حذر أنطونيو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، من أن العالم يواجه تزامنًا غير مسبوق في التهديدات، في وقت تتعرض فيه آليات العمل الجماعي الدولي لضغوط متزايدة، مؤكدًا أن القوى العظمى لا تستطيع بمفردها ضمان الأمن العالمي أو حل أزمات العالم.
جاء ذلك خلال خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مع اقتراب نهاية ولايته الثانية في 31 ديسمبر المقبل، حيث استعرض أبرز التحديات التي شهدها العالم خلال السنوات الماضية، من الحروب والصراعات والتفاوت الاقتصادي إلى أزمة المناخ والتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي.
وتزامن انعقاد الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة مع تأكيد المنظمة الدولية أن تعزيز التعاون العالمي ومواجهة التحديات المتشابكة يمثلان محورًا رئيسيًا لأعمال الأسبوع رفيع المستوى، فيما تستضيف الأمم المتحدة في 23 سبتمبر قمة للمناخ تجمع الاقتصادات الكبرى والدول النامية والدول الأكثر هشاشة ومصدري ومستهلكي الطاقة.
جوتيريش: قوة العظمى لها حدود
وقال جوتيريش إن الانقسامات العالمية تحولت من مجرد تصدعات إلى فجوات عميقة، معتبرًا أن أحداث السنوات الأخيرة أظهرت حدود القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية في التعامل مع الأزمات العالمية.
وأوضح أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع تحقيق السلام، والقوة الاقتصادية وحدها لا تستطيع فرض الاستقرار، كما أن القوة التكنولوجية وحدها لا تضمن الأمن.
ودعا إلى الاعتراف، خصوصًا من جانب القوى الكبرى، بأن نفوذها وقدراتها لها حدود، وأن مواجهة التحديات العالمية تتطلب تعاونًا دوليًا متعدد الأطراف بدلًا من الاعتماد على القوة المنفردة.
المناخ والذكاء الاصطناعي في قلب الأزمات
وأشار الأمين العام للأمم المتحدة إلى أن العالم شهد خلال العقد الماضي اندلاع حروب ذات تداعيات مدمرة، واستمرار أزمات إنسانية، وتزايد الانقسامات الجيوسياسية، وتصاعد عدم المساواة، وتراجع الثقة، بالتزامن مع تحول أزمة المناخ من تحذير بعيد إلى واقع يومي.
كما لفت إلى أن الذكاء الاصطناعي تطور بسرعة فاقت توقعات كثير ممن شاركوا في تطويره، ما يفرض الحاجة إلى أطر دولية قادرة على التعامل مع مخاطره وتطوراته.
وكان غوتيريش قد وضع قبل انعقاد الجمعية العامة أزمة المناخ والذكاء الاصطناعي والتفاوتات المتزايدة ضمن ما وصفه بالتهديدات الوجودية الرئيسية التي تواجه العالم، داعيًا إلى تعزيز التعاون الدولي لمواجهتها.
جوتيريش: أزمة المناخ تهديد للأمن العالمي
وفي حديثه عن المناخ، أكد غوتيريش أن أزمة المناخ تمثل تهديدًا وجوديًا، منتقدًا استمرار اعتماد الاقتصادات على الوقود الأحفوري، وداعيًا إلى تسريع التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة وخفض الانبعاثات.
وقال إن التحول من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة، وخفض الانبعاثات بصورة كبيرة خلال العقد المقبل، يمثلان ضرورة للحد من التداعيات المناخية التي ستؤثر في البشرية بأكملها.
وأكد في تصريحات سابقة للأمم المتحدة أن الدول النامية تواجه تكاليف اقتراض أعلى لتمويل الطاقة النظيفة والقدرة على التكيف، بما قد يصل إلى ضعفي أو ثلاثة أضعاف التكاليف في الاقتصادات الأكثر ثراءً، داعيًا إلى توسيع التمويل المناخي وتوجيه مزيد من الاستثمارات إلى الدول الأكثر احتياجًا.
أرباح شركات الوقود الأحفوري مقابل تمويل التكيف
وانتقد غوتيريش شركات الطاقة الأحفورية، متهمًا شركات النفط الكبرى بتحقيق أرباح ضخمة في الوقت الذي تتحمل فيه المجتمعات تكلفة تداعيات تغير المناخ.
وأشار إلى أن خمس شركات نفط غربية كبرى حققت، بحسب الأرقام التي استند إليها في خطابه، أرباحًا قاربت نصف تريليون دولار منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، في حين بلغ تمويل التكيف الدولي العام للدول النامية 34 مليار دولار فقط في أحدث عام تتوافر عنه بيانات، وفق عرضه.
وربط غوتيريش بين أزمة الطاقة وتغير المناخ وتكاليف المعيشة، محذرًا من أن موجات الحرارة والظواهر المناخية المتطرفة تؤثر في أسعار الطاقة والغذاء والتأمين.
الذكاء الاصطناعي وانتقال السلطة إلى الشركات
وحذر الأمين العام للأمم المتحدة من انتقال قدر متزايد من النفوذ من الحكومات إلى عدد محدود من الشركات والأفراد، مشيرًا إلى امتداد هذا النفوذ إلى السياسة والاقتصاد وتدفقات المعلومات والتطور التكنولوجي والمجال المدني.
كما أعرب عن مخاوفه من تزايد الاعتماد على الآلات والذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى تطوير أنظمة ذاتية التشغيل يمكن أن تدخل في مجالات عسكرية، داعيًا إلى وضع إطار دولي جديد لتنظيم الذكاء الاصطناعي.
تحذير من انقسام العالم إلى كتلتين
ودعا غوتيريش إلى تجنب ما وصفه بـ«الشرخ الكبير»، أي انقسام العالم إلى كتلتين متنافستين لكل منهما أنظمته الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية.
وقال إن التحدي الرئيسي يتمثل في أن نظام الحوكمة العالمية لا يزال يعكس توازنات قوى تنتمي إلى عصر سابق، في حين تتغير موازين القوة بين الدول وداخلها.
وأكد أن البديل يتمثل في نظام متعدد الأطراف يقوم على أمم متحدة أكثر توازنًا وتمثيلًا، بما يسمح للدول بالتعامل الجماعي مع التحديات العابرة للحدود.
جوتيريش يدعو إلى وقف الحروب وحماية المدنيين
وتطرق الأمين العام للأمم المتحدة إلى عدد من النزاعات الدولية، داعيًا إلى وقف القتال وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
وفيما يتعلق بالحرب في غزة، قال إن الهجوم الذي وقع في أكتوبر 2023 أعقبه هجوم واسع على الفلسطينيين في غزة، مشيرًا إلى حجم القتل والدمار.
كما حذر من استمرار العنف والنزوح والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، معتبرًا أن هذه التطورات تزيد صعوبة الوصول إلى السلام، ودعا إلى عدم السماح باختفاء حل الدولتين.
وفي أوكرانيا، وصف الغزو الروسي واسع النطاق بأنه انتهاك لميثاق الأمم المتحدة، كما أشار إلى الهجمات التي طالت مناطق داخل روسيا، محذرًا من تداعيات أوسع على سلاسل إمدادات الغذاء والطاقة عالميًا.
إصلاح مجلس الأمن وتمثيل إفريقيا
واعترف غوتيريش بأن غياب تمثيل إفريقي دائم في مجلس الأمن يعكس خللًا في بنية النظام الدولي، داعيًا إلى إصلاح المؤسسات الدولية بما يتوافق مع التحولات الحالية في توزيع القوة عالميًا.
وفي الوقت نفسه، دافع عن دور الأمم المتحدة باعتبارها مساحة يمكن من خلالها مساءلة القوى المؤثرة، رغم الضغوط المالية والسياسية التي تواجه المنظمة.
وأشار إلى تحقيق الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين للمرة الأولى في تاريخها عبر مستويات القيادة العليا ومقراتها وجميع الموظفين المهنيين.
الطاقة المتجددة.. نقطة مضيئة وسط الأزمات
ورغم تحذيراته بشأن التحديات العالمية، أشار غوتيريش إلى وجود مؤشرات يمكن البناء عليها، خاصة التطور السريع في قطاع الطاقة المتجددة.
وقال إن العديد من الاقتصادات الناشئة الكبرى من مستوردي الوقود الأحفوري، ما يمنحها حافزًا اقتصاديًا لتطوير مصادر الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على واردات الوقود.
وتأتي تصريحاته قبل قمة المناخ التي تعقدها الأمم المتحدة في نيويورك في 23 سبتمبر، والتي تركز على تسريع التحول في الطاقة وتعزيز أمن الطاقة والعدالة المناخية وحماية السكان من آثار أزمة المناخ المتسارعة.
ويضع خطاب جوتيريش الأخير أمام الجمعية العامة مجموعة من الملفات المترابطة في قلب النقاش الدولي، من تغير المناخ والطاقة إلى الحروب والذكاء الاصطناعي وإصلاح المؤسسات الدولية، في وقت تؤكد فيه الأمم المتحدة أن تعزيز التعاون الدولي يمثل محورًا أساسيًا للدورة الـ81 للجمعية العامة.
