كيف يهدد تغير المناخ منازلنا وصحتنا؟ المنازل غير المقاومة للمناخ تزيد المخاطر
تقرير: أزمة المناخ ترفع تكاليف السكن والتأمين وتؤثر على الصحة
هذا العام شهد العالم سلسلة من الكوارث المناخية المدمرة: عشرة أيام من الحر الشديد في أوروبا أودت بحياة نحو 2300 شخص، وفيضانات قوية على ويلز الأسترالية تسببت في محاصرة أكثر من 48 ألف شخص، فيما التهمت حرائق الغابات في لوس أنجلوس أكثر من 16 ألف منزل ومبنى.
مثل هذه الأحداث تؤكد ما ظل العلماء يحذرون منه منذ سنوات: الظواهر المناخية المتطرفة أصبحت أكثر تكرارًا وحدة، مع ما تحمله من آثار مباشرة على السكن والصحة العامة.
المنازل خط الدفاع الأول
السكن غير المناسب قد يزيد من هشاشتنا أمام آثار تغير المناخ. فمع ارتفاع درجات الحرارة وتكرار الفيضانات والحرائق، تبرز الحاجة الماسة إلى أن تكون منازلنا وأنظمة السكن قادرة على مواجهة هذه التحديات.
فالمنازل اليوم يجب أن توفر الحماية من موجات الحر والفيضانات والحرائق، وأن تمنع تسرب الملوثات الهوائية، وفي الوقت نفسه أن تبقى ميسورة التكلفة وآمنة.
الموقع الجغرافي يلعب دورًا حاسمًا أيضًا، فقد كشف أول تقييم وطني لمخاطر المناخ في أستراليا، الصادر هذا الأسبوع، أن 8.7% من المباني السكنية تقع في مناطق شديدة الخطورة، ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 13.5% بحلول عام 2090 في حال استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالميًا.
ارتباط وثيق بين السكن والصحة
في دراسة حديثة نُشرت في مجلة ذا لانسيت للصحة العامة، أوضح الباحثون أن تغير المناخ يؤثر بشكل مباشر على المنازل، ومن ثم على صحة قاطنيها.
فالحرارة الشديدة يمكن أن تؤدي إلى تدهور مواد البناء وإطلاق ملوثات داخلية، كما يسمح دخان الحرائق والملوثات الدقيقة بالتسرب إلى داخل المنازل، ما يؤدي إلى تراجع جودة الهواء الداخلي.
وهذا بدوره يفاقم المخاطر الصحية، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة غير المحتملة داخل المنازل.
من جهة أخرى، تتسبب الفيضانات والعواصف والأعاصير في أضرار مائية وبنيوية بالمنازل، ما يعرض السكان لمصادر تلوث خطيرة مثل المياه الملوثة، ويرفع احتمالية الإصابة بأمراض تنفسية أو تحسسية، إضافة إلى الأمراض المعدية المنقولة بالمياه أو الحشرات.

أزمة السكن تتفاقم مع المناخ
تغير المناخ لا يهدد فقط بنية المنازل وصحة سكانها، بل يزيد أيضًا من أزمات السكن والأعباء الاقتصادية.
الكوارث المناخية المتكررة ترفع تكاليف المعيشة، حيث يُجبر السكان على دفع تكاليف إضافية للصيانة والإصلاح إلى جانب الأقساط العقارية أو الإيجارات.
وفي الوقت ذاته، تؤدي الظواهر المتطرفة إلى زيادة أقساط التأمين على المنازل، ما يضغط على القدرة على تحمّل تكاليف السكن.
كما يرفع تغير المناخ من مخاطر “الفقر الطاقي”، إذ يعجز الكثيرون عن تبريد أو تدفئة منازلهم بشكل كافٍ، وهو ما ينعكس سلبًا على صحتهم الجسدية والنفسية.
الأخطر من ذلك أن الكوارث المناخية قد تدفع إلى النزوح القسري، ما يؤدي إلى تفكك الروابط الأسرية، وفقدان مصادر الدخل، وارتفاع معدلات العنف القائم على النوع الاجتماعي، والعزلة الاجتماعية، وتقليص فرص الحصول على الخدمات الأساسية.
وتشير الدراسات إلى أن الفئات الأقل دخلًا تتحمل العبء الأكبر، حيث إن المنازل المؤجرة زهيدة التكلفة غالبًا ما تكون أقل جودة وأكثر عرضة للتدمير بفعل الكوارث.
كما أن ما يُعرف بـ”الجنتريفيكايشن المناخي” يؤدي إلى ارتفاع أسعار العقارات في المناطق الأكثر أمانًا من المخاطر المناخية، ما يدفع الأسر الفقيرة للانتقال إلى مناطق أشد خطورة.

ملامح السكن المقاوم للمناخ
الخبراء يؤكدون أن منازل المستقبل يجب أن تكون قادرة على تحمل الظروف المناخية المتطرفة، وأن تتميز بالكفاءة في استهلاك الطاقة والأداء الحراري الجيد، مع ضمان التهوية والتبريد والتدفئة الملائمة.
ومن أبرز مواصفات المنازل المقاومة للمناخ:
• أسس وجدران وأسقف متينة البناء
• عزل وتهوية فعّالة
• أنظمة تدفئة وتبريد موفرة للطاقة
• مظلات خارجية وأسقف عاكسة للحرارة
• استخدام مواد بناء مقاومة للحرائق والحرارة.
كما يجب أن تواكب أكواد البناء التطورات المناخية، مع رفع معايير الأداء الحراري وكفاءة الطاقة.
وبالنسبة للمنازل القائمة، ينبغي إدخال تحسينات وتعديلات ترفع قدرتها على التكيف.
إلى جانب ذلك، هناك حاجة إلى تعزيز حقوق المستأجرين، خاصة أن المنازل المؤجرة عادة ما تكون أقل جودة وتؤوي الفئات الأكثر هشاشة اجتماعيًا واقتصاديًا.
ويؤكد الخبراء أن المعايير الدنيا للمنازل المؤجرة يجب أن تشمل مواصفات المقاومة المناخية.
لكن السكن المقاوم للمناخ لا يتوقف عند البعد المادي والهندسي فقط، بل يجب أن يكون أيضًا ميسور التكلفة، آمنًا، ويوفر للسكان إمكانية الحصول على فرص العمل والتعليم والخدمات الاجتماعية التي تعزز رفاهيتهم.
وفي خضم التركيز على تحقيق أهداف بناء المزيد من المساكن، يحذر الباحثون من إغفال حقيقة أن “السكن الجيد لا يعني مجرد وجود سقف فوق رؤوس الناس، بل القدرة على العيش بكرامة وصحة في مواجهة مناخ يزداد قسوة”.





