الجذور تتنفس.. اكتشاف جديد يغير فهمنا لدورة الكربون في النباتات
ثورة صامتة تحت الأرض.. الجذور تمتص ثاني أكسيد الكربون مباشرة من التربة
لطالما تعلمنا أن النباتات تمتص ثاني أكسيد الكربون من أوراقها، وتحوّله إلى غذاء باستخدام ضوء الشمس، ثم تُعيد الأكسجين إلى الهواء. ووفق الكتب المدرسية، فإن الجذور تكتفي بامتصاص الماء والمعادن من التربة.
لكن الحقيقة كانت أعمق من ذلك. تكشف دراسة حديثة بقيادة الدكتور أميران خابيدوفيتش زانيلوف من جامعة كاباردينو-بالكاريا الحكومية الروسية، أن الجذور قادرة أيضًا على امتصاص ثاني أكسيد الكربون مباشرة من التربة.
الدراسة نُشرت في مجلة Carbon Research، وصادرة عن مركز إزالة الكربون في المجمع الزراعي والصناعي والاقتصاد الإقليمي بجامعة كاباردينو-بالكاريا الحكومية.
الجذور تمتص الكربون
لاختبار هذه الفكرة، صمّم فريق الدكتور زانيلوف نظامًا مخصصًا يضم حجرة محكمة لكل من الأوراق والجذور، مزودة بأجهزة استشعار تتعقب مستويات ثاني أكسيد الكربون في الوقت الفعلي.
نما 19 نبات ذرة في هذا النظام لمدة أربعين يومًا، مع تعديل الضوء، السماد، والهواء بشكل منفصل.
كانت النتائج مذهلة، عندما اختفى ضوء الشمس وتوقف التمثيل الضوئي، بدأت الجذور في سحب الكربون من هواء التربة، الأوراق أطلقت ثاني أكسيد الكربون، بينما امتصته الجذور، محققة توازنًا فريدًا.
قال الدكتور زانيلوف: “يشير هذا إلى أن امتصاص الجذور للكربون ليس مجرد فضول علمي، بل قد يكون مسارًا بديلًا للتغذية الكربونية، وعندما يتوافر الضوء، قد تساعد الجذور في دعم أو موازنة إمدادات الكربون، خصوصًا في ظروف تذبذب الكربون الجوي.”

تأثير الضوء على نشاط الجذور
اكتشف الفريق أن الجذور تصبح نشطة عندما تنخفض مستويات الكربون في الهواء إلى نحو 367–417 جزء في المليون، وهو مستوى قريب مما نتنفسه اليوم. لذا، فإن هذه الظاهرة ليست مجرد تجربة مخبرية، بل قد تحدث في المزارع والغابات في كل مكان.
وأظهرت الدراسة ارتباطًا قويًا بين سلوك الأوراق والجذور. عندما توقفت الأوراق عن امتصاص الكربون، تولت الجذور المهمة مباشرة، مع وجود ارتباط سلبي بمقدار -0.859، ما يدل على تناغم مباشر ومتوقع بينهما.

تأثير الضوء الساطع
تصرف النبات في ضوء أقوى بطريقة مختلفة. لم تبدأ الأوراق في إطلاق الكربون مباشرة بعد غروب الشمس، بل انتظرت نحو 80 دقيقة، فالضوء الإضافي يوفر لها طاقة مخزنة تمكن النظام الداخلي من الاستقرار قبل التحول إلى وضع الليل.
الأسمدة تغير تدفق الكربون
إضافة نترات الأمونيوم أبطلت هذا الإيقاع الطبيعي، فالأسمدة زادت من تنفس الأوراق لكنها قللت من امتصاص الكربون أثناء النهار، حيث انخفض الامتصاص من 92.3 إلى 70.4 جزءًا في المليون مقارنة بالنباتات غير المخصبة.
وأشار الدكتور زانيلوف: “زيادة النيتروجين تأتي بتكلفة. يبدو أنها تغيّر توازن الطاقة في النبات، فتزيد النشاط الأيضي لكنها تقلل مؤقتًا من قدرة النبات على تثبيت الكربون خلال النهار، يجب على المزارعين مراعاة توقيت وجرعة الأسمدة لتجنب تقليل كفاءة التمثيل الضوئي.”
ولحماية استقرار التربة، يقترح الفريق إضافة قش القمح أو الكمبوست لتعويض الكربون المفقود نتيجة زيادة نشاط الميكروبات بفعل الأسمدة.

ارتفاع الكربون يوقف الامتصاص
ماذا يحدث إذا ارتفع مستوى ثاني أكسيد الكربون كثيرًا؟ أجاب التجربة عن هذا السؤال أيضًا.
عندما زاد الفريق الكربون من 500 إلى 1,500 جزء في المليون، توقفت الجذور عن الامتصاص، بل انعكس اتجاه تدفق الغاز.
يشير هذا الاكتشاف إلى أن زيادة الكربون العالمي قد تُضعف هذه الآلية الخفية، ما يستدعي التفكير في طرق جديدة للحفاظ على تبادل الكربون تحت الأرض.
الجذور تعيد كتابة علم الكربون
كان يُعتقد أن الجذور تطلق الكربون فقط من خلال التنفس، لكن هذه الدراسة تثبت أنها تستطيع امتصاصه أيضًا. هذا يعني أن نماذج الكربون والممارسات الزراعية بحاجة إلى إعادة تقييم.
يؤمن فريق الدكتور زانيلوف أن إدارة الضوء، السماد، ورطوبة التربة يمكن أن تعزز هذه العملية، ما يسمح للمحاصيل بالتقاط المزيد من الكربون وتحسين نموها، مع جعل الزراعة أكثر وعيًا مناخيًا دون الاعتماد فقط على أساليب إزالة الكربون الخارجية.
ثورة صامتة في نالتشيك
قال الدكتور زانيلوف: “تُظهر هذه الدراسة أن الإنجازات الكبرى لا تأتي دائمًا من المدن الكبرى أو المختبرات الممولة جيدًا، أحيانًا، تنمو بهدوء – في غرفة محكمة، في جذور نبات الذرة، منتظرة أن تُرى.”





