هل تصبح المحيطات حاجزًا أقوى أمام تغير المناخ؟ دراسة تكشف تحولات معقدة بالمحيط الهندي
المحيط الهندي يعيد تشكيل دوره في مواجهة الاحترار.. ماذا تكشف 40 عامًا من بيانات الكربون؟
دراسة علمية ترصد ارتفاع التفاوت الموسمي في تبادل ثاني أكسيد الكربون بنسبة 48% في المحيط الهندي الاستوائي و23% في جنوبه، مقابل تراجع التفاوت في بحر العرب.. لكن النتائج لا تثبت زيادة قدرة المحيط ككل على امتصاص الكربون
لا تقتصر تأثيرات تغير المناخ على ارتفاع درجات الحرارة ومستويات البحار، بل تمتد إلى تغيير الطريقة التي تتبادل بها المحيطات ثاني أكسيد الكربون مع الغلاف الجوي، في عملية طبيعية تؤثر في سرعة تراكم غازات الاحتباس الحراري في الهواء.
وفي هذا السياق، كشفت دراسة علمية جديدة أن أنماط التبادل الموسمي لثاني أكسيد الكربون في المحيط الهندي تغيرت بصورة ملحوظة خلال أربعة عقود، مع اختلاف واضح بين مناطقه؛ إذ ارتفع التفاوت الموسمي بنسبة 48% في المحيط الهندي الاستوائي و23% في الجزء الجنوبي منه، بينما انخفض بنسبة 14% في بحر العرب، وارتفع بنحو 7% في خليج البنغال.
وتشير النتائج إلى أن المحيط الهندي لا يستجيب للتغيرات المناخية بالطريقة نفسها في جميع مناطقه، وأن توقيت امتصاص الكربون وإطلاقه وشدة هذه العملية يتغيران مع تغير الظروف البيئية وحركة المياه والرياح.
لكن الدراسة لا تثبت أن ارتفاع حرارة الكوكب سيجعل المحيط الهندي أكثر قدرة على امتصاص ثاني أكسيد الكربون مستقبلًا؛ فهي ترصد تغيرات تاريخية في التبادل الموسمي، ولا تقدم توقعًا مباشرًا لقدرة المحيط على تخزين الكربون على المدى الطويل.
ونُشرت الدراسة في دورية Geophysical Research Letters ، تحت عنوان علمي يتناول التغيرات في التبادل الموسمي لثاني أكسيد الكربون بالمحيط الهندي.
المحيطات تمتص نحو ربع انبعاثات الكربون البشرية
تؤدي المحيطات دورًا أساسيًا في تنظيم مناخ الأرض، لأنها تمتص جزءًا من ثاني أكسيد الكربون الذي تطلقه الأنشطة البشرية، ما يقلل الكمية التي تبقى في الغلاف الجوي وتساهم في الاحترار العالمي.
ووفقًا لبيانات الميزانية العالمية للكربون لعام 2024، امتصت المحيطات نحو 26% من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن الأنشطة البشرية خلال الفترة من 2014 إلى 2023.
غير أن التبادل بين المحيط والجو يسير في الاتجاهين؛ فالمياه قد تمتص الغاز من الغلاف الجوي، وقد تطلقه إليه أيضًا. ويتحدد اتجاه التبادل وحجمه وفق عوامل تشمل درجة حرارة المياه، وتركيز ثاني أكسيد الكربون في الماء مقارنة بالهواء، وسرعة الرياح، وحركة التيارات البحرية.
وعمومًا، تستطيع المياه الباردة الاحتفاظ بكميات أكبر من ثاني أكسيد الكربون المذاب مقارنة بالمياه الدافئة، ما قد يعزز الامتصاص في ظروف معينة.
لكن درجة الحرارة ليست العامل الوحيد؛ إذ تؤثر أيضًا حركة المياه الغنية بالكربون إلى السطح، والتغيرات في تركيبه الكيميائي، وشدة التبادل الغازي بين الماء والهواء.
وتكمن أهمية فهم هذه العمليات في أنها تساعد العلماء على تقدير مقدار الكربون الذي ستواصل المحيطات امتصاصه، ومدى استقرار دورها بوصفها أحد أهم مصارف الكربون الطبيعية في مواجهة تغير المناخ.

أربعة عقود من البيانات تكشف اختلافات إقليمية
حلل فريق بحثي بقيادة أبورفا بادامانب جوشي، من المركز الوطني الهندي لخدمات معلومات المحيطات، وزملاؤه بيانات تغطي الفترة من 1980 إلى 2019، بهدف معرفة كيف تغير التبادل الموسمي لثاني أكسيد الكربون في أربع مناطق رئيسية من المحيط الهندي.
وأظهرت النتائج أن التغير لم يكن موحدًا، بل اختلف اتجاهه وحجمه بين المناطق المدروسة.
– المحيط الهندي الاستوائي: ارتفع التفاوت الموسمي في تبادل ثاني أكسيد الكربون بنسبة 48%، وهو أكبر تغير بين المناطق الأربع التي تناولتها الدراسة.
- المحيط الهندي الجنوبي: زاد التفاوت الموسمي بنسبة 23%، بما يشير إلى اتساع الفارق بين أنماط التبادل في الفترات المختلفة من السنة.
- بحر العرب: انخفض التفاوت الموسمي بنسبة 14%، أي إن الفارق بين المستويات الموسمية المرتفعة والمنخفضة أصبح أقل وضوحًا وفق المؤشر الذي استخدمه الباحثون.
-
خليج البنغال: سجل ارتفاعًا أكثر اعتدالًا في التفاوت الموسمي بلغ نحو 7%.
وتكشف هذه الأرقام أن المحيط الهندي يتغير على مستويات إقليمية وموسمية متباينة، وهو ما يجعل التعامل معه باعتباره نظامًا واحدًا متجانسًا تبسيطًا قد يحجب تفاصيل مهمة عن دورة الكربون.
كما أن زيادة التفاوت الموسمي لا تعني بالضرورة أن المنطقة تمتص كمية أكبر من ثاني أكسيد الكربون على مدار العام؛ فقد تتغير الفروق بين الفصول من دون أن يرتفع صافي الامتصاص السنوي.
أين يمتص المحيط الكربون أكثر، وأين يتراجع إطلاقه؟
لم تقتصر نتائج الدراسة على رصد التغير في التفاوت الموسمي، بل أشارت أيضًا إلى اختلافات في متوسط اتجاه التبادل بين الماء والغلاف الجوي.
فقد انخفض متوسط إطلاق ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي في بحر العرب وخليج البنغال والمحيط الهندي الاستوائي، بينما زاد امتصاصه في الجزء الجنوبي من المحيط الهندي.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية لأنها تميز بين مؤشرين مختلفين: التغير في التفاوت الموسمي من جهة، والتغير في متوسط التبادل أو اتجاهه من جهة أخرى.
فقد تشهد منطقة ما تراجعًا في إطلاق ثاني أكسيد الكربون إلى الهواء، لكن ذلك لا يكفي وحده لتحديد مقدار الكربون الذي تخزنه على المدى الطويل. ويتطلب تقييم دورها المناخي معرفة صافي التبادل عبر الزمن، إلى جانب ما يحدث للكربون بعد ذوبانه في المياه وانتقاله داخل المحيط.
وبالتالي، لا يمكن الاستنتاج من هذه النتائج وحدها أن المحيط الهندي بأكمله أصبح مصرفًا أقوى للكربون، أو أن قدرته على تعويض الانبعاثات البشرية آخذة في الزيادة.
ما الذي يغير حركة الكربون بين الماء والهواء؟
توضح الدراسة أن العوامل التي تفسر التغيرات ليست متطابقة في جميع مناطق المحيط الهندي.
في المحيط الهندي الاستوائي والجنوبي، لعبت التغيرات في الفرق بين تركيز ثاني أكسيد الكربون في المياه السطحية وتركيزه في الغلاف الجوي دورًا رئيسيًا في تفسير أنماط التبادل.
ويُعد هذا الفرق عاملًا أساسيًا في تحديد اتجاه انتقال الغاز وشدته؛ فكلما تغيرت العلاقة بين التركيزين، تغيرت الظروف التي تدفع ثاني أكسيد الكربون إلى الانتقال من الهواء إلى الماء أو في الاتجاه المعاكس.
أما في بحر العرب وخليج البنغال، فكان لسرعة الرياح دور مهم. إذ تساعد الرياح على تجديد سطح الماء وتعزيز انتقال الغازات عبر الحد الفاصل بين المحيط والغلاف الجوي، ولذلك يمكن أن تؤثر تغيرات سرعة الرياح في كمية الكربون المتبادلة وفي اختلافها من موسم إلى آخر.
وتوضح هذه النتائج أن فهم دورة الكربون البحرية يتطلب الجمع بين المعلومات المتعلقة بدرجة الحرارة وتركيز الغاز وحركة المياه والرياح، بدلًا من الاعتماد على عامل واحد لتفسير التغيرات.
كما رصدت أبحاث سابقة تغيرات مشابهة في التبادل الموسمي للكربون في أجزاء من المحيطين الهادئ والأطلسي، ما يعزز أهمية دراسة هذه الظاهرة في مناطق مختلفة من العالم لفهم كيفية تغير دورة الكربون العالمية.
لماذا لا تكفي المتوسطات السنوية لفهم التغير المناخي؟
تعتمد بعض تقديرات دورة الكربون على المتوسطات السنوية، وهي مفيدة لتحديد الاتجاه العام للامتصاص والإطلاق، لكنها قد تخفي تغيرات مهمة تحدث بين الفصول.
فإذا زاد امتصاص ثاني أكسيد الكربون خلال فترة معينة من السنة، ثم ارتفع إطلاقه في فترة أخرى، فقد لا يعكس المتوسط السنوي وحده توقيت هذه التحولات أو العوامل التي تقف وراءها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عندما تتغير الأنماط الموسمية بمرور الوقت، لأن نماذج المناخ تحتاج إلى تمثيل دقيق للعمليات التي تتحكم في حركة الكربون بين المحيط والغلاف الجوي.
ويمكن أن يساعد فهم هذه التفاصيل على تحسين التقديرات المتعلقة بميزانية الكربون العالمية، وتقليل عدم اليقين بشأن استجابة المحيطات لاستمرار الانبعاثات البشرية.
ومع ذلك، فإن رصد تغيرات موسمية تاريخية لا يكفي وحده لإثبات أن هذه التغيرات ستستمر في الاتجاه نفسه مستقبلًا، أو أنها ستؤدي حتمًا إلى زيادة امتصاص الكربون.

تأثيرات محتملة على النظم البيئية البحرية
لا تتوقف أهمية تغير تبادل ثاني أكسيد الكربون عند دوره في المناخ؛ إذ يمكن أن يؤثر امتصاص الغاز في كيمياء مياه البحر.
فعندما يذوب ثاني أكسيد الكربون في مياه المحيط، تحدث تفاعلات كيميائية تزيد من حموضة المياه وتقلل توافر أيونات الكربونات التي تحتاج إليها الشعاب المرجانية وكائنات بحرية أخرى لبناء هياكلها وأصدافها.
وتُعرف هذه الظاهرة باسم تحمض المحيطات، وهي أحد الضغوط التي تواجه النظم البيئية البحرية مع استمرار ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.
وقد تؤدي التغيرات المناخية المتكررة في الظروف الموسمية إلى إضافة ضغوط على البيئات البحرية الحساسة، بما قد يؤثر في توزيع الأنواع والتنوع البيولوجي وإنتاجية النظم البيئية.
لكن الدراسة الحالية لا تثبت أن التغيرات الموسمية التي رصدتها تسببت بالفعل في أضرار بيئية محددة؛ وإنما توضح لماذا ينبغي فهم العلاقة بين تبادل الكربون والظروف الموسمية عند تقييم المخاطر البحرية.
هل يصبح المحيط الهندي حاجزًا أقوى أمام الاحترار؟
الإجابة لا تزال غير محسومة، فالدراسة تقدم صورة أكثر تفصيلًا عن تغير التبادل الموسمي لثاني أكسيد الكربون في المحيط الهندي بين عامي 1980 و2019، لكنها لا تقدم دليلًا مباشرًا على أن الاحترار سيزيد قدرة المحيط على تخزين الكربون مستقبلًا.
كما أن التغير في التفاوت الموسمي لا يساوي بالضرورة زيادة صافي الامتصاص، وأن انخفاض إطلاق الكربون في بعض المناطق لا يكفي وحده لإثبات تحسن قدرة المحيط الهندي ككل على مواجهة الانبعاثات البشرية.
وتحتاج الإجابة إلى أبحاث إضافية تربط التغيرات الموسمية بصافي تدفقات الكربون، وتدرس كيف ستؤثر درجات الحرارة والرياح والتيارات البحرية والتغيرات الكيميائية في قدرة المحيط على تخزين الكربون على المدى الطويل.
وفي ظل استمرار انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن الأنشطة البشرية، تظل مراقبة هذه التحولات ضرورة علمية لتحسين توقعات المناخ، وفهم حدود قدرة المحيطات على تخفيف الاحترار العالمي.
الخلاصة
لا تقول الدراسة إن المحيط الهندي أصبح قادرًا على امتصاص مزيد من الكربون بسبب ارتفاع الحرارة، لكنها تكشف أن آليات التبادل الموسمي للكربون تتغير بصورة مختلفة بين مناطقه، وأن فهم هذه التحولات ضروري لتقدير الدور الذي ستؤديه المحيطات في مستقبل المناخ.





