خصوبة التربة ونسبة المغذيات تحددان انبعاثات الكربون مع الاحترار
الميكروبات الجائعة توقف تأثير الحرارة على إطلاق ثاني أكسيد الكربون من التربة
-
دراسة: ارتفاع حرارة التربة وحده لا يزيد انبعاثات الكربون من الميكروبات
التربة نظام حي يعيش فيه كائنات دقيقة مثل البكتيريا والفطريات والفيروسات، تقوم بتحليل المواد العضوية وإطلاق ثاني أكسيد الكربون (CO₂) إلى الهواء أثناء تنفسها.
هذه الكائنات المجهرية تلعب دورًا كبيرًا في دورة الكربون على الأرض. لكن ماذا يحدث عندما يسخن الكوكب؟ هل “تتنفس” الميكروبات أكثر وتطلق المزيد من ثاني أكسيد الكربون لمجرد أن الجو أصبح أدفأ؟ قد يبدو الأمر كذلك، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.
كشفت دراسة حديثة أن تسخين التربة وحده لا يؤدي بالضرورة إلى إطلاق مزيد من ثاني أكسيد الكربون، فقد كان لتأثير الاحترار وحده أثر ضئيل أو معدوم.
ونُشرت الدراسة الكاملة في دورية Biogeochemistry.
الحرارة لا تقود كربون التربة
أُجري البحث في أثينا بولاية جورجيا، في أحد أقدم مواقع تسخين التربة طويل الأمد في العالم.
جمع العلماء عينات من تربة حقول قطن سابقة تحولت إلى غابات. هذه التربة فقيرة بالمغذيات والمواد العضوية، أي أنها ليست “بوفيهًا مفتوحًا” للميكروبات.
أدخل الباحثون التربة إلى المختبر ورفعوا درجة حرارتها بنحو 4.5 درجات فهرنهايت. كما أضافوا الكربون والمغذيات بتركيبات مختلفة، ثم قاسوا كمية ثاني أكسيد الكربون المنبعثة.
وقالت ديبجاني سيهي من جامعة ولاية نورث كارولاينا، الباحثة الرئيسية:
“عندما ترتفع الحرارة تزداد عملية البناء الضوئي للنباتات ويتوفر المزيد من الغذاء للميكروبات، فتزداد أنشطتها. والسؤال هنا: هل يكفي الاحترار وحده لزيادة انبعاث ثاني أكسيد الكربون من التربة؟ تشير النتائج إلى أنه إذا لم تتوفر الكربون والمغذيات في صور سهلة الاستهلاك التي تحتاجها الميكروبات للنمو والازدهار، فلن يؤدي التسخين وحده إلى زيادة فقدان الكربون.”
كربون التربة يخضع لقواعد صارمة
عادةً نفكر في انبعاثات البشر – السيارات والمصانع ومحطات الطاقة – عند الحديث عن ثاني أكسيد الكربون وتغير المناخ. لكن نحو ثلث انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من اليابسة يأتي من التربة، وهي عملية طبيعية ضمن دورة الكربون. لذا يحتاج العلماء إلى فهم كيفية استجابة هذه الدورة لعالم يزداد حرارة.
وأضافت سيهي:
“الميكروبات تتنفس وتحصل على طاقتها من الكربون، وتلبي حاجتها من المغذيات من الغذاء نفسه. وكما يحتاج البشر إلى نظام غذائي متوازن – مصدر طاقة، بروتينات، ألياف – يمكن التفكير في تشابه مع الميكروبات، فهي تستخدم جزءًا من الكربون لبناء كتلتها الحيوية، وتستثمر الطاقة لإنتاج إنزيمات تكسر المواد العضوية المعقدة إلى كربون ومغذيات قابلة للاستخدام، بينما تطرد الباقي ضمن عملية الأيض.”
لذلك إذا كانت التربة تفتقر أصلاً إلى “غذاء الميكروبات”، فإن التسخين لا يؤدي إلى إطلاق كمية كبيرة من ثاني أكسيد الكربون.
أما إذا كان الكربون والمغذيات متوفرة، فإن الاحترار يعطي الميكروبات ما تحتاجه للعمل.
التركيز على التربة الدافئة
معظم دراسات تسخين التربة حتى الآن ركزت على أماكن باردة مثل القطب الشمالي أو الغابات الشمالية، إذ يُعتقد أنها شديدة الحساسية لتغير المناخ. لكن هذه الدراسة تناولت تربة شبه مدارية حارة ورطبة تعاني بالفعل من ضعف الخصوبة.
وقالت سيهي:“تجري هذه الدراسة في حقول قطن سابقة تحولت إلى غابات، وليست في غابات أصلية. القطن محصول مُجهد للتربة، لذا فهي لا تحتوي على مغذيات أو كربون كافٍ؛ التربة ليست خصبة أو صحية”.
هذا مهم لأن التربة ليست متشابهة في كل مكان. ما يحدث في القطب الشمالي قد يختلف تمامًا في غابة استوائية أو حقل منهك في جورجيا.
وأوضحت:“يبدو في هذه الحالة أن الاحترار وحده قد لا يحفز النشاط الميكروبي لأن هذه الميكروبات لا تمتلك موارد كافية للازدهار. بعبارة أخرى، نقص الموارد الميكروبية يحد من تأثير الاحترار”.

علم التربة ما زال يتعلم
الفريق القائم على هذه الدراسة لا يتوقف هنا، إذ يجري تجارب مماثلة في بورتوريكو وبنما لمعرفة كيفية استجابة النظم البيئية الاستوائية للاحترار.
كل معلومة تساعد على بناء صورة أوضح لما يمكن توقعه مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية.
وقالت سيهي:
“الطبيعة تُصدر الكربون لكنها تمتصه أيضًا. إذا عرفت كمية ثاني أكسيد الكربون الصادرة من النظام الطبيعي يمكنك تحديد أهداف لقطاعات صناعية أو اقتصادية أخرى لتقليل الانبعاثات.”
إن فهم كيفية عمل التربة – متى تخزن الكربون ومتى تطلقه – أمر أساسي لإدارة ميزانية الكربون على الأرض. ويضيف هذا البحث قطعة مهمة أخرى إلى الأحجية، مؤكّدًا أن الحرارة ليست القصة كاملة عندما يتعلق الأمر بالتربة.





