اكتشاف مسار كيميائي جديد يشكّل جسيمات تلوث الهواء المؤثرة على المناخ وصحة الإنسان
اكتشاف مركبات كبريتية مؤكسدة تلعب دورًا رئيسيًا في تلوث الهواء والمناخ
كشف عالم فيزياء الغلاف الجوي بجامعة ألاباما في هنتسفيل، التابعة لنظام جامعة ألاباما، عن مسار كيميائي غير معروف سابقًا يلعب دورًا رئيسيًا في تكوّن جسيمات تلوث الهواء في البيئات المتأثرة بالانبعاثات الطبيعية والبشرية معًا، وهو اكتشاف قد يعيد تشكيل فهم العلماء لجودة الهواء وتأثيراتها المناخية.
وقادت الدكتورة شانهو لي، أستاذة علوم الغلاف الجوي وعلوم الأرض بالجامعة، دراسة نُشرت في دورية Geophysical Research Letters، أوضحت أن مركبات «الأورجانوسلفات المؤكسدة» (OOS)، وهي فئة من المركبات العضوية المحتوية على الكبريت، يمكن أن تتكوّن مباشرة في الطور الغازي لانبعاثات الهباء الجوي، وأن تعمل كبذور قوية لتشكّل جسيمات جديدة في الغلاف الجوي.
ويمكن لهذه الجسيمات أن تنمو لاحقًا لتكوّن جسيمات دقيقة تؤثر في تكوّن السحب، وتنعكس سلبًا على جودة الهواء وصحة الإنسان واستقرار المناخ.
وقالت لي إن هذا البحث يمثل اختراقًا علميًا في مجال دراسة الهباء الجوي، مشيرة إلى أن الدراسات المستقبلية ستركز على كيفية تأثير هذه العمليات في جودة الهواء داخل المدن، وكيف يمكن لمصادر الانبعاثات الناشئة أن تعزز تكوّن الجسيمات.
وجاء هذا الاكتشاف الجديد بشكل غير متوقع خلال تجارب معملية صُممت لمحاكاة البيئات الحرجية في الولايات المتحدة، التي تتأثر في كثير من الأحيان بانتقال التلوث الناتج عن الأنشطة البشرية لمسافات طويلة.

وأوضحت لي أن الهدف الأصلي من التجارب كان دراسة عمليات تكوّن الهباء الجوي في البيئات الشبيهة بالغابات الأمريكية، إلا أن خلط المركبات الحيوية مع الأوزون وثاني أكسيد الكبريت أدى إلى تكوّن مركبات الأورجانوسلفات المؤكسدة في الطور الغازي، وهو أمر كان يُعتقد سابقًا أنه يحدث في الجسيمات فقط.
ويشير الطور الغازي لأنواع الهباء الجوي، بما في ذلك المركبات منخفضة التطاير، إلى وجودها في الغلاف الجوي قبل أو أثناء تحولها إلى جسيمات صلبة أو سائلة، ما يؤثر في عمليات تكوّن الجسيمات ونموها والتفاعلات الكيميائية المصاحبة لها.
ولتحديد ما إذا كان هذا التكوّن في الطور الغازي ممكنًا من الناحية الكيميائية، تعاونت لي مع الدكتور يوناس إلم وفريقه بجامعة آرهوس في الدنمارك، حيث استخدموا حسابات كيمياء كمومية متقدمة كشفت عن مسار تفاعلي جديد وخالٍ من الحواجز، يسمح بتكوّن مركبات الأورجانوسلفات المؤكسدة مباشرة من مركبات شائعة في الغلاف الجوي.
وباستخدام أجهزة قياس طيف الكتلة المتطورة، رصد الفريق البحثي أكثر من 200 مركب مختلف من الأورجانوسلفات المؤكسدة في الطور الغازي، وتبيّن أن هذه المركبات تسهم بشكل كبير في عملية تنوي الجسيمات، وهي الخطوة الأولى والحاسمة في تكوّن جسيمات جديدة.
وتُعد عملية تنوي الهباء الجوي المرحلة التي تتشكل فيها جسيمات صلبة أو سائلة دقيقة مباشرة من الجزيئات الغازية، لتكوّن البذور الأولية للضباب والسحب والتلوث، وغالبًا ما تشمل غازات مثل حمض الكبريتيك والأمونيا والمركبات العضوية منخفضة التطاير.

وأكدت لي، أن هذا الاكتشاف يتحدى الافتراض السائد منذ فترة طويلة بأن تكوّن الهباء الجوي ينتج عن إسهامات مستقلة لمركبات كيميائية منفردة، موضحة أن هذه المركبات يمكن أن تتفاعل كيميائيًا مع بعضها لتشكيل مواد جديدة بالكامل، من بينها الأورجانوسلفات المؤكسدة التي لم تكن مدرجة في معظم النماذج الحالية.
وأشارت الدراسة إلى أهمية هذا الفهم الجديد، خاصة أن البيئات الطبيعية أو البشرية الخالصة نادرة في الواقع، حيث تمتزج الانبعاثات الحيوية مع الملوثات البشرية في المدن والمناطق الحرجية على حد سواء.
كما لفتت لي إلى أن مدنًا مثل أتلانتا وهيوستن تشهد مستويات مرتفعة من ثاني أكسيد الكبريت نتيجة محطات الطاقة القريبة، إلى جانب انبعاثات حيوية قوية من الغطاء النباتي.
وفي السياق نفسه، أوضحت أن ملوثات حضرية ناشئة، مثل منتجات العناية الشخصية والتنظيف، تطلق مركبات مونوتربين
مثل الليمونين، مشيرة إلى أن الأبحاث المستقبلية ستدرس كيفية تفاعل الليمونين مع الأوزون وثاني أكسيد الكبريت لتكوين الأورجانوسلفات المؤكسدة في البيئات الحضرية، بما يسهم في تحسين فهم جودة الهواء داخل المدن مع تزايد هذه المصادر الجديدة للانبعاثات.





