حرائق لا تُرى بالكامل بالعين.. مساحات شاسعة تحترق مع اشتداد ظاهرة النينيو تحت سطح الأرض في إندونيسيا

دخان سام وحرائق تحت الأرض.. موسم ناري جديد يهدد إندونيسيا بعد كارثة 2015

حرائق لا تُرى بالكامل بالعين.. مساحات شاسعة من أراضي الخث في إندونيسيا تجف مع اشتداد ظاهرة النينيو، لتتحول الطبقات العضوية المدفونة تحت سطح الأرض إلى وقود لحرائق يمكن أن تستمر لأسابيع وتطلق كميات هائلة من الدخان والملوثات.

دخلت إندونيسيا موسم الحرائق السنوي لعام 2026 في ظل ظروف مناخية شديدة الجفاف، مع تصاعد تأثير ظاهرة النينيو التي تعمل على تقليل هطول الأمطار في أجزاء واسعة من البلاد، بالتزامن مع وجود حالة إيجابية من ثنائية قطب المحيط الهندي، ما يزيد من احتمالات استمرار الجفاف وتهيئة الظروف المناسبة لانتشار الحرائق.

وأظهرت صورة اليوم التي التقطتها وكالة ناسا للأرض من الفضاء، أن الحرائق تنتشر في مناطق متعددة من إندونيسيا، في مشهد يعكس حجم الضغط الذي تتعرض له النظم البيئية، ولا سيما أراضي الخث الغنية بالكربون.

التقط القمر الصناعي Aqua التابع لوكالة ناسا الصورة في الأول من سبتمبر 2026، مع دخول البلاد الأسابيع الأولى من موسم الحرائق.

وتظهر النقاط الحمراء في خرائط الأقمار الصناعية المواقع التي رصد فيها جهاز MODIS درجات حرارة مرتفعة بصورة غير معتادة، وهي مؤشرات مرتبطة بوجود حرائق نشطة.

الخطر الأكبر ليس فوق الأرض.. بل تحتها

تختلف حرائق أراضي الخث عن كثير من حرائق الغابات التقليدية، لأن جزءًا كبيرًا من الحريق قد يستمر تحت سطح الأرض.

والخث عبارة عن أراضٍ رطبة تراكمت فيها بقايا النباتات والمواد العضوية التي تحللت جزئيًا على مدى آلاف السنين، لتشكل طبقات سميكة وغنية بالكربون.

وفي الظروف الطبيعية، تكون هذه الطبقات مشبعة بالمياه بدرجة تجعل اشتعالها وانتشار النار داخلها أمرًا صعبًا.

لكن عندما يستمر الجفاف لفترة طويلة، ينخفض محتوى الرطوبة في الخث، ويمكن للنيران أن تخترق الطبقات السطحية وتبدأ في الاحتراق البطيء تحت الأرض.

وهنا تظهر واحدة من أخطر خصائص هذه الحرائق.

فما يظهر فوق سطح الأرض قد يكون مجرد جزء صغير من الحريق، بينما تستمر النيران في الانتقال ببطء عبر المواد العضوية المدفونة تحت السطح.

 

حرائق الخث.. نار بطيئة ودخان كثيف

يمكن لحرائق الخث أن تستمر لفترات طويلة، حتى بعد اختفاء النيران المرئية من سطح الأرض.

وتتحرك النار داخل الطبقات العضوية الجافة بصورة بطيئة، لكنها تستهلك كميات كبيرة من المواد العضوية وتطلق كميات ضخمة من الدخان.

والأخطر أن دخان حرائق الخث أكثر تلويثًا من كثير من حرائق الغابات التقليدية.

الخطر الأكبر ليس فوق الأرض.. بل تحتها

وتشير أبحاث علمية إلى أن حرائق الخث الاستوائية يمكن أن تنتج نحو ثلاثة أضعاف كمية الجسيمات الدقيقة التي تنتجها حرائق الغابات الاستوائية الأخرى، إضافة إلى كميات أكبر من عدد من الملوثات الأخرى.

وهذا يجعل المشكلة تتجاوز حدود البيئة والغابات إلى الصحة العامة وجودة الهواء.

إندونيسيا.. واحدة من أكبر خزانات الخث الاستوائي في العالم

تمتلك إندونيسيا نحو 36% من أراضي الخث الاستوائية في العالم، وهو ما يجعلها شديدة الحساسية للتغيرات في معدلات هطول الأمطار والجفاف.

وتتركز مساحات مهمة من هذه الأراضي في مناطق مثل كاليمانتان وسومطرة وبابوا.

لكن الخطر لم ينتج عن الجفاف وحده.

فعلى مدى عقود، جرى إنشاء قنوات لتصريف المياه من بعض مناطق المستنقعات الخثية بهدف تحويل الأراضي لاستخدامات زراعية ومزارع إنتاجية.

وأدى خفض منسوب المياه إلى جعل طبقات الخث أكثر تعرضًا للجفاف، وبالتالي أكثر قابلية للاشتعال.

وبمجرد أن تجف الطبقات الغنية بالمواد العضوية، يصبح الحريق قادرًا على الانتقال تحت سطح الأرض، ما يجعل السيطرة عليه أكثر تعقيدًا وتكلفة.

إندونيسيا.. واحدة من أكبر خزانات الخث الاستوائي في العالم

كارثة 2015 لا تزال حاضرة

تستعيد إندونيسيا مع موسم حرائق 2026 ذكريات موسم الحرائق الكارثي الذي شهدته البلاد عام 2015.

وبعد أكثر من ثلاثة أشهر من الحرائق في ذلك العام، قدرت الانبعاثات بنحو 1.75 مليار طن من مكافئ غازات الاحتباس الحراري.

ومنذ تلك الكارثة، وسعت السلطات الإندونيسية جهودها للحد من مخاطر حرائق الخث، بما شمل استعادة الأراضي الرطبة، وإغلاق بعض قنوات التصريف، وتحسين قدرات مكافحة الحرائق، والحد من أسباب الاشتعال العرضي.

لكن الجفاف الشديد الذي تشهده البلاد في 2026 يضع هذه الإجراءات أمام اختبار جديد.

النينيو يزيد أزمة الجفاف

تلعب ظاهرة النينيو دورًا مهمًا في تغيير أنماط الطقس في مناطق واسعة من العالم.

وفي إندونيسيا، يمكن للنينيو أن يؤدي إلى تراجع هطول الأمطار، وهو ما يرفع خطر الجفاف واندلاع الحرائق، خصوصًا في المناطق التي تحتوي على مساحات واسعة من أراضي الخث.

وخلال أغسطس 2026، كانت ظاهرة النينيو تزداد قوة، بالتزامن مع وجود حالة إيجابية من ثنائية قطب المحيط الهندي، ما أدى إلى ظروف أكثر ملاءمة للجفاف.

ووفق بيانات وكالة الأرصاد الجوية الإندونيسية، تلقت نحو 90% من أراضي إندونيسيا كميات قليلة جدًا من الأمطار أو لم تتلق أمطارًا على الإطلاق خلال أوائل أغسطس.

وهذه الظروف تمثل تهديدًا مباشرًا لأراضي الخث.

ففي السنوات الرطبة، تكون طبقات الخث مشبعة بالمياه إلى درجة تحد من قدرة النار على الانتشار تحت الأرض.

أما خلال فترات الجفاف الشديد، فقد يختفي هذا الحاجز الطبيعي، وتصبح الأرض نفسها وقودًا للحرائق.

تشابه مقلق مع موسم حرائق 2015

حذر روبرت فيلد، الباحث في جامعة كولومبيا والمتخصص في دراسة ظروف الطقس المرتبطة بالحرائق، من الارتفاع الحاد في نشاط الحرائق، مشيرًا إلى وجود أوجه تشابه مع الظروف التي سبقت موسم 2015.

والأرقام تعطي سببًا إضافيًا للقلق.

فحتى 2 سبتمبر 2026، كانت حرائق العام قد أطلقت نحو عُشر كمية الانبعاثات التي أطلقتها حرائق 2015، رغم أن موسم 2026 كان قد دخل للتو مرحلة مبكرة نسبيًا.

وإذا استمر الجفاف لفترة أطول، فقد تتفاقم الحرائق وتزداد الانبعاثات بصورة كبيرة.

الأقمار الصناعية تراقب آلاف النقاط الساخنة

تعتمد إندونيسيا على بيانات الأقمار الصناعية، إلى جانب أنظمة الرصد المحلية، لمتابعة انتشار الحرائق.

وفي 31 أغسطس، سجل نظام SiPongi الإندونيسي نحو 946 نقطة ساخنة، اعتمادًا على بيانات أجهزة MODIS وVIIRS.

لكن عدد النقاط التي ترصدها الأقمار الصناعية لا يمثل بالضرورة العدد الحقيقي لجميع الحرائق.

فالغيوم والدخان الكثيف يمكن أن يحجبا سطح الأرض عن أجهزة الاستشعار، كما أن بعض الحرائق التي تشتعل تحت الغطاء النباتي قد لا تكون واضحة للأقمار الصناعية.

وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تنتشر حرائق الخث تحت سطح الأرض، لأن الدخان الكثيف الناتج عنها قد يحجب المناطق المشتعلة عن أجهزة الرصد الفضائي.

تكنولوجيا جديدة لاكتشاف الحرائق المخفية

يعمل الباحثون على تطوير تقنيات تساعد في اكتشاف الحرائق التي لا تظهر بسهولة من خلال الصور الفضائية التقليدية.

ومن بين الأساليب المستخدمة الاستفادة من نطاق الأشعة تحت الحمراء قصيرة الموجة في بيانات أقمار صناعية مثل Landsat وSentinel-2.

ويمكن لهذه التقنيات أن تساعد في اكتشاف بعض الحرائق المختبئة تحت الغطاء النباتي، وتحسين قدرة السلطات على تحديد المناطق التي تحتاج إلى تدخل سريع.

وهذه التكنولوجيا تكتسب أهمية خاصة في أراضي الخث، لأن اكتشاف الحريق في مراحله الأولى قد يكون عاملًا حاسمًا قبل أن ينتشر تحت الأرض ويصبح إخماده أكثر صعوبة.

الدخان يضرب الحياة اليومية

لا تقتصر آثار الحرائق على الغابات والمناطق الطبيعية.

فالدخان الناتج عنها يمكن أن ينتشر لمسافات واسعة، ويؤثر في جودة الهواء وصحة السكان، كما يمكن أن يعطل حركة الطيران والتعليم والحياة اليومية.

وحذرت السلطات من التعرض للدخان في مناطق واسعة، بينما اضطرت بعض المدارس إلى نقل الدراسة إلى الإنترنت، وأغلقت بعض المتنزهات الوطنية، كما أدى الدخان الكثيف إلى تأخير بعض الرحلات الجوية.

ويزداد القلق من استمرار هذه الظروف لأسابيع، لأن حرائق الخث تحت الأرض يمكن أن تبقى نشطة حتى وصول أمطار مستمرة ترفع مستويات الرطوبة بما يكفي لإيقاف انتشار النار.

ولا تعود الظروف الأكثر رطوبة عادة إلى أجزاء واسعة من إندونيسيا إلا خلال أكتوبر أو نوفمبر.

أزمة حرائق أم أزمة مناخ؟

تكشف حرائق إندونيسيا في 2026 عن مشكلة تتجاوز مجرد موسم حرائق استثنائي.

فالجفاف المرتبط بالظواهر المناخية الطبيعية مثل النينيو يتفاعل مع عوامل بشرية، من بينها تصريف الأراضي الرطبة وتغيير استخدامات الأراضي، ليزيد قابلية النظم البيئية الغنية بالكربون للاشتعال.

وعندما تحترق أراضي الخث، لا يقتصر الأمر على فقدان الغطاء النباتي.

فالخث نفسه يخزن كميات ضخمة من الكربون تراكمت على مدى آلاف السنين، وعندما يحترق هذا الكربون يتحول إلى غازات دفيئة وملوثات جوية، ما يضيف ضغطًا جديدًا إلى أزمة المناخ.

وهكذا تصبح الحلقة أكثر تعقيدًا: الجفاف يزيد خطر الحرائق، والحرائق تطلق كميات ضخمة من الكربون، وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري تزيد من الضغوط المناخية على النظم الطبيعية.

ومع استمرار موسم الجفاف في إندونيسيا، سيكون السؤال الأهم خلال الأسابيع المقبلة هو ما إذا كانت إجراءات استعادة أراضي الخث والوقاية من الحرائق التي توسعت بعد كارثة 2015 ستتمكن من الصمود أمام موجة جفاف جديدة، أم أن النيران المدفونة تحت الأرض ستتحول مرة أخرى إلى أزمة بيئية وصحية عابرة للحدود.

↑
Exit mobile version