كشف تقرير جديد صادر عن منظمة «شير أكشن» (ShareAction)، بدعم من الصندوق العالمي للطبيعة (WWF)، أن أكبر شركات التأمين في العالم لا تزال بعيدة عن مواكبة حجم وتسارع أزمات المناخ والتنوع البيولوجي والمخاطر الاجتماعية، رغم تصاعد الكوارث الطبيعية وتزايد الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالتغير المناخي.
وفي النسخة الرابعة من تقرير «تأمين الكوارث» (Insuring Disaster)، قيّمت المنظمة 40 من أكبر شركات التأمين على الممتلكات والحوادث حول العالم، من بينها 30 شركة تأمين تقليدية و10 جهات إدارة تابعة لسوق «لويدز أوف لندن»، وذلك وفق معايير تتعلق بالتغير المناخي، واستخراج الوقود الأحفوري، وفقدان التنوع البيولوجي، والمخاطر الاجتماعية، والحوكمة.
وأظهرت النتائج أن غالبية الشركات حصلت على درجات متدنية تراوحت بين D وE وF، بينما لم تنجح سوى قلة محدودة في تحقيق درجات C وB. وتصدرت شركتا «أليانز» و«أخميا» التقييم بحصولهما على درجة B، وهي الأعلى في التقرير.
وقالت لويز مارفاني، مديرة معايير وسياسات قطاع المستثمرين في «شير أكشن»، إن قطاع التأمين أُنشئ أساسًا لمساعدة الأفراد والمجتمعات على التعافي من الكوارث، إلا أن العديد من الشركات باتت تسهم في تفاقم الأزمة من خلال الاستمرار في الاكتتاب والاستثمار في الأنشطة المسببة للتغير المناخي وفقدان التنوع البيولوجي.
وأضافت أن شركات التأمين تؤدي دورًا محوريًا في تشكيل الاقتصاد العالمي عبر الشركات التي تؤمنها أو تستثمر فيها، محذرة من أن دعم التوسع في الوقود الأحفوري يزيد من حدة حرائق الغابات والأعاصير والفيضانات، ويعرض البشر والبيئة لمخاطر متزايدة.
ويأتي التقرير في وقت يشهد العالم ما وصفه الخبراء بـ«أزمة قابلية التأمين»، نتيجة تصاعد آثار التغير المناخي وتدهور النظم البيئية.
فقد أصبحت مناطق عديدة حول العالم غير قابلة للتأمين، إما بسبب ارتفاع الأقساط إلى مستويات غير ميسورة، أو بسبب اعتبار المخاطر مرتفعة إلى درجة تجعل التأمين عليها غير مجدٍ اقتصاديًا.
ووفق التقرير، تسببت الكوارث الطبيعية بين عامي 2015 و2024 في خسائر اقتصادية مباشرة بلغت نحو 280 مليار دولار سنويًا، بينما لم يكن مؤمنًا سوى أقل من نصف هذه الخسائر.
وأشار التقرير إلى أن وتيرة التعهدات الجديدة من شركات التأمين تباطأت منذ إصدار النسخة السابقة عام 2024، وهو ما انعكس على مختلف محاور التقييم، ومع ذلك، أظهرت بعض الشركات إمكانية تحقيق تقدم ملموس من خلال تبني قيود صارمة على الوقود الأحفوري ووضع أهداف واضحة للوصول إلى الحياد الكربوني.
من جانبها، أكدت ريغولا هيس، مسؤولة التواصل مع القطاع المالي في الصندوق العالمي للطبيعة بسويسرا، أن شركات التأمين أمام خيارين واضحين: إما إبطاء التحول نحو اقتصاد مستدام عبر دعم التوسع في النفط والغاز والتعدين داخل المناطق الحساسة بيئيًا، أو المساهمة في تسريع هذا التحول من خلال دعم الطاقة المتجددة والزراعة المستدامة وإعادة تدوير البطاريات.
وأضافت أن شركات التأمين يمكنها أيضًا لعب دور مهم في مساعدة الحكومات والبلديات والعملاء على فهم المخاطر المناخية المتزايدة، وتعزيز إجراءات التكيف مثل استعادة الأراضي الرطبة وتوسيع المساحات الخضراء في المدن.
وأبرز التقرير عددًا من النتائج اللافتة، من بينها تفوق شركات التأمين الأوروبية مقارنة بنظيراتها في مناطق أخرى، وهو ما أرجعه إلى قوة الأطر التنظيمية الخاصة بالاستدامة داخل الاتحاد الأوروبي. كما سجلت الشركات الآسيوية أداءً أفضل في مؤشرات التنوع البيولوجي بفضل تبنيها الواسع لإفصاحات فرقة العمل المعنية بالإفصاح المالي المرتبط بالطبيعة (TNFD).
في المقابل، جاءت جهات الإدارة التابعة لسوق «لويدز أوف لندن» ضمن أضعف الجهات أداءً، حيث أظهرت البيانات أن 30% فقط من أكبر الوكلاء المستقلين لديها قيود على الاكتتاب في مشروعات الفحم، بينما لم تعلن أي منها هدفًا للوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050.
كما كشف التقرير أن 73% من شركات التأمين لا تفرض أي قيود على الاكتتاب في مشروعات التوسع الجديدة للنفط والغاز، فيما لا تطبق 33% منها أي قيود على أنشطة الفحم. وحتى في الحالات التي توجد فيها قيود، فإنها غالبًا ما تتضمن استثناءات وثغرات تقلل من فعاليتها.
وسلط التقرير الضوء على التنوع البيولوجي باعتباره إحدى أكبر نقاط الضعف في القطاع، إذ لا تفصح سوى 10% من الشركات عن دمج مخاطر الطبيعة وتدهور النظم البيئية بشكل صريح ضمن نماذجها لتقييم الكوارث.
ودعت «شير أكشن» والصندوق العالمي للطبيعة شركات التأمين إلى مراجعة أدائها مقارنة بالمعايير الدولية، وتعزيز سياساتها المتعلقة بالمناخ والتنوع البيولوجي والمخاطر الاجتماعية، إلى جانب مطالبة الحكومات والجهات التنظيمية بتطوير الأطر الرقابية لضمان ممارسات أكثر مسؤولية واستدامة، وتقليص فجوات الحماية المالية، والحفاظ على استقرار النظام المالي العالمي.
