حبيبات بلاستيكية صغيرة تُحدث دمارًا واسعًا بالمحيطات.. علماء يطالبون بتصنيفها «شحنات خطرة»
علماء يحذرون: شحنات البلاستيك الدقيقة ليست خامًا عاديًا بل خطر بيئي دائم
حبيبات بلاستيكية صغيرة بحجم طرف الإصبع، لكنها قادرة على إحداث أضرار جسيمة في المحيطات، وبعد سلسلة من حوادث التسرب الكبرى، يدعو فريق دولي من الباحثين المنظمة البحرية الدولية إلى الاعتراف رسميًا بحبيبات البلاستيك – المعروفة باسم «النوردلز» – بوصفها خطرًا للتلوث البحري، وتشديد القواعد المنظمة لمنع التسربات والاستجابة لها.
ويجمع تعليق علمي جديد، قُبل للنشر في دورية Cambridge Prisms: Plastics، أدلة تراكمت على مدار سنوات من دراسات ميدانية ومخبرية تتبعت انتشار الحبيبات في البيئات البحرية، إضافة إلى اختبارات كيميائية ودراسات سمّية وتحقيقات في حوادث تسرب واسعة النطاق.
ويؤكد الباحثون أن القواعد الحالية للشحن البحري لا توفر حماية كافية للبيئة البحرية من تلوث الحبيبات البلاستيكية، رغم المعرفة المستمرة منذ عقود بتكرار تسربها إلى البحر.

لماذا تتسرب الحبيبات بسهولة؟
الحبيبات البلاستيكية جسيمات صغيرة يتراوح قطرها بين 2 و5 مليمترات، تُصنع من بلاستيك بكر أو مُعاد تدويره، وتُنقل حول العالم باعتبارها مادة خام لإنتاج عدد لا يُحصى من المنتجات البلاستيكية.
غير أن سهولة انسكابها تمثل المشكلة الأساسية؛ إذ يمكن فقدانها خلال التخزين أو التحميل أو المناولة البرية، كما قد تتسرب في أثناء النقل البحري، وهو ما جرى توثيقه منذ سبعينيات القرن الماضي.
وبمجرد تسربها، يصبح جمعها بالغ الصعوبة؛ فهي تنتشر على نطاق واسع، وتختلط بالرمال والأعشاب البحرية، وقد تظل تدور في البيئة البحرية لسنوات طويلة.
ويرى العلماء أن هذه الخصائص تجعلها بعيدة عن كونها «شحنة منخفضة المخاطر»، نظرًا لصغر حجمها واستمراريتها وسهولة تسربها عبر سلاسل الإمداد المختلفة.

كافية لإطعام ملايين الطيور
أبرز الأضرار تتجلى في التأثيرات الفيزيائية؛ إذ تبتلعها الكائنات البحرية ظنًا أنها غذاء، لا سيما الطيور البحرية والأسماك والسلاحف.
وأشارت الباحثة جينيفر لافرز من جامعة تشارلز ستورت إلى أن كميات الحبيبات التي تدخل البيئة البحرية اليوم تكفي «لإطعام» ملايين فراخ الطيور البحرية، موضحة أن معدلات ابتلاع البلاستيك تقترب من 100% في بعض المناطق، وأن الحبيبات تمثل مشكلة خاصة لبعض الأنواع.
وابتلاع هذه الجسيمات قد يسبب انسداد الجهاز الهضمي، ويؤدي إلى سوء التغذية أو الإصابة أو النفوق. ومع تراكمها في البيئة، يتحول التعرض لها من حادث عرضي إلى تهديد دائم، خصوصًا في المناطق التي تركز فيها التيارات البحرية المخلفات الطافية.

ناقلات للمواد الكيميائية
لا تقتصر المخاطر على الجانب الفيزيائي؛ فالحبيبات ليست مواد خاملة، إذ تحتوي على إضافات كيميائية من عمليات التصنيع، كما يمكنها امتصاص ملوثات سامة من مياه البحر ثم إطلاقها لاحقًا، ما يجعلها وسائط لنقل ملوثات ثابتة عبر النظام البيئي.
وحذّر باحثون من أن هذه الملوثات قد تنتقل عبر الشبكات الغذائية؛ فالكائنات الصغيرة التي تبتلع الحبيبات قد تُؤكل بدورها من مفترسات أكبر، فتنتقل الملوثات صعودًا في السلسلة الغذائية.
كارثة «إكس-برس بيرل»
شهد العالم حوادث تسرب للحبيبات منذ عقود، لكن حادثة سفينة الحاويات X-Press Pearl عام 2021 قبالة سواحل سريلانكا لفتت الانتباه عالميًا.
فقد اشتعلت النيران في السفينة، وتسربت حمولتها من المواد الكيميائية والحبيبات البلاستيكية إلى البحر، مسببة أضرارًا قُدّرت بنحو 6.4 مليار دولار، معظمها مرتبط بالتلوث البيئي.
وضربت الآثار الشواطئ ومصايد الأسماك والنظم البيئية الساحلية بشكل سريع وملموس، ما عزز المطالبات باعتبار هذه الحبيبات شحنات خطرة تستدعي تنظيمًا أشد صرامة.

ثغرات في القواعد الحالية
يحظر اتفاق «ماربول» التابع للمنظمة البحرية الدولية الإلقاء المتعمد للبلاستيك في البحر، لكن الباحثين يرون أن القواعد الحالية لا تعالج بشكل كافٍ حالات التسرب العرضي أو فقدان الحاويات أو الكوارث البحرية.
وفي حين اعتمد الاتحاد الأوروبي مؤخرًا قواعد تستهدف منع فقدان الحبيبات عبر سلاسل الإمداد، تعهدت المنظمة البحرية الدولية عام 2021 بمعالجة تلوث الحبيبات ضمن جهودها للحد من النفايات البلاستيكية البحرية.
ومن بين المقترحات المطروحة منح الحبيبات رقمًا خاصًا ضمن تصنيف الأمم المتحدة للمواد الخطرة، بما يفرض متطلبات إضافية على التعبئة والوسم والإبلاغ.

دعوة لتنظيم عالمي عاجل
يرى معدّو الدراسة أن الأدلة العلمية كافية لاتخاذ هذه الخطوة، داعين إلى الاعتراف بالمخاطر وتنظيمها تبعًا لذلك، من خلال إجراءات وقائية أكثر صرامة لمنع التسرب، ومتطلبات واضحة للاستجابة السريعة عند وقوع الحوادث.
ويؤكد الباحثون أن استمرار اعتبار هذه الحبيبات «شحنات عادية» يتجاهل طبيعتها الدائمة، وانتشارها الواسع، وسهولة ابتلاعها من الكائنات البحرية، وقدرتها على نقل ملوثات خطرة، فالمعتاد لا يعني المقبول، خاصة حين يتعلق الأمر بصحة المحيطات وسلامة السلسلة الغذائية.





