الطقس المتطرف يقتل بصمت.. مناطق تواجه الخطر دون أن يدرك سكانها حجم التهديد

خطر المناخ لا يراه الجميع.. دراسة تكشف فجوة بين وفيات الطقس المتطرف ووعي السكان

لا تتوقف مخاطر تغير المناخ عند ارتفاع درجات الحرارة أو زيادة حدة الظواهر الجوية المتطرفة، إذ تكشف دراسة جديدة أن حجم الخطر الذي يواجهه السكان قد يكون أكبر بكثير مما يدركونه، خاصة عندما يتعلق الأمر بالحرارة الشديدة، والفيضانات، والجفاف، ودخان حرائق الغابات.

وتوصل تحليل جديد شمل أكثر من 3 آلاف مقاطعة في الولايات المتحدة المتجاورة إلى وجود فجوات واسعة بين تصورات السكان بشأن الأضرار الشخصية المحتملة للاحتباس الحراري وبين معدلات الوفيات المقدرة المرتبطة بأربعة أخطار جوية متطرفة.

وتشير النتائج إلى أن المناطق التي ترتفع فيها نسبة السكان الذين يعتقدون أن الاحتباس الحراري يحدث بالفعل تميل إلى تسجيل فجوات أصغر بين إدراك الخطر ومعدل الوفيات المرتبط بالظواهر الجوية المتطرفة.

لكن الباحثين يؤكدون أن هذه العلاقة لا تثبت أن الإيمان بوجود تغير المناخ يؤدي مباشرة إلى زيادة الاستعداد أو انخفاض الوفيات، وإنما تكشف ارتباطًا يستحق مزيدًا من الدراسة.

الوعي بالخطر جزء من الاستعداد

تختلف تأثيرات الطقس المتطرف من منطقة إلى أخرى؛ فبينما قد تواجه بعض المجتمعات عبئًا مرتفعًا من الوفيات المرتبطة بالحرارة، قد تكون مناطق أخرى أكثر تعرضًا للفيضانات أو دخان حرائق الغابات أو الجفاف.

وهنا تظهر المشكلة: قد يعيش السكان في منطقة تواجه خطرًا صحيًا مرتفعًا، بينما لا ينظرون إلى تغير المناخ باعتباره تهديدًا يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة في حياتهم.

ويرى الباحثون أن هذه الفجوة مهمة لأن القرارات المتعلقة بالاستعداد للطوارئ وحماية الصحة العامة تتأثر جزئيًا بما يعتقد السكان وصناع القرار أنه يمثل خطرًا حقيقيًا.

وقد يؤدي انخفاض الوعي إلى ضعف الاستعداد لموجات الحر، أو تلوث الهواء الناجم عن دخان الحرائق، أو الفيضانات، أو فترات الجفاف الطويلة.

وقاد ميتشل مانوير وزملاؤه في كلية ييل للصحة العامة التحليل، الذي ركز على رسم خريطة للفجوة بين القلق العام بشأن تغير المناخ والعبء النسبي للوفيات المرتبطة بعدة أخطار مناخية.

حرائق الغابات تمحو سنوات من تحسن جودة الهواء بأمريكا

كيف قاست الدراسة وعي السكان؟

اعتمد الباحثون على تقديرات الرأي العام التي أعدها برنامج ييل للتواصل بشأن تغير المناخ، وهي بيانات تسمح برصد الاختلافات في المواقف تجاه تغير المناخ على مستوى المقاطعات، وليس فقط على المستوى الوطني.

واستندت تقديرات الآراء إلى 31 مسحًا تمثيليًا على المستوى الوطني، شملت نحو 35 ألف شخص.

واستخدم الباحثون نموذجًا رياضيًا جمع إجابات المشاركين مع بيانات عن الخصائص السكانية والسياسية للمجتمعات، بهدف تقدير اتجاهات الرأي على مستوى المقاطعات.

وبالتالي، فإن الأرقام الخاصة بكل مقاطعة ليست نتائج استطلاع مباشر شمل جميع سكانها، وإنما تقديرات إحصائية مبنية على بيانات المسوح الوطنية.

وكان السؤال الرئيسي يتعلق بما إذا كان المشاركون يعتقدون أن الاحتباس الحراري يمكن أن يلحق بهم ضررًا شخصيًا بدرجة متوسطة أو كبيرة.

وتراوحت النسبة المقدرة للبالغين الذين يحملون هذا الاعتقاد بين 28.5% و60.5% من مقاطعة إلى أخرى، بمتوسط بلغ 37.7%.

4 أخطار مناخية تحت المجهر

بعد ذلك، قارن الباحثون هذه التقديرات ببيانات سابقة عن الوفيات الزائدة المرتبطة بأربعة أخطار رئيسية:

ويقصد بالوفيات الزائدة عدد الوفيات التي تتجاوز المستوى المتوقع عادة خلال فترة زمنية محددة.

ودرس الباحثون كل خطر بصورة منفصلة، ثم جمعوا معدلات الوفيات المرتبطة بالأخطار الأربعة للحصول على مقياس إجمالي للعبء المرتبط بالطقس المتطرف.

وهذه البيانات الخاصة بالوفيات لم تُجمع من سجلات طبية جديدة ضمن الدراسة، وإنما استندت إلى تحليلات سابقة.

كوارث المناخ في أمريكا

كيف حدد الباحثون «فجوة الإدراك»؟

واجه الباحثون مشكلة منهجية مهمة، إذ إن الوعي العام قيس كنسبة مئوية من السكان، بينما قيس عبء الوفيات بعدد الوفيات لكل 100 ألف شخص، ولذلك لم تتم مقارنة الرقمين بصورة مباشرة.

وبدلًا من ذلك، جرى ترتيب المقاطعات من الأعلى إلى الأدنى وفقًا لمستوى إدراك الخطر، ثم ترتيبها وفقًا لعبء الوفيات، ومقارنة ترتيب كل مقاطعة في المؤشرين.

وحصلت المناطق التي سجلت عبئًا مرتفعًا من الوفيات مع مستويات منخفضة نسبيًا من القلق على فجوة إيجابية، بما يعكس انخفاض الوعي بالخطر.

أما المناطق التي جاء ترتيبها في مستوى القلق أعلى من ترتيبها في عبء الوفيات، فاعتُبرت لديها فجوة سلبية، أي مستوى أعلى نسبيًا من الوعي مقارنة بالعبء المقدّر.

وكشف هذا الأسلوب عن أنماط واسعة عبر أكثر من 3 آلاف مقاطعة.

لكن الباحثين حذروا من التعامل مع كل قيمة محلية باعتبارها رقمًا دقيقًا، لأن طريقة الترتيب يمكن أن تجعل الفروق العددية الصغيرة تبدو أكثر أهمية مما هي عليه فعليًا.

دخان الحرائق والفيضانات يكشفان فجوات كبيرة

أظهرت الخرائط أن فجوات إدراك الخطر غالبًا ما اتخذت نمطًا جغرافيًا مشابهًا للعبء المقدر للوفيات.

وفي عدد من المناطق، ارتبط ارتفاع عبء الوفيات بوجود فجوات أكبر في الوعي.

وكان دخان حرائق الغابات من أبرز الأخطار التي ظهرت معها مستويات مرتفعة من انخفاض الوعي في أجزاء من مناطق الغرب الأوسط وشمال الولايات المتحدة.

وظهر نمط مشابه في ما يتعلق بمخاطر الفيضانات في العديد من هذه المناطق.

لكن الجفاف قدم صورة مختلفة؛ إذ برز انخفاض الوعي بصورة أكبر في أجزاء من الجنوب والغرب، ما يشير إلى أن رسالة وطنية واحدة بشأن مخاطر المناخ قد لا تكون مناسبة لجميع المجتمعات.

أما الحرارة، فأظهرت أيضًا ارتباطًا بين ارتفاع الاعتقاد بحدوث تغير المناخ وصغر فجوات إدراك المخاطر.

إلا أن بيانات الوفيات المرتبطة بالحرارة كانت متاحة لـ 1071 مقاطعة فقط، بينما افتقرت 2035 مقاطعة إلى تقديرات الوفيات اللازمة لإدراجها في التحليل.

كلما ارتفع الوعي بتغير المناخ.. صغرت فجوة إدراك الخطر

وجد الباحثون أن المقاطعات التي تضم نسبًا أكبر من السكان الذين يعتقدون أن الاحتباس الحراري يحدث بالفعل سجلت فجوات أصغر بين الإدراك وعبء الوفيات في جميع الأخطار التي جرى تحليلها.

وظهر الاتجاه نفسه عند جمع الأخطار الأربعة في مقياس واحد.

لكن العلاقة لم تكن خطية تمامًا؛ إذ اختلف حجم التغير في الفجوة باختلاف مستويات الاعتقاد بحدوث تغير المناخ، رغم استمرار الاتجاه العام.

وأظهر النموذج المجمع أن المتغيرات المستخدمة استطاعت تفسير نحو 64% من الاختلاف في فجوات إدراك الوفيات بين المقاطعات.

ومع ذلك، تظل هناك عوامل محلية أخرى لم تتمكن البيانات المتاحة من التقاطها، وقد تؤثر في مستوى الوعي وفي إدراك المخاطر.

كوارث المناخ في أمريكا

الدراسة لا تثبت أن الوعي ينقذ الأرواح

من أهم النقاط التي يشدد عليها الباحثون أن النتائج توضح علاقة ارتباطية وليست علاقة سببية.

فالدراسة لا تستطيع إثبات أن الاعتقاد بتغير المناخ يؤدي إلى استعداد أفضل للطقس المتطرف، أو أن زيادة الوعي بتغير المناخ تؤدي تلقائيًا إلى انخفاض الوفيات.

كما أنها لا تجيب عن سؤال أكثر تحديدًا: هل يمكن لحملات توعية جديدة أن تغير سلوك السكان وتقلل من الأضرار الصحية؟

وهذه نقطة مهمة؛ لأن الشخص قد يؤمن بأن تغير المناخ يحدث، لكنه لا يعرف بالضرورة أن منطقته معرضة لخطر الفيضانات أو دخان حرائق الغابات أو الجفاف أو الحرارة الشديدة.

حدود مهمة للنتائج

يشير الباحثون إلى عدد من القيود التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تفسير النتائج.

أولًا، تقديرات الرأي العام على مستوى المقاطعات هي تقديرات إحصائية مبنية على مسوح وطنية، وتحمل قدرًا من عدم اليقين.

ثانيًا، لم تنتقل كل مستويات عدم اليقين في تلك التقديرات بالضرورة إلى جميع الحسابات اللاحقة.

ثالثًا، ركزت الأسئلة على تغير المناخ بصورة عامة، ولم تسأل السكان تحديدًا عن مخاطر كل ظاهرة جوية في مناطقهم.

رابعًا، اعتمد التحليل على متوسطات المقاطعات، ولذلك لا يمكن من خلاله معرفة ما يعتقده كل فرد أو الأسباب التي تقف وراء اعتقاده.

كما يمكن لعوامل أخرى أن تؤثر في كل من الإيمان بتغير المناخ والوعي بالمخاطر، بما في ذلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والموقع الجغرافي.

وأخيرًا، ركزت مقاييس الوفيات على خسائر الأرواح فقط، ولم تشمل الأمراض والإصابات، أو الخسائر الاقتصادية، أو النزوح، أو الأضرار الاجتماعية، وهي جميعها آثار مهمة للطقس المتطرف.

من «تغير المناخ» إلى الخطر الذي يراه الناس حولهم

تقدم الدراسة رسالة مهمة لصناع السياسات وخبراء الصحة العامة والاتصال المناخي: الحديث عن تغير المناخ على المستوى العالمي قد لا يكون كافيًا.

فالمجتمع الذي يواجه دخان حرائق الغابات يحتاج إلى معلومات مختلفة عن مجتمع يعاني من الجفاف، بينما تحتاج المناطق المعرضة للفيضانات إلى رسائل تركز على مخاطرها المحلية وطرق الاستعداد لها.

وتشير النتائج إلى أهمية ربط تغير المناخ بتأثيرات صحية ملموسة يمكن للسكان رؤيتها وفهمها في حياتهم اليومية.

كما يمكن للخرائط المحلية التي تجمع بين مستوى الخطر والوعي العام أن تساعد الجهات الصحية وصناع القرار على تحديد المناطق التي يكون فيها الخطر المتوقع مرتفعًا بينما يظل إدراك السكان له منخفضًا.

لكن التواصل وحده لا يستطيع إزالة جميع المخاطر، كما أن الدراسة لم تختبر فعالية أي حملة توعية عامة.

إنما حددت ببساطة أين يتوافق الاعتقاد بتغير المناخ مع مستوى الوفيات المقدرة المرتبطة بالطقس المتطرف، وأين تظهر فجوة بين الاثنين.

ارتفاع مستوى البحر يهدد موقع جيمستاون التاريخي في أمريكا،

الخلاصة

تكشف الدراسة أن الطقس المتطرف قد يكون أكثر فتكًا مما يدركه السكان في بعض المناطق، وأن مستوى الوعي بتغير المناخ يرتبط بمدى دقة إدراك مخاطر الوفيات المرتبطة بالحرارة والفيضانات والجفاف ودخان حرائق الغابات.

لكن الرسالة العلمية الأكثر أهمية هي أن الارتباط لا يعني السببية.

فرفع الوعي بتغير المناخ قد يكون عنصرًا مهمًا في تحسين الاستعداد، إلا أن إثبات أن هذا الوعي يؤدي بالفعل إلى خفض الوفيات وتحسين النتائج الصحية يحتاج إلى دراسات أخرى تتابع السلوك والاستجابة الفعلية للمجتمعات.

ونُشرت الدراسة في مجلة GeoHealth، التابعة للاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي.

Exit mobile version