منذ 1850.. العلماء يكشفون «بصمة الإنسان» في تغير مناخ مناطق العالم
170 عامًا من البيانات تكشف الحقيقة.. كيف ترك النشاط البشري بصمته على مناخ الأرض؟
كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون في معهد ماكس بلانك للأرصاد الجوية عن بصمة إقليمية واضحة للاحترار العالمي الناتج عن النشاط البشري، باستخدام سجلات درجات حرارة تمتد لأكثر من 170 عامًا.
وتقدم الدراسة، المنشورة في مجلة Science Advances، طريقة تجريبية جديدة تساعد العلماء على تحديد كيفية ظهور تأثير الاحتباس الحراري في مناطق مختلفة من العالم، بعيدًا عن الاعتماد الكامل على توقعات النماذج المناخية.
ويؤكد الباحثون أن ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض أصبح الإشارة المهيمنة وسط التقلبات الطبيعية للمناخ، لكن ظهور هذه الإشارة يختلف بصورة كبيرة من منطقة إلى أخرى.
بصمة الاحترار البشري تظهر في سجلات الحرارة
استخدم الباحثون بيانات عالمية لدرجات حرارة سطح الأرض تمتد من 1850 إلى 2022، وربطوا درجات الحرارة التي تم تسجيلها في مناطق مختلفة بالتغير في متوسط درجة حرارة الكوكب.
ومن خلال هذه الطريقة، تمكن الفريق من استخراج ما أطلق عليه «البصمة المرصودة» للاحترار الناجم عن النشاط البشري.
وتتيح هذه البصمة للعلماء مقارنة التغيرات الفعلية التي سجلتها أجهزة الرصد مع النمط المتوقع للاحترار الناتج عن زيادة تركيزات غازات الاحتباس الحراري.
وتكمن أهمية الطريقة في أنها تساعد على الإجابة عن سؤال رئيسي: هل التغير المناخي الذي تشهده منطقة معينة ناتج عن النشاط البشري أم يمكن تفسيره بالتقلب الطبيعي للمناخ؟

لماذا لا ترتفع الحرارة بالطريقة نفسها في كل مكان؟
رغم أن متوسط حرارة الأرض يرتفع بوضوح، فإن درجات الحرارة لا تتحرك في الاتجاه نفسه وبالمعدل ذاته في جميع مناطق الكوكب.
فقد شهد جنوب شرق المحيط الهادئ وأجزاء من المحيط الجنوبي تبريدًا خلال فترات معينة، بينما لم ترتفع درجات الحرارة في شمال الأطلسي شبه القطبي بالسرعة التي توقعتها بعض النماذج المناخية.
وتثير هذه الاختلافات تساؤلات حول مدى دقة النماذج في التنبؤ بالنمط الإقليمي للاحترار، رغم نجاحها بدرجة كبيرة في محاكاة الاتجاه العالمي العام لارتفاع درجات الحرارة.
ولذلك ركز الباحثون على أربع مناطق تشهد قدرًا كبيرًا من عدم اليقين: جنوب شرق المحيط الهادئ، والمحيط الجنوبي، وشمال الأطلسي شبه القطبي، والقطب الشمالي.
القطب الشمالي يكشف تأثير الإنسان رغم التقلبات الطبيعية
يقدم القطب الشمالي مثالًا واضحًا على التعقيد الذي يواجهه العلماء عند فصل تأثير الإنسان عن التقلبات الطبيعية.
فقد شهدت المنطقة ارتفاعًا سريعًا في درجات الحرارة منذ منتصف القرن العشرين، قبل أن يتباطأ الاحترار مؤقتًا من أواخر تسعينيات القرن الماضي وحتى أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
وأظهرت الدراسة أن فترة التباطؤ كانت مرتبطة بالتقلبات الطبيعية في النظام المناخي، لكنها لم تلغِ الإشارة الواضحة إلى تأثير النشاط البشري.
وبعبارة أخرى، يمكن لعوامل طبيعية أن تخفي مؤقتًا جزءًا من تأثير الاحتباس الحراري، لكنها لا تعني اختفاء الاحترار الناتج عن الإنسان.

مناطق ما زالت فيها البصمة البشرية غير واضحة
في المقابل، لم يتمكن الباحثون من فصل إشارة الاحترار البشري بوضوح عن التقلبات الطبيعية في أجزاء من المحيط الجنوبي وشمال الأطلسي شبه القطبي.
وهذا لا يعني أن النشاط البشري لم يؤثر في هذه المناطق، وإنما يعني أن الإشارة البشرية لم تصبح قوية بما يكفي للخروج بوضوح من الضوضاء المناخية الطبيعية.
ويطلق العلماء على المدة اللازمة لظهور هذه الإشارة بوضوح اسم «مقياس زمن الظهور».
وتشير الدراسة إلى أن النماذج المناخية غالبًا ما تقلل من تقدير المدة المطلوبة حتى تصبح بصمة الاحترار البشري واضحة في بعض المناطق.
45 عامًا من الأقمار الصناعية تكفي في معظم المناطق
تقدم الدراسة نتيجة مهمة بالنسبة إلى مراقبة المناخ الحديثة، فقد وجد الباحثون أن نحو 45 عامًا من بيانات الأقمار الصناعية تكفي لتوفير دليل تجريبي على الاحترار الناتج عن الإنسان في معظم مناطق العالم.
ويمنح ذلك العلماء أداة إضافية لفحص التغيرات المناخية الحديثة، بدل الاعتماد فقط على النماذج المناخية أو المتوسطات العالمية.
كما يمكن لهذه الطريقة أن تساعد على تحديد الفترات الزمنية التي تحتاجها كل منطقة حتى يمكن إثبات تأثير تغير المناخ البشري فيها بدرجة عالية من الثقة.
كيف يحدد العلماء المسؤول عن تغير المناخ؟
تعتمد أبحاث المناخ منذ عقود على منهج يعرف باسم «الكشف والإسناد» (Detection and Attribution)، وهو المنهج المستخدم أيضًا في تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC.
ويستند هذا النهج إلى فكرتين أساسيتين.
أولًا، يجب إثبات أن التغير المناخي المرصود يختلف إحصائيًا عن التقلبات الطبيعية المعتادة.
ثانيًا، يجب تحديد العامل المسؤول عن هذا التغير.
ولتحقيق ذلك، يستخدم العلماء عادة النماذج المناخية لتحديد الأنماط المميزة التي تنتج عن عوامل مختلفة، مثل ارتفاع تركيزات غازات الاحتباس الحراري.

غازات الاحتباس الحراري تترك بصمة مميزة
يؤدي ارتفاع تركيز غازات الاحتباس الحراري إلى مجموعة من التغيرات المميزة في النظام المناخي.
فعلى سبيل المثال، يؤدي ارتفاع الغازات الدفيئة إلى ارتفاع حرارة طبقة التروبوسفير، بالتزامن مع تبريد طبقة الستراتوسفير.
كما يكون الاحترار عادة أكبر فوق اليابسة مقارنة بالمحيطات، بينما ترتفع حرارة القطب الشمالي بمعدل أسرع من المتوسط العالمي.
وتشكل مجموعة هذه التغيرات «بصمة» يمكن للعلماء البحث عنها في سجلات الرصد.
وعندما تتطابق التغيرات المرصودة بدرجة كافية مع هذه البصمة، يصبح من الممكن إسناد جزء كبير من التغير إلى النشاط البشري.
طريقة جديدة لفهم التغير المناخي محليًا
تكمن أهمية الدراسة الجديدة في أنها تنقل مفهوم البصمة المناخية من الاعتماد على النماذج وحدها إلى استخدام البيانات المرصودة مباشرة.
ويتيح ذلك فحص مدى توافق النماذج المناخية مع ما يحدث بالفعل على الأرض والمحيطات، وتحديد المناطق التي تحتاج إلى مزيد من البحث لفهم أسباب الاختلاف.
كما يمكن أن تكون النتائج ذات أهمية عملية في خطط التكيف مع تغير المناخ، لأنها تساعد على تحديد المناطق التي ظهرت فيها بالفعل بصمة الاحترار البشري بصورة واضحة، وكذلك المناطق التي قد تحتاج إلى فترات أطول من الرصد لإثبات التأثير.
وقد تمتد أهمية هذه الأدلة أيضًا إلى الدعاوى القضائية المرتبطة بالمناخ، حيث يمكن للبيانات التجريبية التي تربط تغيرًا إقليميًا معينًا بالاحترار العالمي أن تلعب دورًا في تقييم المسؤولية والأضرار المناخية.
الاحترار العالمي واضح.. لكن تفاصيله تختلف إقليميًا
تؤكد الدراسة أن عدم تطابق بعض الملاحظات الإقليمية مع توقعات النماذج لا يعني أن تغير المناخ البشري موضع شك.
فالاحترار العالمي أصبح واضحًا إحصائيًا وأصبح الإشارة المهيمنة على التغير في متوسط حرارة الكوكب.
لكن طريقة ظهور هذه البصمة تختلف من منطقة إلى أخرى، وقد تخفي التقلبات الطبيعية الإشارة البشرية لفترات أطول في بعض المناطق.
وتوفر «البصمة المرصودة» الجديدة وسيلة أكثر دقة لفهم هذه الاختلافات، وتقييم مدى قدرة النماذج المناخية على تفسيرها، بما يساعد في النهاية على تحسين الاستعداد للتغيرات المناخية المستقبلية واتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن التكيف معها.





