من أخطر الأسباب. تتشكل هذه التيارات القوية بسبب انحسار الماء من الشاطئ إلى البحر بسرعة، مما يسحب السباحين بعيدًا. وغالبًا ما يصعب التعرف عليها بالعين المجردة، فتتسبب في إنهاك السباحين الذين يحاولون مقاومتها بالسباحة في اتجاه الشاطئ.

  • ارتفاع حرارة المياه: يؤدي ارتفاع درجة حرارة سطح البحر المتوسط إلى زيادة الرطوبة في الهواء، مما يرفع من الشعور بالحرارة والرغبة في السباحة لفترات أطول. هذا الإجهاد الحراري قد يؤدي إلى شعور بالإرهاق المفاجئ أو فقدان الوعي داخل الماء.

  • الجهل بقواعد السلامة: يغفل كثير من المصطافين عن علامات التحذير على الشواطئ، ويدخلون إلى مناطق غير مسموح بالسباحة فيها أو يستهينون بقوة الأمواج والتيارات. كما أن السباحة مباشرة بعد تناول الطعام أو تحت تأثير الكحول تزيد من خطر الغرق بشكل كبير.

  • نقص الإنقاذ والمراقبة: لا تتوفر فرق إنقاذ مؤهلة أو أبراج مراقبة في جميع الشواطئ، خاصة في المناطق النائية، مما يجعل من الصعب تقديم المساعدة الفورية عند وقوع حوادث.

أما عن الأسباب الرئيسية وراء تدهور حالة البحر المتوسط وغضبه، فيمكن تلخيصها في عاملين أساسيين:

1. الأنشطة البشرية الجائرة

  • التلوث المفرط: يُعد البحر المتوسط من أكثر البحار تلوثًا في العالم. تُلقى فيه كميات هائلة من النفايات البلاستيكية والصناعية والكيماوية، بالإضافة إلى مياه الصرف الصحي غير المعالجة. هذه الملوثات تُدمّر النظم البيئية البحرية، وتقضي على الحياة البحرية، وتؤثر سلبًا على صحة الإنسان.

  • الصيد الجائر: تُمارَس عمليات صيد الأسماك بشكل مفرط وغير مستدام، مما يؤدي إلى استنزاف الثروة السمكية وتهديد أنواع حيوية بالانقراض. هذا الخلل يُضعف السلسلة الغذائية بأكملها ويزيد من هشاشة النظام البيئي البحري.

  • التنمية الساحلية غير المنضبطة: تُقام مشاريع عمرانية وسياحية على طول السواحل دون مراعاة للمعايير البيئية، مما يؤدي إلى تدمير الموائل الطبيعية للكائنات البحرية، وتسريع تآكل الشواطئ، وتقليل قدرة البحر على امتصاص ثاني أكسيد الكربون.

2. التغيرات المناخية

  • ارتفاع درجات الحرارة: يُعد البحر المتوسط من أكثر مناطق العالم تأثرًا بارتفاع درجات الحرارة. هذا الارتفاع يؤدي إلى تبييض الشعاب المرجانية وموتها، ويؤثر على دورة حياة الكائنات البحرية التي تعجز عن التكيف مع هذه التغيرات المفاجئة.

  • ارتفاع منسوب سطح البحر: مع ذوبان الأنهار الجليدية، يرتفع منسوب مياه البحر المتوسط بشكل يهدد المدن الساحلية المنخفضة، مثل الإسكندرية في مصر والبندقية في إيطاليا. هذا الارتفاع قد يؤدي إلى غرق مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والسكنية في المستقبل.

  • الظواهر الجوية المتطرفة: شهدت المنطقة المتوسطية مؤخرًا زيادة في عدد وحدة العواصف والأمطار الغزيرة وموجات الحر الشديدة، وهي ظواهر تُزعزع استقرار النظم البيئية البحرية والبرية وتهدد الأمن الغذائي.

العواقب المحتملة لاستمرار الأزمة:

  • انهيار الأنظمة البيئية البحرية، واختفاء العديد من الأنواع البحرية والنباتية، مما يقلص التنوع البيولوجي.

  • تهديد الأمن الغذائي والاقتصادي، إذ تُعد الثروة السمكية مصدرًا رئيسيًا للغذاء والدخل في دول المتوسط.

  • النزوح المناخي، حيث قد يجبر ارتفاع منسوب سطح البحر والتصحر الملايين من سكان السواحل على ترك منازلهم.

إن ما يُعرف بـ”عصيان” البحر المتوسط ليس إلا انهيارًا بيولوجيًا متسارعًا، يمثل حالة نظام بيئي مريض يرزح تحت ضغط مزدوج. فبينما تُفاقم التغيرات المناخية من وطأة هذه الأزمة، يُشكّل التلوث البلاستيكي مرضًا مزمنًا يُضعف قدرة البحر على المقاومة ويفقده المناعة ضد التحديات الكبرى.

مئات الآلاف من أطنان البلاستيك التي تُلقى سنويًا تتسبب في موت الكائنات البحرية اختناقًا وتسممها عبر السلسلة الغذائية، مما يؤثر في النهاية على صحة الإنسان. وهذا التلوث لا يكتفي بقتل الحياة البحرية، بل يدمّر أيضًا موائلها الأساسية كالشعاب المرجانية، فيُسهم مباشرة في انهيار النظام البيئي بأكمله.

لذلك، فإن الحد من التلوث البلاستيكي ليس مجرد خطوة بيئية، بل علاج ضروري لإعادة التوازن إلى البحر المتوسط المنهك. إن حمايته تتطلب جهودًا دولية مشتركة للحد من التلوث، وتنظيم الصيد، واعتماد سياسات تنمية مستدامة. فالمستقبل لا يزال بين أيدينا، والبحر ينتظر استجابتنا. فهل من مجيب؟

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading