رغم التعهدات المالية الضخمة التي أُعلنت خلال مؤتمر “محيطنا” (Our Ocean Conference) في مدينة مومباسا الكينية هذا الشهر، والتي تجاوزت 6 مليارات دولار لدعم حماية النظم البحرية ومصايد الأسماك المستدامة وطاقة الرياح البحرية، برز غياب لافت لقضية التوسع المستمر في مشروعات النفط والغاز البحرية، وهو ما أثار انتقادات من نشطاء وخبراء المناخ.
ويرى مراقبون أن استمرار تطوير حقول النفط والغاز في البحار والمحيطات يتناقض مع الجهود العالمية الرامية إلى حماية النظم البيئية البحرية ومواجهة تغير المناخ، خاصة أن المحيطات باتت تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وارتفاع مستوى سطح البحر وتدهور الشعاب المرجانية.
تناقض بين التعهدات والممارسات
من النرويج والبرازيل وغويانا إلى جنوب أفريقيا وأنغولا وكينيا، تواصل حكومات عديدة المضي قدمًا في مشروعات النفط والغاز البحرية، بالتوازي مع إعلان التزامات بيئية تتعلق بحماية المحيطات والحد من آثار الاحترار العالمي.
وتبرر هذه الدول سياساتها بالحاجة إلى تعزيز أمن الطاقة وزيادة الإيرادات العامة وتحفيز النمو الاقتصادي، في حين تؤكد منظمات بيئية أن الاستثمار في مشروعات الوقود الأحفوري الجديدة قد يقيد الاقتصادات لعقود مقبلة ضمن مسار يعتمد على النفط والغاز، في وقت يتجه فيه العالم نحو التحول إلى الطاقة النظيفة.
وقال إينيا سيرويراتو، المبعوث الخاص للمحيطات في تحضيرات مؤتمر الأطراف للمناخ (COP31) وعضو البرلمان في دولة فيجي، إن الفصل بين مناقشات حماية المحيطات ومناقشات خفض الانبعاثات لم يعد منطقيًا.
وأضاف أن معالجة آثار تدهور الشعاب المرجانية وحماية الحياة البحرية لا يمكن أن تنجح إذا استمرت السياسات الداعمة للتوسع في الوقود الأحفوري، واصفًا ذلك بأنه “معالجة للأعراض مع الاستمرار في تمويل السبب الرئيسي للمشكلة”.
موجة جديدة من التنقيب البحري
يشكل النفط والغاز المستخرجان من المشروعات البحرية نحو ثلث الإنتاج العالمي من الوقود الأحفوري.
ولا تقتصر آثار هذه المشروعات على الانبعاثات الناتجة عن حرق الوقود، بل تشمل أيضًا التأثيرات المباشرة على النظم البيئية البحرية، مثل المسوحات الزلزالية والضوضاء تحت الماء وحركة السفن ومخاطر التسربات النفطية.
وتؤثر هذه الأنشطة في موائل بيئية حساسة مثل الشعاب المرجانية وغابات المانجروف ومروج الأعشاب البحرية، وهي أنظمة تلعب دورًا أساسيًا في دعم التنوع البيولوجي وحماية السواحل ومصايد الأسماك.
وكشف تقرير صادر في مايو الماضي عن مؤسسة Earth Insight أن 85% من جميع اكتشافات النفط والغاز الجديدة خلال عام 2024 كانت في مناطق بحرية، مع تقدم مشروعات جديدة في دول عدة من بينها البرازيل والنرويج وناميبيا وغويانا ودول شرق أفريقيا.
كينيا بين النفط والطاقة النظيفة
جسد المؤتمر هذا الجدل بصورة واضحة في الدولة المضيفة، حيث أعلنت كينيا انضمامها إلى التحالف العالمي لطاقة الرياح البحرية، لكنها في الوقت ذاته دافعت عن خطط استكشاف النفط والغاز في حوض لامو الساحلي، الذي يُعد من المناطق الغنية بالتنوع البيولوجي.
وأكد مسؤولون كينيون، أن عملية التحول الطاقي تحتاج إلى وقت، وأن استغلال الموارد الطبيعية الحالية لا يتعارض بالضرورة مع التوسع في مصادر الطاقة المتجددة.
وتشير البيانات إلى أن نحو 90% من الكهرباء المنتجة في كينيا تأتي بالفعل من مصادر متجددة تشمل الطاقة الحرارية الأرضية والطاقة الكهرومائية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية، ما يجعلها من أبرز الدول الأفريقية في مجال الطاقة النظيفة.
إلا أن ناشطين بيئيين يحذرون من أن الاستثمار في مشروعات الوقود الأحفوري الجديدة قد يؤدي إلى ما يعرف بـ”الأصول العالقة”، أي استثمارات تفقد قيمتها الاقتصادية مع تسارع التحول العالمي نحو الطاقة منخفضة الكربون، ما قد يترك أعباء مالية كبيرة على الحكومات ودافعي الضرائب.
طاقة الرياح البحرية كبديل
يرى كثير من الخبراء أن طاقة الرياح البحرية تمثل أحد البدائل الواعدة لتحقيق التنمية الاقتصادية دون زيادة الانبعاثات المسببة لتغير المناخ.
وكشفت دراسة عُرضت خلال المؤتمر أن القارة الأفريقية تمتلك إمكانات ضخمة غير مستغلة في مجال الرياح البحرية، يمكن أن تصل إلى نحو 6750 غيغاواط من القدرة الإنتاجية.
ووفق الدراسة، فإن استغلال 5% فقط من هذه الإمكانات قد يوفر نحو 5.9 مليون فرصة عمل ويولد أكثر من تريليون دولار من الفوائد الاقتصادية، فضلًا عن إنتاج كميات من الكهرباء تكفي لتلبية النمو المتوقع في الطلب على الطاقة حتى عام 2040.
كما تشير تقديرات دولية إلى أن كل مليون دولار يُستثمر في مشروعات الرياح البحرية يوفر وظائف تزيد بنحو خمسة أضعاف مقارنة باستثمارات الوقود الأحفوري.
حماية المحيطات تتطلب أكثر من التعهدات
ورغم الدعم المتزايد لمشروعات الطاقة المتجددة البحرية، يحذر متخصصون من أن هذه المشروعات يجب أن تُنفذ وفق تخطيط بيئي دقيق لتجنب الإضرار بالحياة البحرية.
فقد أظهرت دراسات أممية أن إنشاء مزارع الرياح البحرية قد يؤثر مؤقتًا في بعض الأنواع البحرية مثل الحيتان والفقمات والأسماك المهاجرة بسبب الضوضاء وأعمال الحفر، خاصة خلال مراحل البناء.
ومع ذلك، تؤكد غالبية الدراسات أن آثارها البيئية تظل أقل بكثير من التأثيرات المرتبطة بصناعة النفط والغاز البحرية.
وفي ختام النقاشات، شدد المشاركون من الدول الجزرية والدول الأكثر عرضة لتداعيات تغير المناخ على ضرورة المضي نحو التخلص التدريجي والمنظم من الوقود الأحفوري، مؤكدين أن حماية المحيطات لن تتحقق بشكل كامل ما دامت عمليات الاستكشاف والتوسع النفطي مستمرة.
ويرى هؤلاء أن كل قرار جديد بالتنقيب البحري عن النفط والغاز يمثل تحديًا إضافيًا للجهود العالمية الرامية إلى حماية المناخ والحفاظ على النظم البيئية البحرية للأجيال القادمة.
