خبراء يطالبون بإلغاء التراخيص النفطية لإنقاذ اتفاق باريس خلال مؤتمر المناخ COP30
دراسة: استمرار التنقيب عن الوقود الأحفوري يهدد هدف 1.5 درجة ويقوض استقرار المناخ
في لحظة حاسمة من تاريخ العمل المناخي العالمي، يدقّ خبراء من جامعة برشلونة ناقوس الخطر خلال مؤتمر الأطراف لتغير المناخ (COP30) المنعقد في البرازيل، مؤكدين أن استمرار منح أو تجديد امتيازات الوقود الأحفوري يشكّل تهديدًا مباشرًا لمستقبل اتفاق باريس، وربما لمستقبل الاستقرار البيئي العالمي بأسره.
وتأتي هذه التحذيرات في ورقة بحثية نُشرت بدورية Nature العلمية، وشارك في إعدادها كل من مارتي أورطا وغوركا مونيوّا ومارسيل يابيرو من جامعة برشلونة، إلى جانب غيليم ريوس من معهد الصحة العالمية في برشلونة ISGlobal .

هدف الـ1.5 درجة… نافذة الفرص تضيق
يؤكد الخبراء أن اتفاق باريس، الذي يمثل الإطار الدولي الأهم لمواجهة تغير المناخ، يفرض على الدول العمل بصورة عاجلة على إبقاء متوسط درجة حرارة الأرض “دون درجتين مئويتين”، مع بذل جهود إضافية لعدم تجاوز حاجز 1.5 درجة مئوية.
غير أن تحقيق هذا الهدف لم يعد أمرًا نظريًا، بل بات يرتبط بإجراءات حاسمة تشمل التحول السريع إلى الطاقة المتجددة، ووقف جميع أنشطة التوسع في الوقود الأحفوري.
ويحذّر الباحثون من أن العالم يسير فعليًا نحو تجاوز مؤقت لحد 1.5 درجة في السنوات المقبلة، وهو ما سيؤدي إلى ضغط كبير على الأنظمة البيئية والمناخية، قبل أن تبدأ درجات الحرارة في الانخفاض مجددًا بعد عقود إذا نجحت خطط خفض الانبعاثات.
ويؤكد الفريق العلمي أن هذا السيناريو المتفائل لا يمكن تحقيقه إلا بـ وقف فوري للتنقيب الجديد وإلغاء الامتيازات الحالية التي تعمّق أزمة الانبعاثات يومًا بعد يوم.

دعوة إلى إعادة هندسة القانون الدولي للطاقة
تشير الورقة إلى أن جزءًا كبيرًا من المشكلة يكمن في الإطار القانوني الحالي الذي “يُحصّن” الشركات الكبرى ويمنحها حقوقًا واسعة في الامتيازات النفطية.
ولذلك يدعو الخبراء إلى إعادة تعريف الأطر القانونية الدولية بحيث تصبح الدول قادرة على:
– إلغاء تراخيص الوقود الأحفوري القائمة
– وقف التوسع في منح التراخيص الجديدة
– ترتيب التزامات قانونية دولية تفضّل حقوق المناخ على مصالح الشركات
ويذهب الباحثون إلى أن ترك هذه الامتيازات دون مراجعة يعني الحكم بالفشل شبه المؤكد على اتفاق باريس، خاصة في ظل الزيادة القياسية في انبعاثات الميثان وثاني أكسيد الكربون من قطاع الوقود الأحفوري.

الأمازون… جبهة المعركة الأكثر خطورة
في دراسة موازية نُشرت بدورية Energy Research & Social Science، يسلّط الباحثون الضوء على مستوى غير مسبوق من التلوث النفطي في امتيازات النفط 1AB/192 و8 شمال الأمازون البيروفي، وهي منطقة تُعد من أكثر الأماكن ثراءً بالتنوع الحيوي على الأرض، كما أنها موطن لعشرات المجتمعات الأصلية التي تعتمد حياةً وثقافةً على سلامة الغابات والمياه.

1184 حادثة بيئية… والردع غائب
تُظهر بيانات الدراسة، التي تغطي الفترة بين 2008 و2018، تسجيل 1184 حادثة بيئية، تتراوح بين:
– تسربات نفطية متكررة
– تصريف كميات كبيرة من “مياه الإنتاج” السامة
– تدمير موائل بيئية حساسة
– تلويث مصادر مياه شرب واعتماد يومي للمجتمعات الأصلية
غير أن الجزء الأكثر إثارة للقلق هو أن 17% فقط من هذه الحوادث ينتهي بفرض عقوبات، وغالبًا ما تُخفّض الغرامات أو تُلغى تمامًا خلال الاستئناف.
وتكشف الدراسة أن الشركات العابرة للحدود تعمل في هذه المناطق بـ إفلات شبه كامل من العقاب، ما يعزز نموذجًا اقتصاديًا يقوم على الربح السريع على حساب البيئة وصحة السكان.
تجريد الشركات من الامتيازات… مطلب لا رفاهية
يرى الباحثون أن الحل لا يقتصر على فرض غرامات، بل يجب أن تكون الغرامات متناسبة مع الأرباح الفعلية للشركات، بحيث لا يكون انتهاك البيئة خيارًا اقتصاديًا مربحًا.
كما يقترحون تفعيل آلية سحب التراخيص من الشركات التي تكرر المخالفات، وعدم الاكتفاء بتحذيرات شكلية أو غرامات رمزية.
المراقبة الأصلية… الأكثر دقة وفعالية
تشدّد الدراسة على ضرورة دمج أنظمة المراقبة التي تجريها المجتمعات الأصلية، التي تتمتع بمعرفة استثنائية بالبيئة المحلية، وقدرة عالية على اكتشاف التسربات مبكرًا.
ويشير الباحثون إلى أن دعم الهيئات الحكومية في دول مثل بيرو بمزيد من التمويل والخبرات والمعدات سيؤدي إلى سد فجوة الرقابة التي تستغلها الشركات.
التقاطعات الكبرى: المناخ، العدالة، والسيادة
تكشف الدراستان مجتمعتين عن صورة واسعة تتجاوز مجرد الجوانب البيئية، إذ تتقاطع الأزمة مع:
– حقوق الإنسان للمجتمعات الأصلية
– العدالة المناخية بين الدول المنتجة والمتضررة
– السيادة الوطنية أمام نفوذ الشركات الكبرى
– الالتزامات الأخلاقية المتعلقة بالحفاظ على المناطق ذات القيمة البيئية العالمية
ويخلص الخبراء إلى أن مستقبل المناخ العالمي أصبح رهينًا لقدرة المجتمع الدولي على اتخاذ قرارات جريئة، تبدأ من إلغاء امتيازات الوقود الأحفوري، وتمتد إلى بناء منظومة رقابية عادلة تضمن حماية الغابات والمناطق الحساسة.





