بين الصناعة والبيئة.. معركة جديدة حول استدامة صيد الكريل في المحيط الجنوبي
أكبر شركة لصيد الكريل في العالم تحت المجهر.. جدل حول «العلامة الزرقاء» للاستدامة
تتسع دائرة الجدل حول مستقبل صيد الكريل في القارة القطبية الجنوبية، بعدما أوصى تقييم أولي بتجديد شهادة الاستدامة المعروفة بـ«العلامة الزرقاء» التي يمنحها Marine Stewardship Council لأكبر شركة حصاد كريل في العالم، Aker QRILL، وسط اعتراضات حادة من منظمات بيئية ترى أن الظروف الإيكولوجية والإدارية لم تعد تسمح باعتبار النشاط «مستدامًا» بالمعنى الاحترازي.
الكريل: حجر الأساس في نظام هش
الكريل – ذلك القشري الصغير الشبيه بالروبيان – ليس مجرد مورد تجاري يُستخدم في إضافات أعلاف الاستزراع السمكي والمكملات الغذائية، بل يُعد نوعًا مفتاحيًا (Keystone species) في النظام البيئي لأنتاركتيكا. فهو الحلقة المركزية في الشبكة الغذائية، إذ تعتمد عليه الحيتان والفقمات والبطاريق اعتمادًا مباشرًا. أي خلل في كثافته أو توزيعه الجغرافي ينعكس فورًا على مفترسات عليا، وعلى توازن بيئي يتسم أصلًا بالحساسية الشديدة.
تكتسب المسألة بعدًا إضافيًا في ظل تسارع آثار تغير المناخ في القطب الجنوبي. فقد حذّر علماء من British Antarctic Survey من أن التغيرات المناخية القصوى في المنطقة تحدث بوتيرة أسرع من المتوقع، ما يهدد تجمعات الكريل التي تلعب أيضًا دورًا في عزل الكربون ضمن دورة المحيط الحيوية.

فجوة الإدارة والجمود السياسي
تعتمد استدامة مصايد الكريل على نظام إدارة دولي تقوده CCAMLR (لجنة حفظ الموارد البحرية الحية في أنتاركتيكا)، التي أُنشئت لمنع الاستغلال المفرط للموارد. غير أن الجمود السياسي داخل اللجنة أدى في عامي 2024 و2025 إلى فشل تجديد إجراءات حفظ أساسية، من بينها تدبير يهدف إلى توزيع جهود الصيد جغرافيًا لتفادي الاستنزاف المحلي في مناطق التغذية الحساسة.
اعتراض دول مثل الصين وروسيا على تمديد بعض القيود أدى إلى انقضاء تدابير احترازية كانت تحدّ من التركز المكاني للصيد. هذا التطور أثار مخاوف من «استنزاف موضعي» للكريل في مناطق حرجة بيئيًا، حتى وإن ظل إجمالي المصيد ضمن الحدود القصوى المسموح بها.
اعتراضات بيئية: بين المعيار والسياق
منظمات مثل Antarctic and Southern Ocean Coalition وWWF-UK ترى أن تجديد شهادة الاستدامة في ظل هذا السياق المؤسسي المتراجع يبعث برسالة خاطئة للأسواق. فالمعيار – من وجهة نظرها – لا يمكن عزله عن البيئة الإدارية الأوسع التي يعمل ضمنها.
وتطالب هذه الجهات بوقف مؤقت لصيد الكريل إلى حين الاتفاق على تدابير أكثر احترازية داخل CCAMLR، معتبرة أن مبدأ «الحيطة» يجب أن يتقدم على اعتبارات السوق، خصوصًا مع تزايد الضغوط المناخية وعدم اليقين العلمي بشأن قدرة المخزون على التعافي.
الجدل لم يقتصر على الأوساط العلمية والحقوقية؛ إذ أشار السير David Attenborough في فيلمه الوثائقي Ocean إلى أن إزالة كائن بهذا الدور المحوري قد تعني «إزالة أساس نظام بيئي كامل»، حتى وإن وُصفت الممارسة رسميًا بالمستدامة.
موقف الشركة: الاستدامة عبر التعاون
من جانبها، تؤكد Aker QRILL أن نشاطها يخضع لحدود صيد احترازية تُعد من الأكثر تحفظًا عالميًا، وأنها لا تسعى إلى توسيع عملياتها. كما تشير إلى انخراطها في جهود دبلوماسية غير معلنة لدعم التوافق داخل CCAMLR بشأن مناطق بحرية محمية وإدارة مكانية أكثر صرامة.
وتعتبر الشركة أن خطاب بعض المنظمات البيئية «تصعيدي» وقد يعرقل مسار التوافق الدولي المطلوب لحماية النظام البيئي، مؤكدة أن الحل يكمن في التعاون متعدد الأطراف لا في نزع الشهادات.
معضلة الاستدامة في عصر المناخ
القضية تتجاوز شركة بعينها أو شهادة محددة؛ فهي تعكس إشكالية أعمق تتعلق بمدى كفاية أدوات الاعتماد الطوعي في بيئات تشهد تغيرًا مناخيًا متسارعًا وتعقيدًا جيوسياسيًا متناميًا. هل تكفي معايير فنية ثابتة لتقييم نشاط في نظام بيئي ديناميكي سريع التحول؟ وهل ينبغي تحديث مقاربات الاستدامة لتأخذ في الحسبان «المخاطر النظامية» وليس فقط الامتثال اللحظي للحدود الكمية؟
في ظل هشاشة النظام البيئي لأنتاركتيكا وأهمية الكريل كمخزن بيولوجي للكربون وكركيزة للشبكة الغذائية، تبدو الإجابة مرتبطة بقدرة المجتمع الدولي على تجاوز الانقسامات السياسية وتفعيل إدارة احترازية حقيقية.
الرهان اليوم ليس فقط على استمرار شهادة «العلامة الزرقاء»، بل على مصداقية مفهوم الاستدامة ذاته في واحدة من آخر البيئات البكر على الكوكب.






You write with so much clarity and confidence. Impressive!