الاستعمار البريطاني مهّد لحرائق أستراليا الكارثية قبل تفاقم تغير المناخ

800 عام من إدارة الأرض بالنار.. ماذا فقدت غابات أستراليا بعد الاستعمار؟

كشفت دراسة علمية جديدة أن التحولات التي شهدتها بعض غابات جنوب شرق أستراليا منذ الاستعمار البريطاني أسهمت في تهيئة الظروف لاندلاع حرائق غابات أكثر شدة، وذلك قبل أن يبدأ تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية في تضخيم مخاطر الحرائق على نطاق واسع.

ووفقًا للدراسة المنشورة في دورية Nature في أكتوبر 2026، فإن تعطيل ممارسات السكان الأصليين في إدارة الأراضي باستخدام الحرائق منخفضة الشدة أدى إلى تغيرات طويلة الأمد في الغطاء النباتي وتراكم المواد القابلة للاشتعال، ما ساهم في تحويل أراضٍ كانت تتميز بغابات مفتوحة إلى غابات أكثر كثافة وقابلية للاحتراق.

ولا تقلل النتائج من خطورة تغير المناخ، الذي يؤدي ارتفاع درجات الحرارة وتفاقم ظروف الطقس الحار والجاف إلى زيادة مخاطر الحرائق، لكنها تشير إلى أن فهم الكوارث الحالية يتطلب النظر أيضًا إلى تاريخ إدارة الغابات والتغيرات التي طرأت على النظم البيئية قبل عصر الاحترار العالمي.

وتأتي هذه النتائج مع استعداد جنوب شرق أستراليا لموسم حرائق جديد، وسط توقعات بأحوال جوية شديدة الخطورة، واحتمالات تأثير ظاهرة النينيو في درجات الحرارة والأمطار خلال الفترة المقبلة.

حديقة وطنية احترق 90% من مساحتها

ركز الباحثون على حديقة كروآجينجولونج الوطنية في أقصى شرق ولاية فيكتوريا الأسترالية، وهي منطقة تتمتع بمستويات متعددة من الحماية، إذ تصنف حديقة وطنية ومنطقة برية ومحمية للمحيط الحيوي تابعة لليونسكو.

ورغم هذه الحماية، تعرضت الحديقة لحرائق متكررة، كان أبرزها حرائق «الصيف الأسود» خلال عامي 2019 و2020، التي اجتاحت نحو 90% من مساحتها، وفقًا للمقال البحثي.

وتشير سجلات الحرائق إلى تراجع الفترات الفاصلة بين الحرائق في المنطقة بصورة كبيرة؛ فبعد أن كانت تبلغ نحو 40 عامًا في أواخر القرن التاسع عشر، انخفضت إلى قرابة خمس سنوات خلال العقد الأخير.

ويؤدي تكرار الحرائق الشديدة إلى ضغوط متزايدة على النباتات والحيوانات والتربة، خصوصًا عندما لا تحصل النظم البيئية على الوقت الكافي للتعافي قبل اندلاع حريق جديد.

لكن الباحثين يشيرون إلى أن تفسير هذا التحول لا يمكن أن يعتمد على الظروف الجوية وحدها؛ فكمية النباتات الجافة والشجيرات والمواد العضوية القابلة للاشتعال تؤثر أيضًا في احتمالات انتشار النيران وشدتها.

حديقة وطنية احترق 90% من مساحتها

بحيرة تكشف تاريخ الغابات على مدى ألف عام

أجرى فريق البحث دراسته بالتعاون مع مؤسسة جونايكورناي للأراضي والمياه للسكان الأصليين، التي شارك ممثلوها في تأليف الدراسة، ضمن الأراضي التقليدية لشعب غونايكورناي في منطقة كروآجينجولونج.

واعتمد الباحثون على بحيرة بورغاغولا، المعروفة باسم بحيرة إيلوسيف في الخرائط الاستعمارية، باعتبارها أرشيفًا طبيعيًا يحفظ أدلة على التغيرات البيئية التي شهدتها المنطقة عبر قرون.

وفي فبراير 2021، استخرج الفريق عينة أسطوانية من الرواسب المتراكمة في قاع البحيرة، بهدف إعادة بناء تاريخ يمتد لنحو ألف عام.

وتحتوي الرواسب على حبوب لقاح وفحم نباتي ومواد معدنية تساعد على تتبع التغيرات التي طرأت على الغطاء النباتي والحرائق وتعرية التربة.

وتكشف حبوب اللقاح أنواع النباتات التي كانت تنمو في المنطقة، بينما يساعد الفحم على تحديد تواتر الحرائق وطبيعتها. كما استخدم الباحثون التحليل الطيفي بالأشعة تحت الحمراء لدراسة الفحم وتقدير شدة الاحتراق، إلى جانب التأريخ بالكربون المشع والرصاص لتحديد الفترات الزمنية المرتبطة بالتغيرات.

بحيرة تكشف تاريخ الغابات على مدى ألف عام

وتتيح هذه الأدلة التمييز بين الحرائق الثقافية منخفضة الشدة، التي استخدمها السكان الأصليون بصورة مدروسة لإدارة الأراضي، والحرائق الشديدة التي قد تحرق الغطاء النباتي بكثافة وتؤدي إلى تدهور التربة.

وتغطي الإشارات المحفوظة في الرواسب نطاقًا واسعًا من الأراضي المحيطة بالبحيرة، ما يوفر صورة عن تاريخ الحرائق وتغير الغابات في مساحة كبيرة من جنوب شرق أستراليا.

أكثر من 800 عام من إدارة الأرض بالنيران منخفضة الشدة

أظهرت النتائج أن المنطقة ظلت لأكثر من 800 عام تحت تأثير ممارسات متكررة لإشعال حرائق منخفضة الحرارة، استخدمها شعب غونايكورناي في إدارة الأراضي والحفاظ على خصائص الغابات المفتوحة.

وخلال هذه الفترة، سجلت الرواسب مستويات منخفضة نسبيًا من الفحم الناتج عن الحرائق الشديدة، كما كانت مؤشرات تعرية التربة محدودة.

وتعكس هذه النتائج، بحسب الباحثين، نظامًا بيئيًا ساهمت فيه الممارسات التقليدية في الحد من تراكم المواد النباتية القابلة للاشتعال، والحفاظ على توازن نسبي بين الغطاء النباتي والحرائق.

ولم تكن المنطقة خالية من ظروف الطقس الخطرة؛ إذ تشير الأدلة المناخية إلى أن فترات شهدت أحوالًا مشابهة لتلك المرتبطة بحرائق أستراليا الكبرى الحديثة وقعت أيضًا خلال القرون السابقة.

ومع ذلك، لم تتطور الحرائق في الأراضي التي أُديرت بهذه الممارسات إلى النمط الكارثي نفسه الذي ظهر لاحقًا، وفق تفسير الباحثين للسجل البيئي.

وتسلط هذه النتيجة الضوء على أن خطورة الحريق لا تتحدد بالطقس وحده، بل تتأثر أيضًا بكيفية إدارة الأرض وتوزيع الغطاء النباتي وتراكم الوقود القابل للاشتعال.

أكثر من 800 عام من إدارة الأرض بالنيران منخفضة الشدة

الاستعمار عطّل العلاقة التقليدية بين السكان الأصليين والأرض

يربط الباحثون التحول البيئي الكبير بالتوسع الاستعماري في منطقة غيبسلاند خلال القرن التاسع عشر، وما صاحبه من عنف حدودي ومجازر بين ثلاثينيات وستينيات القرن التاسع عشر.

وأدت هذه الأحداث إلى إبعاد السكان الأصليين عن أراضيهم وتعطيل علاقة ممتدة عبر أجيال بين مجتمعات غونايكورناي وبيئتها الطبيعية، بما في ذلك الممارسات التقليدية لإدارة الغابات باستخدام النار.

وبحسب تحليل الرواسب، تغيرت مؤشرات البيئة بصورة واضحة بعد الاستعمار؛ إذ ازدادت الحرائق الشديدة، وارتفعت مستويات الفحم، وتكاثفت الشجيرات، كما توسع الغطاء الذي تهيمن عليه أشجار الأوكالبتوس إلى مستويات قاربت أربعة أمثال ما كان عليه قبل الاستعمار.

وتشير الدراسة كذلك إلى زيادة مؤشرات انتقال التربة إلى البحيرة، في ظل تراجع قدرة الغطاء النباتي على تثبيت التربة وحمايتها من الانجراف.

ويفسر الباحثون هذه التحولات باعتبارها جزءًا من انتقال المنطقة من غابات مفتوحة خضعت لإدارة بشرية منتظمة إلى غابات أكثر كثافة، تراكمت فيها مواد نباتية قابلة للاشتعال.

وتنسجم هذه النتائج مع أبحاث سابقة أُجريت في جنوب شرق أستراليا، رصدت زيادة في كثافة الشجيرات بعد الغزو البريطاني، بما يشير إلى أن التغير لم يكن محصورًا في موقع واحد.

حلقة مفرغة.. كل حريق شديد يهيئ لحرائق لاحقة

يشرح الباحثون أن تراكم الوقود النباتي قد يؤدي إلى نشوء حلقة مفرغة من الحرائق المتكررة.

فعندما يندلع حريق شديد، يمكن أن تنمو بعده نباتات وشجيرات كثيفة قابلة للاشتعال، بما يهيئ ظروفًا لانتشار حريق آخر عندما تتوافر درجات الحرارة المرتفعة والجفاف والرياح المناسبة.

ومع استمرار تكرار الحرائق الشديدة، قد تتغير بنية الغابة وتزداد صعوبة استعادة الظروف البيئية السابقة، خاصة إذا لم تحصل النباتات والتربة على الوقت الكافي للتعافي.

وفي هذا السياق، يرى الباحثون أن تغير المناخ لم يكن العامل الذي بدأ هذا المسار التاريخي، لكنه يفاقم قابلية الغابات للاشتعال التي تطورت نتيجة تغيرات سابقة في إدارة الأراضي.

وتؤكد هذه القراءة أهمية الجمع بين سياسات خفض الانبعاثات والتكيف مع تغير المناخ من جهة، وإدارة الوقود النباتي واستعادة الممارسات الملائمة للنظم البيئية المحلية من جهة أخرى.

هل الغابات التي نحميها اليوم هي الغابات الطبيعية فعلًا؟

تطرح الدراسة سؤالًا بشأن الطريقة التي تُعرّف بها الجهات المختصة الحالة الطبيعية للغابات الأسترالية.

فبحسب الباحثين، تتعامل خرائط رسمية للغطاء النباتي في فيكتوريا مع غابات كروآجينجولونج باعتبارها صورة مرجعية للحالة الطبيعية التي سبقت الاستعمار.

لكن الأدلة المستخرجة من الرواسب تشير إلى أن المشهد البيئي السابق كان مختلفًا؛ إذ تميز بوجود مساحات أكبر من الغابات المفتوحة، تأثرت بإدارة السكان الأصليين للأرض واستخدامهم المتكرر للحرائق منخفضة الشدة.

ويرى الباحثون أن الاعتماد على الوضع الحالي باعتباره معيارًا ثابتًا للطبيعة قد يؤدي إلى ترسيخ سياسات لإدارة الحرائق لا تراعي التاريخ البيئي والثقافي للمنطقة.

ويشدد هذا الطرح على أن حماية الغابات لا تعني بالضرورة منع جميع الحرائق، بل تتطلب فهمًا دقيقًا لدور النار في كل نظام بيئي، وتحديد متى تكون الحرائق منخفضة الشدة جزءًا من دورة طبيعية أو ثقافية، ومتى تتحول إلى خطر مدمر.

ليست كل الغابات متشابهة.. اختلاف بيئي يغير إدارة الحرائق

تمتد الغابات المرتبطة بمنطقة الدراسة ضمن نطاق واسع يقدر بنحو 3 إلى 4 ملايين هكتار، من مرتفعات فيكتوريا الوسطى إلى الساحل الجنوبي لولاية نيو ساوث ويلز.

ويشير الباحثون إلى أن نحو 80% من هذه الغابات يتكون من غابات الأوكالبتوس القادرة على إعادة الإنبات بعد الحرائق، وهي غابات يمكن أن تستفيد من الحرق الثقافي المنتظم منخفض الشدة، وفقًا لطبيعة الموقع والظروف البيئية.

أما النسبة المتبقية، التي تبلغ نحو 20%، فتشمل غابات الرماد الجبلي والألبي الحساسة للحرائق في الوديان والمناطق المرتفعة.

وتختلف هذه الغابات في طبيعة تكيفها مع النار؛ إذ تحتاج بعض أنواعها إلى حرائق شديدة لإطلاق البذور وتحفيز إنباتها، مع اعتمادها على فترات طويلة نسبيًا بين الحرائق حتى تتمكن الأشجار من النمو وإنتاج البذور مجددًا.

ويرى الباحثون أن التركيز على هذه الأنواع الأقل انتشارًا في النقاش العام وسياسات مكافحة الحرائق قد يسهم في تعميم نهج يقوم على إخماد النار، دون مراعاة الاختلافات بين النظم البيئية.

ولا يعني ذلك أن الحرق الثقافي مناسب لكل الغابات أو الظروف؛ فنجاحه يعتمد على نوع الغطاء النباتي والتضاريس والرطوبة والطقس وأهداف الإدارة البيئية.

إحياء الحرق الثقافي بقيادة السكان الأصليين

تدعو الدراسة إلى توسيع مفهوم إدارة الحرائق بحيث لا يقتصر على إزالة الوقود النباتي أو الاستجابة للحرائق بعد اندلاعها، بل يشمل استعادة العلاقة الثقافية والبيئية بين السكان الأصليين وأراضيهم.

ويعتمد الحرق الثقافي على استخدام النار بصورة مدروسة ومنخفضة الشدة، وفق المعرفة المحلية بدورات نمو النباتات والطقس والتضاريس واحتياجات الحيوانات والنظم البيئية.

ويمكن لهذه الممارسات، عندما تُطبق في المواقع والظروف المناسبة، أن تساعد على الحد من تراكم بعض المواد القابلة للاشتعال، مع دعم صحة التربة وحماية أنواع من النباتات والحيوانات.

لكن الباحثين يؤكدون أن استعادة هذه الممارسات تتطلب تمويلًا ودعمًا مؤسسيًا، مع منح أصحاب الأراضي التقليديين دورًا قياديًا حقيقيًا في وضع خطط إدارة الحرائق وتنفيذها.

ويقول روسل موليت، أحد كبار أبناء شعب غونايكورناي المشاركين في الدراسة، إن إهمال استخدام النار في رعاية الأرض يجعلها شديدة الخطورة على أبناء المجتمع والحيوانات والنباتات، معتبرًا أن الأبحاث العلمية توفر أدلة تدعم مبادرات إدارة الأراضي بالنار الثقافية.

وتشير هذه الرؤية إلى أن المعرفة العلمية الحديثة والمعرفة المتوارثة لدى السكان الأصليين يمكن أن تتكاملا في تطوير إدارة أكثر ملاءمة للغابات، بدلًا من التعامل مع الممارسات التقليدية باعتبارها جزءًا من الماضي.

تغير المناخ لا يفسر وحده شدة حرائق الغابات

تخلص الدراسة إلى أن مواجهة حرائق الغابات تتطلب فهم مجموعة من العوامل المتداخلة، تشمل ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار والرياح، إلى جانب كمية الوقود النباتي وتاريخ إدارة الأراضي وطبيعة الغطاء النباتي.

فمع تفاقم الاحترار العالمي، يمكن أن تصبح فترات الطقس الملائم للحرائق أكثر خطورة في مناطق متعددة، لكن شدة النتائج ستظل مرتبطة أيضًا بخصائص الغابات ومستوى استعداد المجتمعات وطريقة إدارة الوقود النباتي.

ومن ثم، فإن خفض الانبعاثات والتكيف مع تغير المناخ لا يغنيان عن تطوير سياسات محلية لإدارة الحرائق، كما أن إدارة الغابات وحدها لا يمكن أن تعوض عن استمرار الاحترار العالمي.

وتقدم بحيرة بورغاغولا سجلًا طويلًا يوضح كيف تغيرت علاقة البشر بالنظم البيئية في أستراليا، وكيف يمكن أن تترك التحولات التاريخية آثارًا تستمر قرونًا.

والرسالة الأبرز للدراسة أن حماية الغابات لا تتحقق بمجرد إعلانها مناطق برية محمية؛ بل تتطلب فهم تاريخها البيئي، واستعادة ممارسات الإدارة الملائمة، وإشراك المجتمعات التي ارتبطت بها عبر أجيال.

فعندما تُدار الأرض بما يتناسب مع طبيعتها واحتياجاتها البيئية، يمكن تقليل بعض عوامل الخطر التي تجعل الحرائق أكثر تدميرًا، حتى في عالم تتزايد فيه الضغوط المناخية.

↑
Exit mobile version