المدن قلب المعركة ضد تغير المناخ.. التحول الحضري كأداة لتقليل الانبعاثات
من باريس إلى بيلم.. كيف تصبح المدن محركاً للحلول المناخية
في عام 2015، شهد العالم لحظة فارقة مع توقيع اتفاق باريس، الذي مثل التزامًا عالميًا غير مسبوق للعمل المشترك نحو مستقبل منخفض الكربون وأكثر مقاومة لتغير المناخ.
وفي نفس العام، اعتمدت الأمم المتحدة “الأجندة الحضرية الجديدة”، التي قدمت رؤية شاملة لمدن آمنة، مرنة، شاملة ومستدامة.
بعد مرور عقد تقريبًا على هذه المبادرات، أصبح السؤال الأساسي ليس حول ضرورة التحرك، بل حول المكان الذي يمكن أن يُحدث فيه العمل فرقًا حقيقيًا، الإجابة تتجلى في المدن.
المدن بين الانبعاثات والفرص
تساهم المناطق الحضرية بأكثر من 70% من الانبعاثات العالمية وتستهلك نحو 75% من الطاقة الأولية، لكنها تمثل أيضًا 80% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
هذا يضع المدن في قلب معادلة المناخ: فهي ليست فقط مصدر الانبعاثات، بل أيضًا منجم الفرص للحلول المبتكرة.
من نيروبي إلى ساو باولو، تعمل البلديات على تركيب أنظمة إنذار مبكر، وتوسيع المساحات الخضراء لتخفيف حرارة الأحياء، وتطوير البنية التحتية لمواجهة الفيضانات وموجات الحر.
هذه المشاريع لا تركز فقط على تقليل الانبعاثات، بل على حماية المجتمعات، تعزيز الاستقرار الاجتماعي، وبناء مستقبل أكثر أمانًا.

الأزمات الحضرية والفجوة الاجتماعية
تتعرض المدن لتأثيرات مناخية أكثر حدة، لا سيما الأحياء العشوائية التي يسكنها أكثر من مليار شخص حول العالم.
هؤلاء السكان غالبًا ما يفتقرون إلى الخدمات الأساسية، الإسكان الملائم، والحماية من الكوارث، مما يجعلهم الأكثر عرضة للمخاطر.
أزمة الإسكان العالمي وتفاقم تغير المناخ مترابطان بشكل مباشر، ومن هنا تنبع ضرورة معالجة العدالة المناخية جنبًا إلى جنب مع العدالة الحضرية.
لا يمكن أن يكون هناك تحول مناخي فعّال دون سياسات شاملة للمدن تشمل حماية الفئات الأكثر ضعفًا.

برازيل نموذجًا للتطبيق العملي
يأتي دور البرازيل كمضيف لمؤتمر COP30 في بيلم ليكون حيويًا، إذ يعيش أكثر من 70% من سكان الأمازون في المدن، مما يعكس التحديات العالمية في مواءمة التنمية الحضرية مع حماية البيئة والعدالة الاجتماعية.
منذ 2023، خصصت الحكومة الفيدرالية أكثر من 50 مليار دولار لمشاريع الإسكان، إلى جانب استثمارات وقائية تشمل تثبيت المنحدرات، أعمال الصرف الكبرى، تحسين البنية التحتية للأحياء الفقيرة، وتوسيع خدمات الصرف الصحي.
هذه الاستراتيجية لا تهدف فقط إلى بناء مساكن، بل إلى تعزيز القدرة على مواجهة المخاطر المناخية، وتمكين المجتمعات، وتقليص الفجوات الاجتماعية.

المبادرات العالمية وتطبيقها المحلي
تمثل مبادرة CHAMP—تحالف الشراكات متعددة المستويات الطموحة—أحد أبرز الأمثلة على التوسع العالمي لهذا النهج، حيث أيدت 77 دولة دمج المدن والمناطق رسميًا ضمن التخطيط الوطني لالتزامات المناخ.
وتبرز الحاجة الملحة من خلال المشهد المتغير في البرازيل، من فيضانات جنوب البلاد إلى جفاف غير مسبوق في الشمال، مع تأثيرات ملموسة على الحياة اليومية للسكان.
ففي الأمازون، أصبحت السيارات تسير على مجاري الأنهار التي كانت تخترقها القوارب، واضطر السكان لقطع مسافات طويلة للحصول على الماء.

تمكين المدن بالتمويل والحوكمة
رغم الدور الحاسم للمدن، تحصل الحكومات المحلية على أقل من 10% من التمويل المناخي العالمي، ولا تمتلك معظمها القدرة على التخطيط، البيانات، أو الجدارة الائتمانية لجذب الاستثمارات.
هذا يشير إلى خلل هيكلي يحتاج إلى إصلاح عاجل لضمان تنفيذ السياسات المناخية بفعالية.
وقد عملت وزارة المدن البرازيلية وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية على تنظيم اجتماع وزاري حول التحضر وتغير المناخ، جمع وزراء الإسكان والتنمية الحضرية والبيئة للتفاعل المباشر مع الحكومات المحلية والإقليمية والشركاء العالميين، بهدف تعزيز العمل المناخي المحلي وضمان التنفيذ الفعلي للالتزامات الدولية.

التعاون الجماعي وروح Mutirão
تعكس مبادرة COP30 Global Mutirão والمركز الحضري المشترك في المؤتمر مفهوم “الموتيراو” البرازيلي، وهو جهد جماعي مستوحى من المعرفة الأصلية، يجمع المجتمع لبناء حلول مشتركة من أجل الصالح العام. من تطوير الإسكان المقاوم للمناخ، والاستثمار في النقل العام، وتوسيع البنية التحتية الخضراء، تمتلك المدن نحو 40% من إمكانات خفض الانبعاثات المطلوبة لتحقيق هدف 1.5 درجة مئوية وفق اتفاق باريس.
ختامًا، إذا كانت باريس شهدت الالتزام التاريخي، فإن بيلم تشكل مرحلة التنفيذ الواقعي في الأحياء التي تعكس قلب العمل المناخي، ومع استمرار الزخم في باكو خلال المنتدى الحضري العالمي 2026، ستظل المدن المحرك الأساسي لتحقيق أهداف المناخ والتنمية المستدامة في العقد القادم.






