أخبارالتنوع البيولوجي

انتهاكات حقوق السكان الأصليين تهز نموذج حماية الطبيعة في إفريقيا

الأمير هاري يغادر منظمة المحميات الأفريقية.. انتهاكات ضد شعب «الباكا» تلاحق منظمة المحميات الأفريقية

في الوقت الذي تتسع فيه الدعوات إلى حماية الطبيعة والحفاظ على الغابات والحياة البرية في أفريقيا، تواجه بعض نماذج إدارة المحميات انتقادات متزايدة بسبب ما تثيره من أسئلة حول حقوق السكان الأصليين الذين عاشوا في هذه المناطق قبل إعلانها محميات.

وفي هذا السياق، أعلنت منظمة المحميات الأفريقية (African Parks) مغادرة الأمير هاري، دوق ساسكس، مجلس إدارتها اعتبارًا من 30 سبتمبر/أيلول المقبل، بعد نحو 10 سنوات من انضمامه إليها، في خطوة تأتي بعد أكثر من عام على إقرار المنظمة بوقوع انتهاكات لحقوق الإنسان ارتكبها حراس يعملون لديها ضد أفراد من شعب “الباكا” في متنزه أودزالا-كوكوا شمال غرب جمهورية الكونغو.

الأمير هاري، دوق ساسكس
الأمير هاري، دوق ساسكس

انتهاكات تهز صورة حماية الطبيعة

تعود الأزمة إلى يناير/كانون الثاني 2024، عندما نشرت صحيفتا “ميل أون صنداي” و”غارديان” البريطانيتان شهادات لأفراد من شعب الباكا، تحدثوا خلالها عن تعرضهم لانتهاكات خطيرة على أيدي حراس المنظمة، شملت الضرب والإيهام بالغرق والاغتصاب، على خلفية منعهم من الوصول إلى غابات أجدادهم داخل منطقة المحمية.

وأجرى مكتب المحاماة البريطاني “أومنيا ستراتيجي” تحقيقًا مستقلًا شمل 21 حادثة، تضمنت مزاعم عن عنف جسدي وجنسي جسيم، وحالات اغتصاب قد ترقى إلى التعذيب أو غيره من أشكال إساءة المعاملة، إلى جانب مزاعم بالقتل والتوقيف والاحتجاز التعسفي.

وفي مايو/أيار 2025، أقرت منظمة المحميات الأفريقية بوقوع انتهاكات لحقوق الإنسان في بعض هذه الحوادث، وأعربت عن أسفها لما وصفته بإخفاقات في أنظمتها، مؤكدة أنها اتخذت خطوات لتحسين سياسات الحماية.

لكن عدم نشر النتائج التفصيلية للتحقيق أبقى القضية مفتوحة، وأثار انتقادات جديدة بشأن مستوى الشفافية والمساءلة داخل المنظمة.

أزمة أعمق من خروج الأمير هاري

ورغم إعلان المنظمة أن مغادرة الأمير هاري تأتي ضمن “تجديد روتيني للحوكمة”، فإن توقيت الخطوة يعيد تسليط الضوء على الجدل المحيط بنموذج إدارة المحميات، خصوصًا عندما تتعارض جهود حماية الحياة البرية مع حقوق المجتمعات التي تعتمد تاريخيًا على الغابات والأراضي التي تحولت إلى مناطق محمية.

وقال متحدث باسم الأمير هاري إنه فخور بسنوات خدمته العشر في المنظمة، وإن التزامه بحفظ الطبيعة في أفريقيا مستمر، بينما أكدت المنظمة أن مغادرته تأتي في إطار إعادة تشكيل مجلس إدارتها وانضمام عضوين جديدين.

لكن منظمات مدافعة عن حقوق السكان الأصليين ترى أن القضية تتجاوز رحيل شخصية بارزة من مجلس الإدارة، لتصل إلى جوهر الطريقة التي تُدار بها بعض مشروعات حماية الطبيعة في القارة.

وقالت كارولين بيرس، المديرة التنفيذية لمنظمة “سرفايفل إنترناشونال”، إن مغادرة الأمير هاري لا تمحو سجل الانتهاكات، داعية إلى محاسبة المنظمة والتخلي عن نماذج حماية الطبيعة التي تعتمد على إبعاد السكان الأصليين عن أراضيهم باستخدام أدوات أمنية مسلحة.

عندما تتحول حماية الطبيعة إلى صراع على الأرض

تدير منظمة المحميات الأفريقية، التي تأسست عام 2000، أكثر من 20 مليون هكتار بالشراكة مع 13 حكومة أفريقية، وتعمل في عدد من الدول، بينها تشاد وزيمبابوي.

وتعتمد المنظمة على حراس لمكافحة الصيد الجائر وحماية الحياة البرية، في نموذج يجمع بين تفويض الحكومات الأفريقية والتمويل الخارجي والإدارة الخاصة، وهو ما يطرح تساؤلات حول تحديد المسؤولية والمحاسبة عندما تقع انتهاكات بحق السكان المحليين.

وتكشف أزمة أودزالا-كوكوا عن واحدة من أكثر المعضلات تعقيدًا في حماية الطبيعة: كيف يمكن حماية الغابات والحياة البرية دون تحويل المجتمعات التي عاشت فيها تاريخيًا إلى ضحايا لسياسات الحماية؟

محمية إيندي

تشاد.. أزمة أخرى مع المنظمة

ولم تكن الكونغو الحالة الوحيدة التي واجهت فيها المنظمة أزمة تتعلق بإدارة المحميات.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، أنهت وزارة البيئة التشادية تفويض إدارة محميتي إنيدي وزاكوما الكبرى، الذي امتد 15 عامًا، مشيرة إلى مخاوف تتعلق بعودة الصيد الجائر وضعف الاستثمار في قدرات الحراس وغموض الإدارة المالية، قبل أن تتراجع عن القرار بعد 11 يومًا وتعيد الشراكة مع المنظمة.

وتعكس هذه التطورات اتساع النقاش حول مستقبل إدارة المحميات الأفريقية، ليس فقط من زاوية مكافحة الصيد الجائر والحفاظ على الأنواع المهددة، وإنما أيضًا من منظور حقوق الإنسان، وحقوق المجتمعات المحلية، والسيادة الوطنية، وشفافية التمويل والإدارة.

حماية الطبيعة.. حماية للإنسان أيضًا

تضع أزمة منظمة المحميات الأفريقية قضية جوهرية أمام جهود الحفاظ على البيئة في أفريقيا: لا يمكن أن تنفصل حماية الطبيعة عن حماية الإنسان.

فالغابات والحياة البرية تمثل ثروة بيئية عالمية، لكن المجتمعات الأصلية والمحلية تمثل جزءًا من النسيج التاريخي والبيئي لهذه المناطق، ما يجعل مشاركتها واحترام حقوقها عنصرًا أساسيًا في أي نموذج مستدام لحماية الطبيعة.

وبينما يغادر الأمير هاري مجلس إدارة المنظمة بعد عقد من الخدمة، يبقى السؤال الأوسع قائمًا: هل تستطيع أفريقيا بناء نموذج لحماية الحياة البرية يحافظ على الطبيعة دون انتهاك حقوق من عاشوا فيها عبر أجيال؟

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة