دراسة تكشف كيف يعيد الكربون تشكيل باطن الأرض ويحدد مصير القارات
الوشاح البارد يحمي، والساخن يفتك.. أسرار الكربون في عمق الأرض
يروي سطح الأرض قصةً معقدة، لا تتشكل فقط بفعل قوى ظاهرة مثل الحركة التكتونية والتعرية، بل أيضًا بفعل عمليات خفية في وشاح الأرض العميق.
ومن أهم هذه العمليات، وإن كانت غامضة، حركة الكربون وتحولاته في وشاح الكوكب.
تسلط دراسة حديثة أجراها باحثون في معهد قوانجتشو للكيمياء الجيولوجية (GIG-CAS) الضوء على كيفية إعادة تشكيل كيمياء وبنية الوشاح بواسطة الكربونات المنغمسة.
تكشف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science Advances، كيف يتحكم الكربون، تحت ضغط وحرارة شديدين، في تكوين الماس تحت القشرة الأرضية، ويؤثر على المصير طويل الأمد لأنوية القارات القديمة التي تُعرف بالكراتونات.
في حين أن أدوار الكربون السطحية – مثل مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي أو كيمياء المحيطات – تخضع لدراسات موسعة، يبقى سلوك الكربون في أعماق الأرض أقل فهمًا.
يقدم هذا البحث أدلة قوية على أن الكربونات التي تحملها الصفائح المحيطية المندسة إلى الوشاح لا تختفي ببساطة، بل تلعب دورًا حاسمًا في التفاعلات الكيميائية الجيولوجية.
الكربون المنغمس ودرجة حرارة الوشاح
استخدمت الدراسة تجارب تحاكي ظروف الأعماق التي تتراوح بين 250 و660 كيلومترًا، مستخدمةً مصهور الكربوناتيت وصخور البريدوتيت الغنية بالحديد المعدني.
أعادت هذه التجارب خلق بيئات تلتقي فيها المصهورات الكربونية بظروف حرارية متنوعة داخل الوشاح.
في الظروف الباردة الخالية من الأعمدة الحرارية، تتقلص ذوبانات الكربوناتيت تدريجيًا، مؤدية إلى تبلور الماس غير المتحرك وتكوين أطوار معدنية غنية بالحديد، تلتصق بقاعدة الكراتونات وتضيف لها استقرارًا على المدى البعيد.
أما في الظروف الحارة، حيث تؤثر أعمدة الوشاح، تبقى المصهورات الكربونية متحركة وتعمل كعوامل مؤكسدة تتفاعل مع عناصر مثل السيليكون والمغنيسيوم والحديد، مما يؤدي إلى تفاعل كيميائي يُضعف الغلاف الصخري ويؤدي إلى ارتفاع السطح ونشاط بركاني محتمل.

مفتاح فهم التفاعلات العميقة
يقول البروفيسور يو وانج، المؤلف الرئيسي للدراسة: “إن حالة الأكسدة والاختزال في الوشاح العميق هي عامل حاسم يتحكم في كيفية دوران المواد المتطايرة، مثل الكربون، بين سطح الأرض وداخلها، وتُظهر تجاربنا أن مصير الكربون المنغمس يتأثر بشدة بدرجة حرارة الوشاح وظروف الأكسدة والاختزال، مما يشكل تطور القارة على مدى الزمن الجيولوجي.”

الماس يسجل بصمات الوشاح
للتحقق من النتائج، قارن الباحثون مخرجات التجارب بشوائب طبيعية موجودة داخل الماس من منطقتي الأمازون (جوينا) وكابفال، وهما منطقتان تمثلان مختبرين طبيعيين لفهم العمليات العميقة نظرًا لتكويناتهما المتناقضة.
في كراتون الأمازون، تكوّنت الماسات في بيئة مختزلة دون تأثير أعمدة حرارية، وتحتوي على شوائب من الفيروبيريكليز ونسب مغنيسيوم (Mg#) تتراوح بين 44 و78، مع محتوى منخفض من النيكل، بما يتوافق مع التجارب التي أظهرت تجمّد مصهور الكربوناتيت إلى سبائك من الماس والحديد والكربون.
أما ماسات كراتون كابفال – مثل تلك من منجمي جاغرسفونتين وموناستيري – فتحتوي على شوائب من العقيق الماجوريت الغني بأكسيدي المغنيسيوم والحديد، مما يعكس تشكلها في بيئة مؤكسدة بفعل أعمدة حرارية نشطة، أدت إلى اختراق العارضة الكراتونية وتحويلها إلى مواد أقل استقرارًا.

المعادن كبصمات للأعماق
كشفت الدراسة أن شوائب الماجوريت والفيروبيريكليز تحتفظ بتركيبات كيميائية تُعدّ بمثابة بصمات للأكسدة والاختزال.
ففي البيئات المختزلة، تظهر الماجوريتات محتوى أعلى من الصوديوم وأقل من الكالسيوم مع زيادة الضغط، ما يدل على تجمّد الكربون في شكل ماس.
أما في كابفال، فتعكس التركيبية تفاعلًا قويًا بين مصهورات مؤكسدة والوشاح المحيط.
الاختلافات في تركيبات الفيروبيريكليز بين المنطقتين تعزز هذا الاستنتاج.
ففي الأمازون، تتشكل تحت ضغط منخفض وبظروف مختزلة، بينما تظهر في مناطق الريش فقط تحت ضغط عالٍ، كطور ثانوي.

الوشاح البارد يحافظ، والساخن يعيد التشكيل
عندما تبقى درجات حرارة الوشاح معتدلة، تتجمد مصهورات الكربوناتيت تدريجيًا، مما يمنع الأكسدة الواسعة ويؤدي إلى تراكم مواد مختزلة غنية بالكربون.
أما في مناطق الأعمدة الحرارية، فترتفع الحرارة ولا يتجمد المصهور، بل يتفاعل مع الوشاح، مكوّنًا مصهورات مؤكسدة تصعد إلى الأعلى وتُؤكسد الغلاف الصخري، مما يجعله غير مستقر كيميائيًا وجاذبيًا.
ويُظهر الرسم التخطيطي المنشور في الصفحة السابعة من الدراسة كيف أن كراتون الأمازون يحتفظ بالذوبان ويحافظ على استقراره، بينما يعاني كراتون كابفال من إعادة تشكيل، وثوران بركاني ناتج عن تسلل الصهارة خلال حقبة الدهر الوسيط.
الماس… سجل جيولوجي عميق
يعكس التاريخ الجيولوجي لكلا الكراتونين النتائج المخبرية.
ففي الأمازون، تشكلت ماسات جوينا منذ 450 إلى 610 مليون سنة، وبقيت محفوظة في العارضة لأكثر من 300 مليون سنة، دون أن تمسها الأعمدة الحرارية.
أما في كابفال، فتشير الدلائل إلى إزالة الغلاف الصخري وارتفاع التضاريس، ما يتفق مع تأثر المنطقة بأعمدة الوشاح وتفكك قارة جندوانا.
أثر غير مرئي… يصل إلى القمم
تُظهر الدراسة أن الكربون، وإن كان غير مرئي تحت الأرض، يلعب دورًا محوريًا في تشكيل باطن الأرض ومسار تطور القارات.
يتحكم الوشاح، من خلال درجة حرارته وحالته الكيميائية، في ما إذا كان الكربون سيتحول إلى ماس يُثبّت الكراتونات، أو إلى قوة محركة تزعزع القارات.
هذا الفهم العميق ليس فقط دراسة أكاديمية، بل يفتح نوافذ جديدة لفهم ديناميات الأرض، من تكوين التضاريس إلى دورة الكربون العالمية.





