القطب الشمالي.. أخطر منطقة على الأرض بسبب المناخ والصراعات العسكرية
ارتفاع حرارة القطب الشمالي يثير سباقًا على الموارد ويزيد التوترات الدولية
حتى مع تعرضه لتغير المناخ السريع، ظل القطب الشمالي لوقت طويل قادرًا على الحفاظ على توازنه.
وقالت الحاكمة العامة لكندا، ماري سيمون، خلال مؤتمر Arctic Frontiers الذي عُقد في أوائل فبراير في ترومسو بالنرويج:“على مدى عقود، كان القطب الشمالي منطقة منخفضة التوتر حيث سادت روح التعاون الدولي.”
وقد تجلت هذه “استثناءية القطب الشمالي” في التعاون حول الموارد والحدود، وأيضًا بطرق أصغر. ففي مدينة كيركنيس النرويجية، على بعد 15 دقيقة بالسيارة من روسيا، ما زالت لافتات الشوارع مكتوبة باللغتين المحلية والروسية. لكن، كما تشير التهديدات الأخيرة من الرئيس دونالد ترامب تجاه جرينلاند، فإن هذه الاستثناءية تتآكل.
حذرت سيمون قادة حكوميين وكبار المحللين العسكريين والعلماء من أن المنطقة تمر بـ”لحظة حاسمة في التاريخ“. وبعد أسبوعين فقط، تجسد ذلك في إعلان روسي عن تمرين مدفعي حي على بعد نحو 30 ميلاً من كيركنيس.
تحدث هذه الأحداث في سياق احترار المناخ بمعدل يقارب أربعة أضعاف المتوسط العالمي، وما يترتب عليه من تقلص طويل الأمد لغطاء الجليد البحري العائم. وقد أدى ذلك إلى سباق لاستغلال موارد المنطقة المتاحة أكثر فأكثر. ومع استمرار العدوان الروسي في أوكرانيا، واستعداد ترامب للتخلي عن حلفاء، تحوّل التعاون إلى توتر، وارتفعت مخاطر الصراع العسكري المباشر في القطب الشمالي.
القطب الشمالي ساخن
قال إسبن بارث إيدي، وزير الخارجية النرويجي: “القطب الشمالي ساخن، حرفيًا لأنه يسخن بسرعة، ومجازيًا لأنه حار جدًا في المشهد الأمني الدولي.”
واتفقت كاجا كالاس، الممثلة العليا للسياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، مؤكدة أن المنطقة تمر بفترة توتر شديد، خاصة مع إعادة روسيا فتح وتحديث قواعدها العسكرية السوفيتية في القطب الشمالي.
في 5 فبراير، انقضت آخر معاهدة نووية بين روسيا والولايات المتحدة، مما أتاح لهما خيار استئناف سباق التسلح النووي. وتدرس البحرية الأمريكية إضافة مئات الرؤوس الحربية النووية إلى غواصاتها من طراز أناهوا، فيما لن تظل موسكو مكتوفة الأيدي.

خطرًا نوويًا لوجود تركيز عالٍ من الأسلحة النووية
القطب الشمالي يمثل خطرًا نوويًا لوجود تركيز عالٍ من الأسلحة النووية على شبه جزيرة كولا الروسية، إضافة إلى غواصات أسطولها الشمالي القادرة على حمل عشرات الرؤوس النووية تحت الجليد البحري. كما اختبرت روسيا هناك أسلحة غير تقليدية، مثل طوربيد بوزيدون النووي السريع والبعيد المدى، القادر نظريًا على تدمير مدينة ساحلية.
وحذر لارس سونس، رئيس البحرية النرويجية السابق، من أن القطب الشمالي هو “أخطر مكان على الأرض”.
بينما تراجع ترامب عن استخدام القوة في غرينلاند، يواصل الحلفاء الأمريكيون المشاركة في تعزيز القدرات العسكرية بالقطب الشمالي للحفاظ على السلام عبر الردع.
في 11 فبراير، أطلقت الناتو مشروع “Arctic Sentry”، وجمعت فيه الأنشطة العسكرية في القطب الشمالي تحت قيادة عسكرية واحدة مقرها نورفولك، فيرجينيا.
وأعلنت بريطانيا قبل ذلك بيوم مضاعفة عدد جنودها في النرويج إلى 2000، مع إرسال مجموعة ضاربة من حاملات الطائرات إلى شمال الأطلسي والقطب الشمالي للعمل جنبًا إلى جنب مع القوات الأمريكية والحلفاء الآخرين.

تدريبات عسكرية ضخمة
في 9 مارس، من المقرر أن تبدأ تدريبات عسكرية ضخمة تحت اسم “Cold Response 2026″، بمشاركة 25,000 جندي من 14 دولة ناتو، على الأرض والبحر في شمال النرويج بقيادة قيادة مشتركة نرويجية-أمريكية.
رغم أن هذه التدريبات تهدف للحفاظ على السلام، إلا أنها تسلط الضوء على المخاطر المتزايدة، مع اهتمام الدول بالموارد مثل النفط والغاز والأرضيات النادرة والمزايا الجيوستراتيجية للمنطقة. ويمثل اهتمام الصين بوضوح هذه التنافسية، إذ أجرت عمليات عسكرية مشتركة مع البحرية الروسية.
روسيا، بين الدول الثمانية التي لها أراضٍ في القطب الشمالي، تهيمن على المنطقة، بساحل يشكل 53% من شواطئ المحيط القطبي الشمالي، ويعيش فيها 2.5 مليون من أصل 4 ملايين نسمة في القطب الشمالي، وتعتمد اقتصادها على استخراج الموارد، خصوصًا النفط والغاز، مع خطط موسكو لتطوير الوقود الأحفوري.

في المقابل، تسوّق النرويج نفسها كمورد آمن للنفط والغاز لأوروبا، واستغلت احتياطياتها بشكل مكثف، ما يرفع قيمة صندوقها السيادي الذي يبلغ أكثر من 2 تريليون دولار.
تقلص الجليد البحري، خاصة في بحر بارنتس، سمح بتوسيع التنقيب النفطي وزيادة النشاط البحري وصيد الأسماك شمالًا، ما يجعل المياه القطبية أكثر ازدحامًا.
السيناريو الافتراضي
على الرغم من عدم وجود صراعات نشطة حاليًا، يحذر الخبراء من أن أي حادث صغير قد يتصاعد إلى مواجهة عسكرية، واقترح روبرت هابيك، السيناريو الافتراضي: حادث مع سفينة صيد روسية على يد خفر السواحل النرويجي، قد يدفع موسكو إلى التصعيد بدافع شعوري ووطني.

ويرى سونس أن احتمال التصعيد العرضي منخفض جدًا، بسبب تركيز روسيا على أوكرانيا ومهارة النرويج في تهدئة التوترات. لكنه يحذر من أن تغير المناخ وزيادة النفاذ إلى المحيط القطبي قد يخلق “معضلة أمنية استراتيجية” بين الناتو وروسيا، وكذلك بين الولايات المتحدة والصين، خاصة مع أهمية الأسلحة النووية الروسية.
بالنسبة لتهديد ترامب لجرينلاند، فهو جزء من السياق الجيوستراتيجي المقلق، مع استمرار آثار تغير المناخ السريع، كما أظهر أدفأ يناير على الإطلاق في غرينلاند، وجاذبية الموارد الطبيعية هناك.
ويختتم سونس بالتحذير: “ستصبح الفجوة بين روسيا والناتو أكثر وضوحًا”.






