تواجه دلتا نهر ميكونغ في جنوب فيتنام ضغوطًا متزايدة بفعل تغير المناخ وارتفاع مستوى سطح البحر وتراجع الرواسب التي يحملها النهر، ما يهدد الأراضي الزراعية وإنتاج الأرز، ويدفع المزارعين إلى البحث عن أساليب جديدة للتكيف مع ارتفاع ملوحة المياه.
وبعد أجيال اعتمدت خلالها الزراعة في الدلتا على التوازن الدقيق بين الفيضانات وانحسار المياه العذبة وتجدد التربة بالرواسب النهرية، أصبحت أنماط الجفاف والفيضانات أقل قابلية للتنبؤ، فيما تتوغل المياه المالحة إلى مسافات أبعد داخل الأراضي الزراعية.
وفي مواجهة هذه التحديات، يتجه بعض المزارعين إلى الجمع بين زراعة الأرز وتربية الجمبري في الأرض نفسها، بما يسمح بزراعة الأرز خلال الفترات التي تنخفض فيها الملوحة، وتربية الجمبري عندما تصبح المياه أكثر ملوحة، في نموذج للتكيف الزراعي مع الظروف البيئية المتغيرة.
دلتا ميكونج تفقد الرواسب التي تحمي أراضيها
لا تقتصر أزمة دلتا ميكونغ على ارتفاع مستوى سطح البحر وتغير المناخ، إذ أسهمت السدود المقامة أعلى النهر في احتجاز كميات كبيرة من الرواسب التي كانت تصل إلى الدلتا وتساعد على تجديد تربتها والحفاظ على سواحلها.
وينبع نهر ميكونغ من هضبة التبت، ويمر عبر الصين وعدد من دول جنوب شرق آسيا قبل أن يصب في البحر جنوب فيتنام، حيث أسهمت مياهه ورواسبه تاريخيًا في تشكيل واحدة من أهم المناطق الزراعية في البلاد.
ووفقًا لدراسة علمية منشورة عام 2021 في دورية Communications Earth & Environment، انخفضت كمية الرواسب الواصلة إلى الدلتا من نحو 143 مليون طن متري قبل عقدين إلى ما يُقدَّر بنحو 32 مليون طن
وتؤدي هذه الرواسب دورًا مهمًا في الحفاظ على خصوبة الأراضي الزراعية، كما تساعد على تجديد المناطق الساحلية ورفع مستوى سطح الأرض تدريجيًا، بما يعزز قدرتها الطبيعية على مواجهة ارتفاع مستوى سطح البحر.
وتحتجز الأراضي الرطبة وغابات المانجروف جزءًا من الرواسب القادمة مع النهر، فتسهم في بناء المناطق الساحلية وتوفير حاجز طبيعي أمام تأثيرات البحر.
لكن تراجع تدفق الرواسب، بالتزامن مع انخفاض إمدادات المياه العذبة، يضعف قدرة الدلتا على تعويض ما تفقده من أراضٍ، ويزيد تعرضها للتآكل والتغيرات الساحلية.
وقال جاك أوكونور، عالم البيئة البحرية في معهد البيئة والأمن البشري التابع لجامعة الأمم المتحدة في بون بألمانيا، إن انخفاض إمدادات المياه العذبة والرواسب يهدد قدرة السواحل على مواكبة ارتفاع مستوى سطح البحر.
زحف المياه المالحة يهدد إنتاج الأرز
مع ارتفاع مستوى سطح البحر وتراجع تدفقات المياه العذبة خلال مواسم الجفاف، تتوغل المياه المالحة في الأنهار والقنوات المائية والمياه الجوفية، ما يهدد المحاصيل الزراعية حتى في المناطق البعيدة عن الساحل.
وحذرت السلطات الفيتنامية من أن ظاهرة النينيو قد تؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة لفترات ممتدة وتراجع الأمطار وتفاقم توغل المياه المالحة، بما يهدد مساحات واسعة من الأراضي المزروعة بالأرز في دلتا ميكونغ.
ودفعت هذه المخاطر السلطات إلى تعزيز الإجراءات الرامية إلى حماية إمدادات المياه العذبة، إلى جانب الدعوة إلى حلول طويلة الأجل لمواجهة تسرب المياه المالحة وهبوط الأراضي وتآكل السواحل.
لكن إدارة الملوحة تفرض معادلة صعبة على المزارعين. فعندما ترتفع نسبة الأملاح في مياه الأنهار، قد تغلق السلطات بوابات التحكم المائي لمنع وصول المياه غير المناسبة إلى حقول الأرز.
ورغم أن هذا الإجراء يحمي المحاصيل من أضرار الملوحة، فإنه قد يحرم المزارعين من المياه اللازمة للري، ما يهدد الإنتاج الزراعي بدوره.
وأشار أوكونور إلى أن المزارعين يشعرون بالقلق من وصول الملح إلى محاصيلهم، لكنهم يخشون أيضًا ألا تتوافر لديهم المياه الكافية لزراعة أي محصول.
وتكشف هذه المعضلة أن التكيف مع تغير المناخ لا يتعلق فقط بمنع المياه المالحة، بل بإدارة الموارد المائية بما يوازن بين حماية المحاصيل وضمان استمرار الإنتاج.
الأرز والجمبري.. نموذج زراعي للتكيف مع الملوحة
بدلًا من مقاومة دخول المياه المالحة في جميع الأوقات، بدأ بعض المزارعين في أجزاء من دلتا ميكونغ في تغيير نظم الإنتاج الزراعي لتتلاءم مع تغير الظروف المائية.
ويعتمد نظام زراعة الأرز وتربية الجمبري على استخدام الأرض نفسها بالتناوب بين النشاطين؛ إذ يُزرع الأرز عندما تكون الظروف أكثر ملاءمة للمياه العذبة، بينما تُستغل الفترات التي ترتفع فيها الملوحة في تربية الجمبري القادر على تحمل المياه قليلة الملوحة.
ووفقًا للمادة المنشورة، تغطي نظم الأرز والجمبري في مقاطعة آن جيانغ أكثر من 100 ألف هكتار من الأراضي المتأثرة بالملوحة، مع اتجاه متزايد لدى المزارعين إلى تبني أساليب إنتاج عضوية تقلل استخدام الأسمدة الكيميائية والمبيدات.
ويعكس هذا النموذج تحولًا في طريقة التعامل مع المخاطر المناخية؛ فبدلًا من محاولة الإبقاء على الظروف البيئية ثابتة، يجري تعديل النشاط الزراعي ليتناسب مع التغيرات الموسمية في الملوحة وتوافر المياه.
ويمكن لهذا النهج أن يتيح تنويع مصادر دخل المزارعين، مع الاستفادة من خصائص الأراضي والمياه المتاحة، لكنه يظل مرتبطًا بقدرة المزارعين على إدارة دورات الإنتاج والتعامل مع تقلبات الظروف البيئية.
الزراعة العضوية تعزز التنوع البيولوجي
درس أوكونور وزملاؤه التحول نحو زراعة الأرز العضوي في دلتا ميكونغ لتقييم فوائده المحتملة والقيود التي قد تواجه تطبيقه على نطاق واسع.
وأظهرت التجارب التي أشار إليها الباحثون مؤشرات على قوة أكبر للنباتات المزروعة عضويًا، إلى جانب ارتفاع ملحوظ في التنوع البيولوجي داخل الحقول التي لا تستخدم المبيدات الكيميائية.
كما رصدت دراسات على اليعاسيب وفرة أكبر لهذه الحشرات في حقول الأرز العضوي، إلى جانب زيادة أعداد العناكب وغيرها من الكائنات المفترسة الطبيعية التي يمكن أن تسهم في الحد من الآفات الزراعية.
وتوفر الأسماك وسرطانات المياه العذبة الموجودة في بعض حقول الأرز غذاءً إضافيًا للمزارعين، أو مصدرًا آخر للدخل، ما يعزز أهمية التنوع البيولوجي في دعم سبل العيش الريفية.
وتوضح هذه النتائج أن التحول إلى الزراعة العضوية قد يحقق فوائد تتجاوز تقليل استخدام المدخلات الكيميائية، لتشمل دعم الكائنات الحية التي تسهم في استقرار النظام الزراعي.
لكن الانتقال إلى هذا النموذج لا يخلو من التحديات، خاصة في دلتا ترتبط فيها الأراضي الزراعية بشبكة واسعة من الأنهار والقنوات التي تنقل المياه بين الحقول.
لماذا لا تكفي جهود المزارع الواحد؟
تتحرك المياه بحرية عبر دلتا ميكونغ، وتربط بين الأراضي الزراعية المتجاورة، وهو ما يحد من قدرة المزارع العضوي على التحكم الكامل في جودة المياه التي تصل إلى حقله.
فحتى إذا توقف المزارع عن استخدام الأسمدة الكيميائية والمبيدات، قد تكون المياه التي تدخل أرضه قد مرت بالفعل عبر مزارع تستخدم هذه المواد، بما يحد من قدرته على تحقيق جميع فوائد الزراعة العضوية.
وقال أوكونور إن النتائج تبدو إيجابية للغاية في المختبر، لكن تطبيقها في الحقول يواجه تحديات عملية.
وتعكس هذه المشكلة أهمية التنسيق بين المزارعين والجهات المسؤولة عن إدارة المياه، لأن تحسين الممارسات داخل مزرعة واحدة لن يكون كافيًا إذا ظلت مصادر التلوث والضغوط البيئية قائمة في المناطق المحيطة.
كما أن كثيرًا من العوامل المؤثرة في مستقبل الدلتا تقع خارج سيطرة المزارعين، بدءًا من قرارات إدارة المياه والسدود المقامة أعلى النهر، وصولًا إلى ارتفاع درجات الحرارة وتغير المناخ على المستوى العالمي.
غابات المانجروف.. حماية السواحل واستعادة النظم البيئية
تمثل استعادة غابات المانجروف أحد الحلول المطروحة لتعزيز قدرة دلتا ميكونغ على التكيف مع تغير المناخ.
وتساعد هذه الغابات على احتجاز الرواسب، وتثبيت أجزاء من السواحل، وتوفير موائل للكائنات الحية، فضلًا عن الحد من بعض آثار الأمواج والعواصف الساحلية.
لكن استعادة المانجروف قد تثير تنافسًا على الأراضي التي يعتمد عليها المزارعون في إنتاج الغذاء، خصوصًا في المناطق التي تتزايد فيها الضغوط على الأراضي الصالحة للزراعة.
لذلك، يشدد أوكونور على ضرورة تنفيذ مشروعات استعادة النظم البيئية بطريقة عادلة، تضمن مشاركة المجتمعات المحلية في القرارات وتراعي احتياجات السكان الذين يعتمدون على الأراضي والموارد الساحلية في معيشتهم.
ويؤكد ذلك أن الحلول القائمة على الطبيعة لا تحقق أهدافها بصورة مستدامة إلا إذا ارتبطت بحماية سبل العيش، وإشراك السكان المحليين، وتحقيق التوازن بين استعادة البيئة واستمرار الأنشطة الاقتصادية.
التكيف الجماعي ضرورة لمستقبل دلتا ميكونج
توضح تجربة دلتا ميكونج أن التكيف مع تغير المناخ لا يمكن أن يعتمد على قرارات المزارعين الفردية وحدها، لأن التهديدات التي تواجههم تتجاوز حدود الحقول، وتشمل إدارة المياه والسدود وتراجع الرواسب وارتفاع مستوى سطح البحر.
ويتطلب التعامل مع هذه التحديات تنسيقًا أوسع بين المزارعين والسلطات والباحثين، إلى جانب تطوير نظم زراعية قادرة على التكيف مع الملوحة وتغير مواسم الأمطار والفيضانات.
كما تبرز أهمية الجمع بين الحلول الزراعية، مثل نظام الأرز والجمبري والزراعة العضوية، والحلول القائمة على الطبيعة، مثل استعادة غابات المانجروف، ضمن خطط متكاملة تراعي احتياجات المجتمعات المحلية.
وفي نهاية المطاف، لا يتمثل التحدي في منع كل تغير بيئي بأي ثمن، بل في تحديد ما يمكن حمايته، وما يتطلب التكيف معه، وكيفية ضمان ألا يتحمل المزارعون وحدهم تكلفة التحولات المناخية والبيئية التي تعيد تشكيل واحدة من أهم المناطق المنتجة للأرز في فيتنام.
