القهوة تنمو في صقلية لأول مرة.. وجه جديد لتغير المناخ في الزراعة الأوروبية

من البرازيل إلى باليرمو.. تغير المناخ يتيح زراعة القهوة لأول مرة في إيطاليا

في تجربة زراعية غير معتادة، نجحت مزرعة في ضواحي باليرمو بصقلية في إنتاج وحصاد حبوب قهوة أرابيكا نمت بالكامل في إيطاليا، في مؤشر لافت على الكيفية التي يمكن أن تؤدي بها التغيرات المناخية إلى إعادة رسم خريطة المحاصيل الزراعية حول العالم.

وأتمت عائلة مورتينو Morettino أول حصاد للقهوة في مزرعتها بمنطقة سان لورينزو آي كولي، على ارتفاع بضع مئات من الأمتار فوق مستوى سطح البحر، في تجربة أصبحت ممكنة مع ارتفاع درجات الحرارة وتغير الظروف المناخية في جنوب إيطاليا.

ولا تزال التجربة بعيدة عن الإنتاج التجاري واسع النطاق، لكنها تحمل قيمة علمية ورمزية، خصوصًا أنها تدرس إمكانية تكيف محصول استوائي تقليدي مع البيئة المتوسطية.

100 كيلوجرام من ثمار القهوة

تنتج المزرعة حاليًا نحو 100 كيلوجرام من ثمار القهوة، المعروفة باسم «كرز القهوة» أو الثمار الحجرية، وهو ما ينتج ما يزيد قليلًا على 15 كيلوجرامًا من حبوب القهوة المحمصة.

ويشارك جامعة باليرمو والحديقة النباتية التابعة لها في دراسة المشروع، بهدف فهم كيفية تكيف المحاصيل الاستوائية مع الظروف المناخية الجديدة في منطقة البحر المتوسط.

وبحسب القائمين على المشروع، تتميز القهوة المنتجة في باليرمو بخصائص عطرية خاصة، من بينها نكهات تشبه الزبيب، وهو ما قد يمنح المنتج المحلي طابعًا مختلفًا عن القهوة القادمة من مناطق الإنتاج التقليدية.

لكن حجم الإنتاج الحالي يجعل التجربة أقرب إلى مشروع بحثي وتجريبي متخصص منها إلى صناعة قهوة إيطالية جديدة على نطاق واسع.

تغير المناخ يتيح زراعة القهوة لأول مرة في إيطاليا

من المناطق الاستوائية إلى البحر المتوسط

تُزرع القهوة تقليديًا في المناطق الاستوائية والاستوائية القريبة من خط الاستواء، حيث تساعد درجات الحرارة المرتفعة والرطوبة والأمطار المنتظمة على نمو النبات.

ولهذا تتركز الدول الرئيسية المنتجة والمصدرة للقهوة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا.

وتتصدر البرازيل وكولومبيا وبيرو وكوستاريكا قائمة المنتجين في أمريكا اللاتينية، بينما تشمل أبرز المنتجين في أفريقيا إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا، وفي آسيا فيتنام وإندونيسيا.

وتحتاج قهوة أرابيكا، التي ترتبط عادة بجودة أعلى مقارنة بروبوستا، إلى ظروف أكثر ملاءمة وارتفاعات أعلى من تلك التي تناسب بعض أصناف القهوة الأخرى.

ولهذا فإن انتقال زراعة أرابيكا إلى صقلية يمثل تحولًا لافتًا في الحدود الجغرافية المعروفة لزراعة المحصول.

ليست التجربة الأولى في جنوب أوروبا

لم تكن تجربة باليرمو أول محاولة لزراعة القهوة في جنوب أوروبا، ففي منطقة تراباني وتيراسيني القريبة من باليرمو، سبق أن نجحت مزرعة محلية في زراعة القهوة داخل البيوت المحمية وإنتاج دفعة صغيرة من أرابيكا.

كما أجريت تجارب مختلفة في مناطق أخرى من جنوب أوروبا.

وفي إسبانيا، شهدت مقاطعة غرناطة مشاريع تجريبية لاختبار قدرة نباتات القهوة على التكيف مع الظروف المحلية، بينما تتمتع جزر الكناري بظروف أكثر ملاءمة بفضل موقعها الجنوبي، وقد عرفت زراعة القهوة فيها منذ القرن التاسع عشر، مستفيدة من خصوبة التربة البركانية ورطوبتها.

وفي جزر الأزور البرتغالية، توجد أيضًا مزارع خاصة للقهوة تستفيد من المناخ المعتدل، لتصبح الجزر واحدة من المناطق الشمالية نسبيًا التي يمكن فيها زراعة هذا المحصول.

إيطاليا.. صناعة قهوة ضخمة رغم اعتمادها على الاستيراد

تأتي هذه التجارب في وقت تحتل فيه إيطاليا مكانة بارزة في صناعة القهوة، رغم اعتمادها على استيراد حبوب البن الخام من الدول المنتجة.

وتعد إيطاليا أكبر منتج للقهوة المحمصة في الاتحاد الأوروبي، إذ تجاوز إنتاجها 400 طن في عام 2025.

وتضم صناعة القهوة الإيطالية نحو 1000 محمصة، وتحقق إيرادات سنوية تقدر بنحو 5.9 مليار يورو.

أما استهلاك القهوة، فيظل جزءًا راسخًا من الثقافة اليومية الإيطالية.

وأظهرت دراسة أجرتها مؤسسة AstraRicerche بالتعاون مع علامة Segafredo أن 82.6% من الإيطاليين يرون جودة المادة الخام عاملًا حاسمًا، بينما يهتم 71.8% بالخصائص العطرية للقهوة، ويرغب 51.5% في معرفة مصدر المنتج ومساره عبر سلسلة الإمداد.

وأظهر مسح آخر أجرته لجنة القهوة الإيطالية التابعة لاتحاد الأغذية الإيطالي بالتعاون مع Altroconsumo، وشمل أكثر من 1200 مستهلك، أن ثلاثة من كل أربعة إيطاليين يشربون القهوة بانتظام.

ومن بين شاربي الإسبريسو، يتناول 83% منهم القهوة يوميًا، سواء في المنزل أو المقاهي، باستخدام إبريق الموكا أو آلات الكبسولات الحديثة.

تغير المناخ يتيح زراعة القهوة لأول مرة في إيطاليا

هل تصبح القهوة محصولًا أوروبيًا؟

رغم أن تجربة صقلية تفتح احتمالًا جديدًا، فإنها لا تعني أن أوروبا ستتحول قريبًا إلى مركز عالمي لإنتاج القهوة.

فالانتقال إلى مناطق جديدة قد يكون ممكنًا في بعض المواقع، لكنه يعتمد على مجموعة معقدة من العوامل، تشمل درجات الحرارة، المياه، الرطوبة، التربة، الارتفاع، الآفات، وطول الموسم الزراعي.

كما أن نجاح نباتات القهوة في موقع محدود لا يعني بالضرورة إمكانية توسيع التجربة اقتصاديًا على نطاق كبير.

لكن القيمة العلمية للتجربة تكمن في أنها تقدم مثالًا واضحًا على التغير الذي يمكن أن يحدث عندما تتبدل الظروف المناخية التي كانت تحدد تاريخيًا أين يمكن زراعة محصول معين.

المياه.. التحدي الآخر

وحتى إذا أصبح المناخ أكثر ملاءمة لزراعة القهوة في بعض مناطق البحر المتوسط، فإن ذلك لا يلغي التحديات البيئية.

فمعالجة حبوب القهوة بعد الحصاد يمكن أن تتطلب ما بين 50 و200 لتر من المياه لكل كيلوجرام من القهوة الخضراء، كما تنتج مياه صرف يمكن أن تضر بالنظم البيئية المحلية إذا لم تتم معالجتها بصورة مناسبة.

وتزداد أهمية هذه المشكلة إذا انتقلت زراعة القهوة إلى مناطق تعاني أصلًا من الجفاف الموسمي المتزايد.

فالمناطق المتوسطية قد تحصل على درجات الحرارة المناسبة لزراعة محصول استوائي، لكنها قد لا تتمتع في الوقت نفسه بكميات المياه التي اعتادت عليها مزارع القهوة التقليدية في المناطق المدارية.

ولهذا فإن نجاح زراعة القهوة خارج مناطقها التقليدية سيحتاج إلى حلول زراعية وتقنية تقلل استهلاك المياه في الري والمعالجة، إلى جانب تقييم الأثر البيئي لأي توسع تجاري.

وتكشف تجربة باليرمو بذلك مفارقة أوسع لتغير المناخ: ارتفاع الحرارة قد يجعل بعض المناطق أكثر ملاءمة لمحاصيل كانت مستحيلة فيها سابقًا، لكنه في الوقت نفسه قد يجعل المياه أكثر ندرة ويخلق تحديات جديدة أمام الزراعة.

↑
Exit mobile version