الملصقات البيئية لا تغيّر كثيرًا في سلوك المستهلكين.. لكنها لا تزال ضرورية
هل تغير ملصقات الكربون عاداتنا الغذائية فعلًا؟ الأدلة تقول: ليس كثيرًا
لماذا لا تؤثر ملصقات الاستدامة على قرارات الشراء كما نأمل؟
تُبالغ الأدلة الحالية في تقدير تأثير الملصقات البيئية على المنتجات الغذائية وقوائم الطعام. لكن هذا لا يعني أنه يجب علينا التوقف عن استخدامها، وفقًا لدراسة جديدة.
كشفت دراسة تحليلية حديثة أن ملصقات الاستدامة التي توضّح تأثير المنتج أو الوجبة على المناخ، ليست مؤثرة كما تصورها العديد من الدراسات.
وبمراجعة 49 دراسة شملت أكثر من 150 ألف عميل، وجد الباحثون أن لهذه الملصقات تأثيرًا يتراوح بين الضئيل والمتوسط على سلوكيات الشراء، كما انخفضت الفعالية أكثر بعد تعديل التقديرات لمراعاة تحيّز النشر.
مراعاة الفوائد طويلة الأجل والمجردة
علاوة على ذلك، وجد الباحثون أن العلامات البيئية تُحقق نتائج أفضل في بيئات الإنترنت (حيث تزداد وضوحًا) مقارنة بالتسوّق الشخصي.
وتوضح الدراسة: “بينما يميل المستهلكون عبر الإنترنت إلى مراعاة الفوائد طويلة الأجل والمجردة مثل الاستدامة، يميل المتسوقون التقليديون إلى إعطاء الأولوية للاعتبارات العملية المباشرة، مثل الراحة وسهولة الاستخدام”.
وعلى الرغم من هذه النتائج، خلصت جهود بحثية قادتها عدة جامعات إلى أنه لا ينبغي إغفال “التأثيرات غير المباشرة وطويلة الأمد” لملصقات الاستدامة، إذ يمكن أن تلعب أدوارًا مهمة تتجاوز مجرد تغيير سلوك المستهلك.
يشمل ذلك تعزيز الحوافز الأخلاقية للشركات، وتحسين البيانات اللازمة لتتبع الانبعاثات، وزيادة شفافية سلسلة التوريد، فضلًا عن وضع الأساس لأدوات سياسية أقوى، والمساعدة في تصحيح المفاهيم الخاطئة حول التأثير البيئي للمنتجات المختلفة.

لماذا لا تحمل العلامات البيئية تأثيرًا كبيرًا؟
في المتاجر التقليدية، يتفاعل الناس مع المنتجات بطريقة ملموسة وسط مجموعة من الحوافز المتنافسة، مثل اللافتات الترويجية وبطاقات الأسعار، ما قد يقلل من تأثير ملصقات الاستدامة.
أما في كافيتريات المدارس، فلا يكون لهذه الملصقات تأثير يُذكر، لأن اختيارات الطعام تكون غالبًا محدودة، مما يترك للطلاب مرونة أقل في اتخاذ قرارات مبنية على مبادئ الاستدامة.
تُقدّم صوفي أتوود، عالمة السلوك ومؤسِّسة شركة الاستشارات “بيهيفيور جلوبال”، تفسيرًا آخر، وتقول: “نقوم بتصفية المعلومات المتعلقة بالمنتجات التي تهمّنا فقط من بين الكم الهائل من المعلومات المعروضة”.
وتضيف أن معظم المستهلكين لا يعطون هذه الأولوية عند شراء الطعام، بل يصبح الأمر “لطيفًا” فقط إذا كانوا مهتمين أساسًا بالاستدامة.
تشير الدراسة إلى أن هذه الملصقات مفيدة لفئة محددة من الجمهور، أي المهتمين بالاستدامة والباحثين عن هذه التفاصيل.
وقد لاحظ ماثيو إسحاق، المؤسس المشارك لمنصة تصنيف الكربون “ماي إيميشنز”، هذه النتيجة أيضًا، ويقول: “لقد وجدنا أن التعرض المتكرر أمر أساسي، إذ غالبًا ما يحتاج الناس إلى رؤية ملصق الكربون عدة مرات قبل أن يؤثر على خياراتهم”، وهذا يتماشى مع نتائج الدراسة، التي تفيد بأن التعرض المستمر يمكن أن “يعزز الوعي البيئي، مما يُمكّن المستهلكين من التمييز بشكل أفضل بين الخيارات الأكثر استدامة والأقل استدامة”.
ويرى إسحاق أن السبب الرئيسي هو انخفاض الوعي العام بتأثيرات الأغذية الكربونية. حتى داخل القطاع نفسه، لا يزال كثيرون يركزون على التغليف والنقل بدلًا من النظر إلى الصورة الأوسع للانبعاثات.
أظهرت أبحاث منصته أن الملصقات البيئية غالبًا ما تكون أكثر تأثيرًا في قطاع خدمات الطعام مقارنة بقطاع التجزئة، ويُرجّح أن ذلك يعود إلى أن قوائم الطعام الكاملة تكون مرفقة بهذه العلامات، مما يخلق تجربة أكثر تكاملًا واتساقًا من ملصقات المنتجات الفردية.

ملصقات الكربون أكثر فاعلية على مستوى الشركات – تجربة Oatly
من بين الشركات التي دافعت بقوة عن استخدام ملصقات الكربون شركة “أوتلي”، المتخصصة في منتجات حليب الشوفان، والتي أصبحت أول شركة عالمية تضع بصمتها الكربونية على جميع عبواتها.
وتقول كارولين ريد، مديرة الاستدامة في الشركة،” إنها ليست الحل الكامل، لكن وضع العلامات المناخية يهدف إلى منح المستهلكين القدرة على اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن مشترياتهم وتأثيرها البيئي – من المزرعة إلى المتجر”.
وأضافت: “وجدنا في بحثنا أن غالبية المستهلكين في المملكة المتحدة (59%) قالوا إنهم سيغيرون نظامهم الغذائي إذا حصلوا على معلومات دقيقة حول الأثر المناخي لاختياراتهم الغذائية والمشروبات”.
وأشارت إلى دراسة أجرتها جامعة كامبريدج خلصت إلى أن “ملصقات البصمة الكربونية لها تأثيرات إحصائية كبيرة على اختيارات الوجبات”.
ووفقًا لبيانات منصة “انبعاثاتي”، فإن ملصقات الكربون تُظهر فعالية أكبر على مستوى الشركات وفي سياقات الأعمال B2B. ، ويوضح إسحاق: “نلاحظ بانتظام انخفاضًا في الانبعاثات بنسبة تتجاوز 10% عند مشاركة البيانات والرؤى مع الطهاة أو فرق تطوير الوصفات، الذين يقومون بدورهم بإجراء تعديلات لخفض الانبعاثات”.
أما على مستوى الأعمال، فيشير إلى أن العملاء من المؤسسات، الذين يقودهم التزامهم بتحقيق صافي انبعاثات صفرية، يتخذون قرارات أكثر جرأة بناءً على بيانات الاستدامة.

الجغرافيا أيضًا قد تلعب دورًا
يقول زيكيان شيا، طالب الدكتوراه في علم السلوك البيئي بجامعة ستانفورد والمؤلف المشارك في الدراسة، إن التحليل أشار إلى أن “مكان” تطبيق تدخلات العلامات البيئية قد يؤثر على النتائج.
وقد سجلت دول مثل الصين وفرنسا وسويسرا تحولات إيجابية موثوقة، بينما ظلت أغلب الدول الأخرى ضمن المتوسط العام أو قريبة من انعدام التأثير.
ويضيف: “لكن ينبغي التأكيد على أن هذا الاكتشاف الجغرافي لا يزال أوليًا، لأن عدد الدراسات في كثير من المناطق لا يكفي لاستخلاص استنتاجات حاسمة بشأن العوامل الوطنية المؤثرة”.

نحو تحسين فعالية الملصقات البيئية
تشير الدراسة إلى أن كبار تجار التجزئة ومقدّمي خدمات الطعام والمؤسسات العامة بدأوا بالفعل دمج معايير الاستدامة في سياسات المشتريات، رغم أن المعلومات البيئية الدقيقة والعالية الجودة غالبًا ما تكون غير متاحة.
ويُوصي الباحثون، من بينهم شيا، بتوحيد المعايير التنظيمية والرقابية على ملصقات المناخ لتعزيز ثقة المستهلك وفهمه، مؤكدين أن “فرض معايير موحدة لتقييم دورة حياة المنتجات، والتحقق المستقل، سيُسهم في بناء الثقة في ادعاءات الاستدامة”.
على صعيد القطاع الخاص، فإن تبسيط شكل الملصقات وتوحيدها يُقلل من الازدحام البصري داخل المتاجر، ويجعلها أسهل في التعرّف.
كما أن دمجها في القنوات الرقمية – عبر رسائل تفاعلية، أو مقارنات فورية، أو حتى برامج ولاء – يمكن أن يُعزز من فعالية التأثير الإلكتروني الذي رُصد بالفعل في الدراسات.

ويؤكد إسحاق: “نحتاج إلى تحسين فهم الناس لمصادر الانبعاثات الغذائية، وكيف يمكن لتغييرات بسيطة في النظام الغذائي أن تُحدث فرقًا ملموسًا”.
وترى ريد من شركة أوتلي أن تغيير السلوك لن يحدث دون نشر “معلومات واضحة ومتسقة وسهلة الوصول” عن البصمة المناخية للمنتجات.
وتضيف: “نريد أن نرى تعاونًا أكبر بين أطراف الصناعة الغذائية لوضع نظام فعال لتصنيف المنتجات المناخية. العلم واضح – يجب خفض انبعاثات الغذاء، وهذا لا يمكن أن يتحقق دون تغيير سلوك المستهلك”.
أما صوفي أتوود، فترى أن الحل لا يكمن فقط في تحسين الملصقات، بل أيضًا في اعتماد تدخلات أكثر فاعلية مثل توفير بدائل نباتية أكثر جودة، أو إزالة بعض الخيارات المعتمدة على اللحوم، أو تعزيز جاذبية الأطعمة المستدامة من خلال التسويق الذكي.

وتتفق هذه التوصيات مع ما خلصت إليه الدراسة: الملصقات وحدها لا تكفي لإحداث تحوّل واسع في السلوك. ويقول شيا: “دمج الملصقات المناخية مع أدوات اقتصادية مثل دعم الخيارات منخفضة الانبعاثات أو الحوافز الضريبية، يمكن أن يغير من المؤشرات السعرية التقليدية ويُوجه المستهلكين نحو خيارات أكثر مراعاة للبيئة”.
ويختتم الباحثون بأن حملات التوعية العامة الواسعة، جنبًا إلى جنب مع قواعد بيانات شفافة ومنفتحة للمنتجات المصنّفة، يمكن أن تُعزز الوعي الأساسي، وتُفعّل المحاسبة، وتُقرب الفجوة بين النوايا والسلوك الفعلي.





