الحرارة التي أضافها العقد الأخير موجودة الآن.. تحليل بالذكاء الاصطناعي يكشف تأثير الانبعاثات

خلال 10 سنوات بعد اتفاق باريس أُطلق حوالي 20% من ثاني أكسيد الكربون الناتج عن الوقود الأحفوري الذي انبعث منذ بدء عصر الصناعة

شهدت أوروبا موجة حر قاتلة خلال يونيو 2025، في وقت كان العالم قد قطع بالفعل نحو عقد منذ توقيع اتفاق باريس للمناخ.

ورغم أن معظم ثاني أكسيد الكربون الناتج عن حرق الوقود الأحفوري خلال أكثر من 150 عامًا تراكم في الغلاف الجوي قبل ذلك بكثير، تشير دراسة جديدة إلى أن الانبعاثات التي أُطلقت خلال السنوات التي أعقبت اتفاق باريس بدأت بالفعل في زيادة حرارة موجات الحر الأوروبية.

واستخدم باحثون تقنية للذكاء الاصطناعي لتحليل تأثير هذه الانبعاثات، ووجدوا أنها أضافت نحو 0.34 درجة مئوية إلى متوسط درجات الحرارة في المنطقة خلال موجة الحر الأوروبية في صيف 2025.

وقدّر الباحثون، احتمال أن تكون الانبعاثات التي حدثت بعد عام 2015 قد جعلت موجة الحر أكثر سخونة بأكثر من 99%.

قاد الدراسة جاريد تروك، طالب الدكتوراه في علوم نظام الأرض بكلية دور للاستدامة في جامعة ستانفورد.

ونُشرت الدراسة كاملة في مجلة Geophysical Research Letters، وقال تروك إن الأدلة تشير بقوة إلى أن موجة الحر الأوروبية في صيف 2025 كانت ستصبح أكثر برودة لو لم تحدث الانبعاثات منذ عام 2015.

ولا يقتصر الأمر، وفق الباحثين، على موجة حر واحدة؛ فقد توصل التحليل إلى نتيجة مماثلة عند دراسة أشد أسبوع حرارة في أوروبا خلال كل عام منذ عام 2021 على الأقل.

تحليل بالذكاء الاصطناعي يكشف تأثير الانبعاثات

الانبعاثات لم تتوقف بعد اتفاق باريس

ينص اتفاق باريس للمناخ على أن تعمل الدول على إبقاء ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية عند أقل بكثير من درجتين مئويتين، مع مواصلة الجهود لحصر الاحترار عند 1.5 درجة مئوية.

ويشير الباحثون إلى أن تثبيت الاحترار على المدى الطويل يتطلب الوصول إلى صافي الصفر من انبعاثات غازات الدفيئة، بحيث تتوازن الانبعاثات المتبقية مع عمليات الإزالة أو الامتصاص.

لكن توقيع الاتفاق لم يوقف حرق الوقود الأحفوري، فخلال العقد الذي أعقب اتفاق باريس، أُطلق ما يقارب خُمس إجمالي ثاني أكسيد الكربون الناتج عن الوقود الأحفوري الذي انبعث منذ بدء العصر الصناعي.

وجاء الجزء الأكبر من هذه الانبعاثات من النفط والغاز الطبيعي والفحم، وهذا يعني أن الانبعاثات الجديدة لا تمثل مجرد تأثير مستقبلي محتمل، بل بدأت بالفعل في إضافة حرارة إلى النظام المناخي، وفق نتائج الدراسة.

ثلث درجة مئوية قد يصنع فرقًا كبيرًا

قد يبدو ارتفاع متوسط الحرارة بنحو ثلث درجة مئوية صغيرًا عند النظر إليه كرقم منفرد، لكنه قد يكون ذا تأثير ملموس عندما يضاف إلى حدث حر شديد أصلًا.

وشهدت أوروبا في يونيو 2025 موجة حر تسببت في وفاة عدة آلاف من الأشخاص.

وكان ذلك الشهر آنذاك الأكثر حرارة على الإطلاق لشهر يونيو في أوروبا الغربية، قبل أن يحطم يونيو 2026 الرقم القياسي مرة أخرى.

وقال تروك إن ارتفاع الحرارة بنحو ثلث درجة مئوية قد يبدو محدودًا، لكن عددًا كبيرًا من الدراسات أظهر أن التغيرات الصغيرة في درجات الحرارة يمكن أن تؤدي إلى آثار كبيرة على الأضرار الناتجة عن الظواهر الجوية المتطرفة.

وكان فريق تروك قد وجد في أبحاث سابقة أن الارتفاعات الصغيرة في درجات الحرارة يمكن أن تزيد خطر الوفيات المرتبطة بالحرارة في أوروبا بمعدلات قد تكون أكبر من حجم التغير الحراري نفسه.

كما أظهرت دراسة أخرى أن التغيرات اليومية في درجات الحرارة يمكن أن يكون لها تأثيرات كبيرة في الولايات المتحدة، شملت الطلب على الكهرباء ومعدلات الوفيات والمحاصيل وإنتاجية العمل.

تحليل بالذكاء الاصطناعي يكشف تأثير الانبعاثات

لماذا يصعب فصل أثر الانبعاثات الحديثة؟

عمل العلماء على مدى عقود على تطوير طرق لقياس تأثير الانبعاثات البشرية في أحداث مناخية محددة، مثل موجات الحر والأعاصير والجفاف وحرائق الغابات.

لكن تحديد مقدار تأثير جزء صغير من الانبعاثات البشرية في حدث جوي واحد يمثل تحديًا علميًا كبيرًا.

والسبب أن الطقس يتأثر أيضًا بتقلبات طبيعية عشوائية يمكن أن تكون كبيرة، ما يجعل الإشارة الناتجة عن كمية محدودة من الانبعاثات البشرية أصعب في الاكتشاف.

ووصف تروك المسألة بأنها مشكلة تتعلق بالفصل بين «الإشارة والضوضاء»، موضحًا أن التقلب الطبيعي للطقس في أحداث محددة يمكن أن يكون كبيرًا بما يكفي لإخفاء تأثير كمية صغيرة من الانبعاثات البشرية.

كيف استخدم الباحثون الذكاء الاصطناعي؟

اعتمد الفريق على طريقة طورها في عام 2024، واستخدم نوعًا من الذكاء الاصطناعي التوليدي يعرف باسم نموذج الانتشار (Diffusion Model)، وهو النوع نفسه من النماذج الذي تستخدمه العديد من تطبيقات توليد الصور.

ودرب الباحثون النموذج على بيانات من عمليات محاكاة مناخية أجرتها 10 نماذج مناخية عالمية، وغطت الفترة من 1850 إلى 2100.

وتعلم النموذج من هذه البيانات العلاقة بين درجات حرارة سطح الأرض في أوروبا وبين عوامل مثل الانبعاثات وضغط الهواء ورطوبة التربة.

بعد ذلك، اختبر الباحثون النموذج باستخدام عقود من بيانات الطقس الحقيقية التي لم يرها أثناء عملية التدريب، ووجدوا أنه تمكن من محاكاة اتجاه الاحترار طويل الأمد في أوروبا.

ثم أدخل الفريق في النموذج بيانات الطقس الحقيقية المرتبطة بأشد أسبوع حرارة في أوروبا خلال كل عام من 2016 إلى 2025.

وكانت معظم هذه الأحداث مرتبطة بنظام ضغط جوي مرتفع ومستقر يعرف باسم القبة الحرارية (Heat Dome).

مقارنة بين عالمين من الانبعاثات

أجرى الباحثون لكل موجة حر محاكاة لدرجات الحرارة اليومية في حالتين.

الأولى باستخدام مستويات الانبعاثات الفعلية لذلك العام، والثانية باستخدام مستويات الانبعاثات التي كانت موجودة في عام 2015، أي قبل انبعاثات العقد اللاحق.

وبهذه الطريقة، تمكن الفريق من تقدير مقدار الحرارة الإضافية المرتبطة بالانبعاثات التي حدثت منذ عام 2015.

وقال تروك إن الطبيعة العشوائية المدمجة في نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي أتاحت للباحثين طريقة أفضل لقياس عدم اليقين في الفرق الحراري بين مستويين مختلفين من الانبعاثات.

وأنتج النموذج نطاقًا من درجات الحرارة المحتملة لكل موجة حر، مع الأخذ في الاعتبار الاختلافات بين النماذج المناخية العشرة والظروف الجوية المحلية التي تؤثر في درجات الحرارة اليومية.

تحليل بالذكاء الاصطناعي يكشف تأثير الانبعاثات

الإشارة ظهرت في موجات الحر الخمس الأخيرة

عند إعادة تحليل موجات الحر خلال فصول الصيف الخمسة الأخيرة، وجد الباحثون أن نطاق درجات الحرارة المتوقع عند مستويات انبعاثات عام 2015 كان أقل في كل مرة.

كما كان هناك تداخل محدود جدًا بين نطاقات درجات الحرارة في السيناريوهين.

وقدر الفريق احتمال أن تكون الانبعاثات التي حدثت بعد عام 2015 قد جعلت كل واحد من أسابيع الحرارة القصوى الخمسة أكثر شدة بأكثر من 95%.

وهذا يعني أن الدراسة لم تعتمد فقط على تحليل موجة حر واحدة في عام 2025، بل وجدت إشارة مماثلة عبر عدة أحداث حديثة.

حتى جزء صغير من الانبعاثات ترك أثرًا

لم يكتف الباحثون بتحليل الانبعاثات الكاملة منذ عام 2015.

ففي تجربة إضافية ركزت على موجة الحر في يونيو 2025، اختبر الفريق كميات من الانبعاثات تعادل نحو ثُمن إجمالي الانبعاثات العالمية منذ عام 1850.

ووجدوا أدلة قوية على إمكانية اكتشاف تأثير تلك الكمية الصغيرة نسبيًا في درجات الحرارة خلال حدث حر شديد محدد.

وقال نوح ديفنفو، أحد مؤلفي الدراسة، إن خبرته باستخدام الطرق التقليدية مثل النماذج المناخية العالمية كانت ستقوده إلى اعتبار التقلب الطبيعي للطقس عاملًا يجعل اكتشاف تأثير هذا المستوى من الانبعاثات على حدث جوي محدد أمرًا شديد الصعوبة.

لكنه أشار إلى أن قدرة نموذج الانتشار، الذي تدرب على النماذج المناخية نفسها ثم استخدم بيانات أرصاد جوية حقيقية، على التمييز بين الإشارة والضوضاء تمثل تقدمًا في هذا النوع من التحليل.

مزيد من الحرارة قد يظهر مع استمرار الانبعاثات

يرى الباحثون أن النتائج تحمل دلالة مهمة لفهم تأثير الانبعاثات الحديثة.

وأشار ديفنفو إلى أنه حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلًا بشأن خفض الانبعاثات، ستظل هناك انبعاثات مستقبلية، ومن ثم يمكن أن يستمر تأثيرها في دفع درجات الحرارة القصوى إلى مستويات أعلى.

وتشير الدراسة إلى أن موجات الحر الشديدة التي أصبحت أوروبا تشهدها في السنوات الأخيرة قد تزداد شدة مع استمرار ارتفاع تركيزات غازات الدفيئة.

لكن الباحثين لم يحاولوا في هذه الدراسة تحديد عدد الوفيات التي يمكن إسنادها مباشرة إلى الحرارة الإضافية الناتجة عن انبعاثات ما بعد 2015، كما لم يربطوا هذا الجزء من الاحترار بخسائر المحاصيل أو زيادة الطلب على الكهرباء.

ويؤكد ذلك أن الدراسة ركزت تحديدًا على قياس البصمة الحرارية للانبعاثات الحديثة في درجات الحرارة الأوروبية خلال الأحداث المتطرفة، وليس على حساب كامل للأضرار الصحية والاقتصادية الناتجة عنها.

ويرى الباحثون أن تطوير هذه القدرة على عزل أثر كميات محددة من الانبعاثات يمكن أن يساعد على فهم كيفية تراكم تأثير الانبعاثات المستمرة على الأحداث المناخية المتطرفة، بالتزامن مع محاولات خفضها عالميًا.

↑
Exit mobile version