أخبارالزراعةصحة الكوكب

المبيدات الزارعية تتسلل إلى الأنهار عبر مسارات جوفية خفية

من الحقل إلى الصنبور.. كيف تصل مبيدات الأعشاب والحشرات إلى مياه الشرب؟

تسلط دراسة حديثة منشورة في دورية Journal of Environmental Quality الضوء على مسارات غير مرئية تنتقل عبرها مبيدات الآفات من الحقول الزراعية إلى المجاري المائية، كاشفةً أن الحلول التقليدية مثل الأحزمة النباتية على ضفاف الأنهار ليست فعّالة في جميع الحالات.

الأحزمة النباتية: فعالية مشروطة

توصي U.S. Department of Agriculture باستخدام ما يُعرف بـ«المناطق العازلة النهرية» (Riparian Buffers)، وهي شرائط من الأعشاب والشجيرات تُزرع بمحاذاة المجاري المائية بهدف تقليل انجراف التربة واحتجاز المغذيات والملوثات قبل وصولها إلى الأنهار.

تعتمد هذه الاستراتيجية على إبطاء الجريان السطحي، ما يمنح التربة والجذور فرصة لامتصاص أو احتجاز جزء من الملوثات. وقد أثبتت فعاليتها نسبيًا في الحد من انتقال الرواسب والنيتروجين والفوسفور.

لكن المبيدات لا تتحرك جميعها بالطريقة نفسها.

تصل مبيدات الأعشاب والحشرات إلى مياه الشرب

دراسة حوض «هالفمون كريك»

ركز فريق من Penn State University على مجرى Halfmoon Creek بوسط ولاية بنسلفانيا، داخل حوض مائي تبلغ مساحته نحو 24 ميلًا مربعًا ويتميز بجيولوجيا «الكارست»؛ وهي بيئة صخرية قابلة للذوبان تتخللها شقوق ومجاري تحت الأرض تسمح بانتقال المياه بسرعة لمسافات طويلة.

في هذا النوع من التضاريس، يمكن للمياه، وما تحمله من ملوثات، أن تتجاوز السطح تمامًا، متدفقة عبر قنوات جوفية لتصل إلى النهر من الأسفل، بعيدًا عن نطاق تأثير الأحزمة النباتية.

رصد ميداني وتركيزات مرتفعة

خلال موسم النمو لعام 2023، جمع الباحثون عينات مياه كل أسبوعين من خمسة مواقع على طول المجرى.

وتم تحليلها لرصد مبيدي أعشاب هما «أترازين» و«سيمازين»، إضافة إلى أربعة مبيدات حشرية شائعة الاستخدام في معالجة بذور الذرة وفول الصويا، أبرزها «كلوتيانيدين» و«إيميداكلوبريد»

أظهرت النتائج حضورًا واسعًا للمبيدات في المياه:

  1.  ظهر «سيمازين» في 93% من العينات.
  2.  ظهر «أترازين» في 92%.
  3.  ظهر «كلوتيانيدين» في 75%.

هذا الانتشار المرتفع يشير إلى بقاء هذه المركبات في النظام المائي طوال معظم موسم الزراعة.

تصل مبيدات الأعشاب والحشرات إلى مياه الشرب

مساران مختلفان للحركة

عند تحليل العلاقة بين تركيز المبيدات ومعدلات تدفق المياه، برز اختلاف واضح في أنماط الانتقال: أترازين وكلوتيانيدين ارتفعت مستوياتهما بعد هطول الأمطار وزيادة الجريان السطحي، ما يدل على انتقالهما أساسًا عبر المياه التي تجري فوق سطح التربة، في هذه الحالة، يمكن للأحزمة النباتية أن تحد جزئيًا من وصولهما إلى النهر.

سيمازين أظهر سلوكًا مختلفًا؛ إذ استمر تدفقه حتى خلال فترات انخفاض منسوب المياه، ما يشير إلى انتقاله عبر المياه الجوفية، وهنا تتجاوز الملوثات المنطقة العازلة لتدخل النهر من أسفله مباشرة.

في بيئات الكارست، تمثل هذه المسارات الجوفية تحديًا كبيرًا لسياسات حماية المياه، لأنها لا تخضع لآليات الترشيح الطبيعية التي توفرها النباتات السطحية.

دلالات بيئية وإدارية

تكشف النتائج أن الاعتماد على حل واحد لا يكفي للحد من تلوث المبيدات، فاختيار استراتيجية الحماية يجب أن يستند إلى فهم دقيق للخصائص الكيميائية لكل مبيد، ومدى قابليته للذوبان، وثباته في التربة، وسرعة تحلله.

كما تؤكد الدراسة أهمية دمج أدوات متعددة، مثل:

  •  تحسين إدارة استخدام المبيدات وكمياتها
  •  تطوير بدائل أقل ثباتًا في البيئة
  •  مراقبة المياه الجوفية بانتظام
  •  اعتماد ممارسات زراعية دقيقة تقلل الفاقد الكيميائي

نحو إدارة متكاملة للمخاطر

تُظهر هذه الدراسة أن حماية مصادر مياه الشرب لا تتوقف عند حافة النهر، فبعض الملوثات «تنزلق» بصمت تحت السطح، متجاوزة الحواجز الطبيعية.

وفي ظل التوسع الزراعي وتغير المناخ الذي يزيد من شدة الهطولات، يصبح من الضروري تطوير استراتيجيات متكاملة لإدارة المبيدات، تراعي ديناميكيات انتقالها عبر المنظومات الهيدرولوجية المعقدة، خاصة في المناطق ذات الجيولوجيا القابلة للذوبان.

الرسالة الأساسية واضحة: فهم مسار الملوث هو الخطوة الأولى نحو منعه.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading