أخبارالاقتصاد الأخضرالطاقة

بطاريات أرخص وأكثر استدامة.. هل تقود السيارات الكهربائية إلى مدى ألف ميل في الشحنة الواحدة؟

ثورة محتملة في عالم السيارات الكهربائية بفضل بطاريات الليثيوم-الكبريت

تخيل سيارة كهربائية يمكنها قطع مسافة 600 أو 700، بل وحتى 1000 ميل بشحنة واحدة، هذا المدى يتجاوز بكثير أطول مدى متاح حاليًا للسيارات الكهربائية في السوق الأمريكية، وفقًا لمجلة «كار آند درايفر»، ويعادل تقريبًا ضعف المدى الرسمي لسيارة «تسلا موديل 3» ذات الدفع الخلفي طويل المدى، التي يبلغ أقصى مداها المعتمد 363 ميلًا.

تعتمد السيارات الكهربائية الحالية على بطاريات الليثيوم-أيون، وهي التقنية نفسها المستخدمة في الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب المحمولة وحتى أنظمة تخزين الطاقة المرتبطة بشبكات الكهرباء.

وعلى الرغم من أن هذه البطاريات كانت معيارًا تقنيًا لعقود، وخضعت لتحسينات متتالية على يد أجيال من العلماء، فإنها باتت اليوم قريبة من حدودها الفيزيائية القصوى، إذ لا يمكن زيادة كمية الطاقة المخزنة فيها إلى ما لا نهاية، حتى مع أفضل المواد والتصميمات المحسنة.

مهندس مواد يدرس هذه البطاريات ويسعى إلى بدائل تقدم أداءً أفضل واستدامة بيئية أعلى وتكلفة أقل، يبرز تصميم واعد يعتمد على الكبريت، قادر على زيادة سعة البطاريات بشكل كبير، رغم وجود عقبات رئيسية لا تزال تعوق انتشاره الواسع.

الليثيوم-الكبريت مقابل الليثيوم-أيون

تتكون أي بطارية من ثلاثة عناصر أساسية: القطب الموجب أو «الكاثود»، والقطب السالب أو «الأنود»، وبينهما مادة تُعرف بالإلكتروليت، تتحرك من خلالها الذرات المشحونة، أو الأيونات، بين القطبين.

في بطاريات الليثيوم-أيون، يُصنع الكاثود من أكسيد معدني يحتوي عادةً على عناصر مثل النيكل والمنغنيز والكوبالت، مرتبطة بذرات الأكسجين. وتكون هذه المواد على هيئة طبقات، تتخللها أيونات الليثيوم، أثناء الشحن، تنفصل أيونات الليثيوم عن الكاثود وتنتقل عبر الإلكتروليت إلى الأنود.

أما الأنود، فيتكون غالبًا من الجرافيت، وهو أيضًا مادة طبقية تسمح لأيونات الليثيوم بالاستقرار بين طبقاتها، وعند التفريغ، تغادر أيونات الليثيوم طبقات الجرافيت، وتعود عبر الإلكتروليت إلى الكاثود، حيث تعيد الاندماج مع الأكسيد المعدني، مطلقة الطاقة الكهربائية التي تشغّل السيارات والأجهزة الإلكترونية.

في المقابل، تعتمد بطاريات الليثيوم-الكبريت على كيمياء مختلفة. فالكاثود فيها يتكون من الكبريت المدمج داخل مصفوفة كربونية موصلة للكهرباء، بينما يتكون الأنود أساسًا من الليثيوم نفسه، بدلًا من الجرافيت المحتوي على الليثيوم.

أثناء التفريغ، تنتقل أيونات الليثيوم من الأنود عبر الإلكتروليت إلى الكاثود، لكنها لا تنزلق بين طبقات كما في بطاريات الليثيوم-أيون، بل تدخل في تفاعلات كيميائية تحول الكبريت تدريجيًا إلى سلسلة من المركبات تُعرف باسم كبريتيدات الليثيوم، وعند الشحن، تنفصل أيونات الليثيوم عن هذه المركبات، وتغادر الكاثود عائدةً إلى الأنود.

هذه العملية تعتمد على تفاعلات تحويل كيميائي تتضمن عددًا أكبر من الإلكترونات مقارنةً ببطاريات الليثيوم-أيون، ما يعني أن بطاريات الليثيوم-الكبريت قادرة نظريًا على تخزين طاقة أكبر بكثير ضمن الحجم نفسه.

إضافة إلى ذلك، يتميز الكبريت بكونه عنصرًا رخيصًا ومتوافرًا بكثرة حول العالم، ما يقلل اعتماد مصنعي البطاريات على معادن نادرة مثل النيكل والكوبالت، التي تتركز في مناطق محدودة جغرافيًا وغالبًا ما تُستخرج في دول تعاني ضعف معايير السلامة العمالية والعدالة الاجتماعية، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، هذه المزايا تفتح الباب أمام بطاريات أعلى سعة، وأقل تكلفة، وأكثر استدامة بيئيًا.

الليثيوم أساس إنتاج البطاريات

لماذا لا تُستخدم بطاريات الليثيوم-الكبريت على نطاق واسع حتى الآن؟

العقبة الأكبر أمام الإنتاج والاستخدام الواسع لهذه البطاريات تتمثل في عمرها الافتراضي، فبطارية الليثيوم-أيون الجيدة، مثل تلك المستخدمة في السيارات الكهربائية، يمكنها تحمل آلاف دورات الشحن والتفريغ قبل أن تبدأ سعتها في التراجع، وهو ما يعادل آلاف الرحلات.

أما بطاريات الليثيوم-الكبريت، فتميل إلى فقدان سعتها بسرعة أكبر، أحيانًا بعد أقل من 100 دورة شحن وتفريغ، وهو عدد محدود جدًا من الاستخدامات.

يرجع ذلك إلى طبيعة التفاعلات الكيميائية، إذ تذوب بعض مركبات كبريتيد الليثيوم في الإلكتروليت السائل أثناء الشحن والتفريغ، وعندما يحدث ذلك، يُفقد جزء من الليثيوم والكبريت من التفاعلات اللاحقة، وهي ظاهرة تُعرف باسم «ظاهرة التنقل» أو الشَتل، تؤدي إلى انخفاض تدريجي في كمية المواد الفعالة القادرة على تخزين وإطلاق الطاقة.

خلال العقدين الماضيين، حقق الباحثون تقدمًا ملحوظًا في هذا المجال، فبينما كانت النماذج الأولى تفقد معظم سعتها خلال عشرات الدورات فقط، بدأت النماذج الحديثة تحتفظ بأكثر من 80% من سعتها الأصلية حتى بعد آلاف الدورات.

وجاء هذا التحسن نتيجة إعادة تصميم مكونات البطارية وضبط المواد الكيميائية المستخدمة، حيث تساعد إلكتروليتات خاصة على منع ذوبان كبريتيدات الليثيوم، كما جرى تطوير الأقطاب باستخدام مواد مثل الكربون المسامي، القادر على احتجاز المركبات الوسيطة ومنعها من الابتعاد عن الكاثود.

السيارات الكهربائية

الطريق إلى المستقبل

لم تعد بطاريات الليثيوم-الكبريت مجرد تجارب مخبرية هشة، لكنها لا تزال تواجه تحديات قبل أن تصبح حلًا عمليًا واسع الانتشار لتخزين الطاقة.

فعلى صعيد السلامة، يتميز الكاثود في هذه البطاريات بكونه أقل تقلبًا من نظيره في بطاريات الليثيوم-أيون، إلا أن أبحاث السلامة ما زالت مستمرة في جوانب أخرى.

كما تبرز مشكلة المفاضلة بين كثافة الطاقة وعدد دورات الشحن، إذ كلما زادت الطاقة المخزنة، انخفض عدد الدورات التي يمكن للبطارية تحملها، نتيجة شدة التفاعلات الكيميائية.

قد لا يمثل ذلك عائقًا كبيرًا لتطبيقات مثل الطائرات المسيّرة أو تخزين الطاقة على مستوى الشبكات الكهربائية، لكن السيارات الكهربائية تتطلب مزيجًا من السعة العالية والعمر الطويل، وهو ما يستدعي مزيدًا من البحث للوصول إلى توازن عملي.

وبناءً عليه، يبدو أن الجيل الجديد من بطاريات الليثيوم-الكبريت لا يزال على بُعد سنوات قليلة من الانتشار التجاري الواسع.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading