ثورة في البناء.. خرسانة ذكية تمتص الكربون وتدوم آلاف السنين
الذكاء الاصطناعي يصمم خرسانة "صديقة للمناخ" أقوى تنقذ الأرض وتتحمل الحرائق
الخرسانة موجودة في كل مكان – فهي تُستخدم في تشييد الطرق السريعة، والمنازل، والأبراج المكتبية، والمدارس.
إنها مادة قوية، ومقاومة للنيران، وتُعد حجر الأساس للبنية التحتية الحديثة.
لكنها في الوقت ذاته تمثل مشكلة كبيرة، إذ يُنتج تصنيع الخرسانة نحو 8% من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالميًا.
والأسوأ أن معظم الخرسانة الحديثة تبدأ في التصدع والانهيار بعد قرن واحد فقط من استخدامها.
لكن، ماذا لو وُجدت خرسانة يمكنها احتجاز ثاني أكسيد الكربون، وتقوية نفسها ذاتيًا، وقد تدوم لآلاف السنين؟ هذا هو الهدف من النموذج الجديد القائم على الذكاء الاصطناعي، الذي طوره علماء في كلية فيتيربي للهندسة بجامعة جنوب كاليفورنيا (USC).
مواجهة تغير المناخ بالدقة الذرية
في أعقاب حرائق يناير في لوس أنجلوس، بدأ فريق بحثي من الجامعة يفكر بطريقة مختلفة: ماذا لو أن الخرسانة التي نعيد بها بناء ما دمرته النيران، تُسهم في الوقت ذاته في سحب الكربون من الهواء؟
من هذا السؤال وُلد مشروع “Allegro-FM”، ثمرة تعاون بحثي استمر 20 عامًا.
يقول البروفيسور آييتشيرو ناكانو، أستاذ علوم الحاسوب والفيزياء وعلم الأحياء الحسابي: “يمكنك ببساطة وضع ثاني أكسيد الكربون داخل الخرسانة، لتُصبح عندها خرسانة محايدة كربونيًا”.

اختبارات عبر الحواسيب العملاقة
عملية احتجاز الكربون داخل الخرسانة ليست سهلة، لكن نموذج الذكاء الاصطناعي “Allegro-FM” يسهل المهمة.
فعوضًا عن التجارب المخبرية المكلفة والبطيئة، تُجرى الاختبارات رقميًا، على مليارات الذرات في بيئات افتراضية.
باستخدام الحاسوب العملاق “Aurora” في مختبر أرجون الوطني، تمكن النموذج من محاكاة أكثر من 4 مليارات ذرة بكفاءة بلغت 97.5% – أي أكبر بنحو 1000 مرة من قدرات النماذج القديمة.
مقاومة للحرائق ومُقللة للكربون
يُغطي النموذج 89 عنصرًا كيميائيًا، ما يجعله قادرًا على تصميم خرسانة تناسب المدن المهددة بحرائق الغابات، مثل لوس أنجلوس، وتُسهم في خفض الانبعاثات في الوقت نفسه.
ويقول البروفيسور كين-إيتشي نومورا من قسم الهندسة الكيميائية وعلوم المواد: “تقليديًا لم نكن نملك طريقة لمحاكاة خصائص الخرسانة المعقدة، لكن الآن يمكننا دراسة خصائصها الميكانيكية والبنيوية باستخدام Allegro-FM”.
أكثر قوة.. وأطول عمرًا
الفائدة لا تتوقف عند البيئة فقط، إذ تبين أن تخزين الكربون في الخرسانة قد يجعلها أقوى، يوضح ناكانو: “عندما نضيف ثاني أكسيد الكربون، تتشكل طبقة كربونات تجعل الخرسانة أكثر صلابة”.
بل إن الفريق يتطلع إلى إنتاج خرسانة تضاهي في صلابتها واستمراريتها الخرسانة الرومانية القديمة، التي لا تزال قائمة منذ أكثر من 2000 عام.
الذكاء الاصطناعي يُغير قواعد اللعبة
تقليديًا، كانت محاكاة المواد على المستوى الذري تعتمد على معادلات كمومية معقدة وبطيئة، أما الآن، فيستخدم الباحثون الذكاء الاصطناعي لإنشاء مجموعات تدريب وتُكمل النماذج باقي المهمة بكفاءة.
وهذا يسمح بالتعامل مع كميات أكبر من البيانات، واختبار تعقيدات لم تكن ممكنة سابقًا، مع تقليل استهلاك الموارد الحاسوبية. النتيجة: دقة شبه كمومية بموارد أقل.
الخطوة التالية في ثورة الخرسانة
يؤكد نومورا أن المشروع سيستمر: “سنتوسع في هذا البحث لتصميم خرسانات أكثر تعقيدًا من حيث الهندسة والأسطح”.
الخلاصة؟ الذكاء الاصطناعي لا يُغير فقط طريقة فهمنا للمواد، بل يُعيد رسم ملامح مستقبلنا المعماري والمناخي، وقد تكون الخرسانة، هذه المرة، جزءًا من الحل وليس المشكلة.





