تدجين النباتات قد يؤدي إلى إنتاج محاصيل أكثر قدرة على الصمود أمام تحديات تغير المناخ
ثلاثة عوامل رئيسية تؤثر على مدى ملاءمة النبات للزراعة.. النباتات التي تم إهمالها أو عدم الاستفادة منها في الماضي توفر فرصًا جديدة لتطوير محاصيل أكثر ملاءمة للتحديات البيئية
ربما تكون النباتات البرية هي المفتاح لبناء محاصيل قادرة على الصمود في عالم يتأثر بشكل متزايد بتغير المناخ، ومع ارتفاع درجات الحرارة العالمية وتغير أنماط الطقس، أصبح البحث عن أصناف المحاصيل القوية والقابلة للتكيف أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
في حين قام أسلافنا بتحويل العديد من الأنواع البرية إلى محاصيل أساسية، فهل كان من الممكن أن يتجاهلوا أنواعًا أخرى ذات إمكانات غير مستغلة؟
يعتقد العلماء في جامعة ساوثهامبتون أن بعض النباتات البرية أو غير المستغلة بشكل كاف قد تكون حيوية في المستقبل لتصميم المحاصيل التي ستصمد أمام تحديات الاحتباس الحراري العالمي.

تراث غني بالزراعة
رحلة الزراعة هي رحلة قديمة. فمنذ ما يقرب من 12000 عام، أصبح أسلافنا الصيادون والجامعون مزارعين يزرعون بذورًا انتقائية من أفضل نباتاتهم.
وبمرور الوقت، أدى هذا إلى إنتاج محاصيل أكثر قوة وإنتاجية، ومع ذلك، لم تكن كل الأنواع البرية صالحة للزراعة – فقد تم التخلي عن بعضها.
هل يمكن لهذه الأنواع البرية المهجورة أن تقدم لنا أي رؤى اليوم؟

استكشاف إمكانات النباتات البرية
في دراستهم المنشورة مؤخرًا في مجلة Trends in Ecology and Evolution، يقترح فريق ساوثهامبتون، بما في ذلك علماء من أكسفورد وشيفيلد والحدائق النباتية الملكية في كيو، أن بعض الأنواع البرية تمتلك سمات تجعلها مرشحة رئيسية للزراعة.
لقد استعانوا بمجموعة كبيرة من الأبحاث السابقة لاستكشاف سبب تفضيل بعض الأنواع البرية على غيرها وكيف تختلف النباتات المزروعة وراثيًا عن أسلافها البرية.
صرح البروفيسور مارك تشابمان من جامعة ساوثهامبتون قائلاً: “إن عشرات الآلاف من أنواع النباتات صالحة للأكل، ولكن لم يتم تدجين سوى بضع مئات منها، و15 نوعًا فقط توفر 90 بالمائة من السعرات الحرارية لدينا”.
وأضاف أن “الإنسان جمع مئات النباتات البرية خلال العصر الحجري الحديث، ولكن تم التخلي عنها فيما بعد كمصدر للغذاء، وقد استكشفنا السمات الجينية أو الجسدية التي سهلت أو قيدت تدجين الأنواع البرية”.
إن هذا التفاوت الصارخ يثير السؤال التالي: لماذا يوجد عدد قليل جدا من هؤلاء؟

صفات النباتات البرية المختارة
وقد حدد الفريق ثلاثة عوامل رئيسية تؤثر على مدى ملاءمة النبات للزراعة.
الأول هو المرونة – قدرة النباتات على التكيف بسرعة مع بيئتها وتطوير السمات التي يفضلها البشر، مما يجعلها أكثر عملية للزراعة.
ثانياً، التركيبة الجينية، حيث تلعب البساطة دوراً حاسماً؛ فالصفات التي يحكمها عدد أقل من الجينات يسهل تعديلها. وعلى هذا فإن البرمجة الجينية البسيطة تجعل من السهل تغيير مورفولوجيا النبات لتلبية الاحتياجات البشرية.
وأخيرا، فإن معدل الطفرة له أهمية كبيرة؛ فالنباتات التي تتحور بسرعة أكبر يمكن أن تتطور بشكل أسرع، مما قد يؤدي إلى إنتاج بذور أكبر أو ثمار أكثر طعما خلال فترات زمنية أقصر.

التخطيط لمستقبل غير مؤكد
فهم الأسباب التي أدت إلى هيمنة أنواع معينة من النباتات في الزراعة قد يكون أمرا حاسما في تحديد المحاصيل المحتملة الجديدة في ظل تغير المناخ.
“عندما تم تدجين النباتات لأول مرة منذ آلاف السنين، كان البشر يعرفون فقط الظروف المناخية والطقس التي سيواجهونها في ذلك الوقت الحالي”، كما أوضح البروفيسور تشابمان.
“الآن، باستخدام نماذج مناخية متطورة، يمكننا التنبؤ بكيفية ارتفاع درجة حرارة عالمنا وكيف سيتغير الطقس في العقود القادمة، وهذا يمنحنا الفرصة للتفكير في الطرق التي قد تحتاج بها محاصيلنا إلى أن تكون مقاومة في المستقبل”.
وتؤكد أبحاث الفريق أن النباتات التي تم إهمالها أو عدم الاستفادة منها بشكل كاف في الماضي قد تحتوي على سمات قيمة توفر فرصًا جديدة لتطوير محاصيل أكثر ملاءمة للتحديات البيئية المستقبلية.
ومن خلال تطبيق أساليب التربية الانتقائية والتربية الدقيقة، قد تصبح هذه النباتات المستضعفة مجرد محاصيل لعالم دافئ.

إطلاق العنان لإمكانات المحاصيل المنسية
رغم أن تاريخ الزراعة الحديثة كان يهيمن عليه مجموعة صغيرة للغاية من المحاصيل، إلا أن العديد من النباتات البرية وتنوعها البيولوجي لم يتم استكشافها بعد.
تتمتع العديد من هذه النباتات بخصائص غير عادية، بما في ذلك مقاومة الجفاف، وتحمل الآفات، والقدرة على النمو في التربة الفقيرة، وكل هذا يجعلها مرشحة جذابة لمستقبل الزراعة المقاومة للمناخ.
ووفقا لفريق جامعة ساوثهامبتون ، فإن التقنيات المتقدمة مثل علم الجينوم والتربية الدقيقة يمكن أن تطلق العنان لهذه السمات.

ومن خلال رسم خرائط الجينومات للأقارب البرية إلى جانب المحاصيل الأخرى الأقل شهرة، يمكن للعلماء العثور على الجينات المسؤولة عن الخصائص المرغوبة ودمجها في أصناف المحاصيل الجديدة.
لا يعمل هذا النهج على توسيع ذخيرتنا الزراعية فحسب، بل يوفر أيضًا تأمينًا ضد نقاط الضعف في زراعة المحاصيل الأحادية في مناخ لا يمكن التنبؤ به.





