أهم الموضوعاتأخبارابتكارات ومبادرات

باحثون يبرمجون النباتات.. نمو عند الطلب ومقاومة للجفاف

لأول مرة.. مفتاح اصطناعي ينظم جينات النباتات متعددة الخلايا

يواصل العلم الحديث توسيع نطاق تأثيره على الطبيعة، من زراعة اللحوم المصنعة في المختبرات إلى تعديل الحمض النووي، مما يجعل الخط الفاصل بين الطبيعي والمُهندَس يضيق شيئًا فشيئًا. ويُعد أحد أحدث هذه التطورات طفرة علمية بارزة، إذ تم ابتكار مفتاح وراثي يُمكّن من التحكم في سمات النباتات.

فقد تمكن باحثون من جامعة ولاية كولورادو من تحقيق تقدم ملحوظ عبر تطوير أداة وراثية للتحكم في صفات النباتات الناضجة. ويُعد هذا الإنجاز أول استخدام ناجح لمفتاح اصطناعي في نظام نباتي معقد متعدد الخلايا.

تُسلط الدراسة، التي نُشرت في مجلة ACS Synthetic Biology، الضوء على طريقة لتفعيل جينات نباتية محددة أو إيقافها باستخدام إشارة خارجية.

وتفتح هذه التقنية المجال أمام زراعة نباتات تنضج عند الطلب، وتتحمل ظروفًا مناخية قاسية، أو تُنتج محاصيل أكثر تغذية.

تقنية غير مسبوقة للنباتات متعددة الخلايا

خلافًا للأدوات السابقة التي جُرّبت فقط على كائنات وحيدة الخلية، يعمل هذا المفتاح الوراثي الجديد في النباتات متعددة الخلايا، وهو ما يُعد نقلة نوعية تفتح آفاقًا واسعة من الإمكانيات في مجالات الزراعة والهندسة الحيوية.

يستوحي علم الأحياء التركيبي فكرته من الإلكترونيات، حيث تُستخدم المفاتيح الكهربائية للتحكم في تشغيل الأجهزة، بينما تُستخدم “دوائر الحمض النووي” للتحكم في سلوك الجينات.

يقوم العلماء بتصميم أجزاء اصطناعية من الحمض النووي وإدخالها في الكائنات الحية لتتصرف كدوائر منطقية دقيقة تستجيب لإشارات محددة.

وهذا بالضبط ما أنجزه فريق جامعة ولاية كولورادو، إذ صمموا أداة وراثية تعمل كلوحة مفاتيح تُشغَّل بإشارة معينة، فتُفعِّل أو تُعطِّل جينات محددة داخل النبات الحي.

الحمض النووي للتبات

تحديات ومعالجات

حتى وقت قريب، لم تنجح مفاتيح التبديل الجيني إلا في البكتيريا البسيطة. أما تطبيقها في النباتات، ذات البنية المعقدة والأنسجة المتعددة، فكان أمرًا بالغ الصعوبة. وقد قاد هذا المشروع الطموح البروفيسورة جون ميدفورد من قسم الأحياء، والبروفيسور أشوك براساد من قسم الهندسة الكيميائية والبيولوجية، في تعاون جمع بين المعرفة البيولوجية العميقة والخبرة الهندسية الدقيقة.

ترى البروفيسورة ميدفورد أن هذا التحول يحمل إمكانات هائلة في مجال الزراعة. فتمكين المزارعين من التحكم في نضج الثمار أو توقيت نمو النباتات قد يجعل أنظمة الغذاء أكثر كفاءة ويقلل من الهدر. ووصفت الأداة بأنها “منصة لتنظيم العديد من الصفات النباتية في الوقت المناسب”.

وأضافت: “إن الطبيعة متعددة الخلايا للنبات، بما يشمل الجذور والأنسجة والأعضاء المختلفة، شكّلت تحديًا كبيرًا، وقد نجحنا أخيرًا في تجاوزه. يُعد هذا العمل خطوة أولى واعدة نحو برمجة النباتات للقيام بوظائف لم تكن ممكنة من قبل”.

النباتات

من التصميم إلى التجربة الحية

بدأ الفريق بتجميع أجزاء محددة من الحمض النووي النباتي، واستخدموا النمذجة الرياضية لاختبار سلوك المفاتيح الجينية المختلفة على الحاسوب، مما أتاح لهم تحديد التراكيب الأكثر فعالية قبل إدخالها في نباتات حقيقية.

وخلال فترة تجريبية استمرت اثني عشر يومًا، راقب العلماء استجابة الجينات لتلك الإشارات الخارجية، وكانت النتائج متوافقة مع التوقعات، إذ تم تشغيل وإيقاف الجينات كما خطط لها الفريق.

وأثبتت هذه التجارب أن من الممكن التحكم في أنظمة النباتات المعقدة بطريقة قابلة للبرمجة والتنبؤ.

أوضح البروفيسور ميدفورد أهمية دمج علم الأحياء بالحوسبة قائلاً: “نحن كعلماء أحياء نفهم البيولوجيا جيدًا، ونتعاون مع خبراء مثل البروفيسور براساد لتطوير خوارزميات تساعدنا في التعرّف على الإشارات المهمة وسط كم هائل من البيانات”.

تطعيم” النباتات يعزز الأمن الغذائي العالمي

سيطرة على أجزاء متعددة من النبات

الأكثر إثارة في هذه الدراسة هو اتساع نطاق الأداة. فقد تمكّن الفريق من التحكم في نمو البراعم، والجذور، والخلايا خلال مراحل نمو مختلفة، مما يدل على قدرة الأداة على العمل في جميع أجزاء النبات، وهو أمر ضروري لتطبيقها خارج المختبر.

بفضل هذه المرونة، يُمكن استخدام المفتاح الوراثي لإدارة نمو النباتات، ومقاومتها للإجهاد، والتحكم بكيفية استخدام الماء، مما يجعلها خطوة كبيرة نحو “علم الأحياء القابل للبرمجة”.

وأكد البروفيسور براساد أن الأداة الجديدة قد تساعد النباتات على التكيف مع الظروف المناخية القاسية، وتنمو في بيئات غير مثالية، وتُنتج محاصيل أكثر موثوقية.

تطوير دوائر جينية قابلة للبرمجة لأجهزة في النباتات

نحو زراعة مستقبلية ذكية

في مناخ عالمي يتسم بالتقلبات والمفاجآت، يُمكن للمزارعين باستخدام هذا المفتاح الوراثي تفعيل محفزات لتعزيز تحمّل الجفاف، أو تسريع نمو محاصيل معينة، مثل القرع، مع الحفاظ على قيمتها الغذائية وجودتها.

وقال براساد: “إن تطبيقات هذا الاكتشاف لا حصر لها، سواء للبشر أو للبيئة”.

ويُعد هذا النوع من التحكم الوراثي فرصة لتعزيز الأمن الغذائي والاستدامة، عبر تصميم نباتات تتكيف سريعًا مع التغيرات البيئية مثل الجفاف أو موجات الحر أو هجمات الآفات.

ولا يقتصر أثر التقنية على الغذاء فقط، بل يُمكن أن تُستخدم نباتات مصممة وراثيًا في الطب، وعلوم المواد، وحتى في الزراعة الفضائية.

المستقبل يبدأ الآن

يُمثّل عمل فريق جامعة ولاية كولورادو قاعدة صلبة لمستقبل الهندسة الوراثية. ورغم أن التقنية لا تزال في مراحلها الأولى، فإن نجاح التجارب يُثبت أن برمجة الوظائف الداخلية للنباتات أصبح ممكنًا. ومن المتوقع أن تُسهم الأبحاث المقبلة في تحسين موثوقية المفاتيح الوراثية، وزمن استجابتها، وتكيّفها مع أنواع نباتية متنوعة.

ولا تهدف هذه التقنية إلى استبدال التعديل الوراثي أو التربية التقليدية، بل تُضيف طبقة جديدة تسمح بتنشيط الصفات عند الحاجة فقط، ما يمنح المزارع مرونة غير مسبوقة في التحكم بالمحصول.

إن الانتقال من نمذجة الحمض النووي على الحاسوب إلى مشاهدة نباتات حقيقية تستجيب فعليًا بإشارة واحدة يُعد إنجازًا كبيرًا في علم الأحياء التركيبي، ويمهد الطريق لنظام نباتي حيوي ذكي، يُفكّر، ويستجيب، ويتكيّف… كل ذلك بأمرٍ واحد.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading