هل يساعد الطعام النباتي على خسارة الوزن؟ دراسة تكشف ارتباطًا لافتًا
هل يؤثر مصدر الطعام في خسارة الوزن أكثر من طريقة تصنيعه؟
تحليل علمي يشير إلى ارتباط زيادة تناول الأطعمة الحيوانية بزيادة الوزن، حتى عندما تكون قليلة المعالجة.. والألياف قد تفسر جانبًا من اختلاف تأثير الأغذية النباتية
لا يكفي النظر إلى مدى تصنيع الطعام للحكم على تأثيره في الوزن؛ فقد يكون مصدر الغذاء نفسه عاملًا مهمًا أيضًا، هذا ما تشير إليه دراسة علمية حللت بيانات بالغين يعانون زيادة الوزن، ووجدت ارتباطًا بين زيادة استهلاك الأطعمة الحيوانية قليلة المعالجة واكتساب الوزن، بينما ارتبط تناول مزيد من الأطعمة النباتية قليلة المعالجة باتجاه معاكس، وإن لم تكن جميع النتائج قوية إحصائيًا.
وتطرح النتائج سؤالًا مهمًا في ظل انتشار الأغذية الجاهزة والمصنعة: هل ينبغي أن نهتم فقط بمدى معالجة الطعام صناعيًا، أم يجب أن ننظر أيضًا إلى مصدره ومحتواه من الألياف والسعرات الحرارية؟
دراسة تقارن بين النظام النباتي وحمية البحر المتوسط
قاد البحث هانا كاهليوفا، بالتعاون مع علماء من الولايات المتحدة وكندا، اعتمادًا على بيانات تجربة سابقة شملت 62 بالغًا يعانون زيادة الوزن، بمتوسط عمر يقارب 57 عامًا، وكانت غالبية المشاركين من النساء.
وخلال التجربة، اتبع المشاركون نظامين غذائيين، مدة كل منهما 16 أسبوعًا، بترتيب عشوائي، مع فترة فاصلة استمرت أربعة أسابيع بين النظامين.
اعتمد النظام الأول على حمية نباتية قليلة الدهون، تضمنت الخضراوات والفواكه والبقوليات والحبوب، بينما استند النظام الثاني إلى حمية البحر المتوسط، التي تجمع بين الأغذية النباتية والأسماك والمكسرات والبقوليات وزيت الزيتون.
ولم يُطلب من المشاركين حساب كل سعر حراري يتناولونه، بل أتيح لهم اختيار وجباتهم وفق إرشادات كل نظام غذائي، مع حضور جلسات أسبوعية للتثقيف الغذائي والحصول على إرشادات اختصاصيي التغذية.
وسجل المشاركون ما تناولوه على مدار ثلاثة أيام في مراحل محددة، ثم صنف الباحثون الأغذية وفق مصدرها، نباتيًا كان أم حيوانيًا، ودرجة معالجتها.

ماذا حدث عند التحول إلى النظام النباتي؟
أظهرت سجلات الطعام تغيرًا واضحًا في تركيب الوجبات عند اتباع النظام النباتي.
فقد انخفض استهلاك الأغذية الحيوانية قليلة المعالجة بنحو 174 جرامًا يوميًا، ليصل في نهاية الفترة إلى متوسط يقارب 10 جرامات يوميًا.
وفي المقابل، ارتفع استهلاك الأغذية النباتية قليلة المعالجة بنحو 202 جرام يوميًا مقارنة بحمية البحر المتوسط.
لكن اتباع نظام نباتي لم يعنِ التخلي تمامًا عن المنتجات المصنعة؛ إذ ظل المشاركون يتناولون نحو 266 جرامًا يوميًا من الأغذية النباتية فائقة المعالجة قرب نهاية فترة الحمية النباتية.
وهذه النقطة مهمة، لأنها توضح أن وصف النظام الغذائي بأنه نباتي لا يعني بالضرورة أن جميع مكوناته طازجة أو غير معالجة، كما أن درجة المعالجة وحدها لا تكشف كل خصائص الغذاء الغذائية.
الأطعمة الحيوانية قليلة المعالجة ارتبطت بزيادة الوزن
عندما قارن الباحثون بين ما تناوله المشاركون والتغيرات التي طرأت على أوزانهم، ظهرت إشارة لافتة: خلال فترة النظام الغذائي الثانية، ارتبطت زيادة استهلاك الأغذية الحيوانية قليلة المعالجة بارتفاع احتمالات اكتساب الوزن.
وشمل التحليل 18 علاقة محتملة بين مجموعات الطعام وتغير الوزن، لكن هذه العلاقة وحدها ظلت ذات دلالة إحصائية بعد تطبيق الاختبار الأكثر صرامة الذي استخدمه الباحثون.
وظهرت أنماط أخرى، منها ارتباط تناول مزيد من الأغذية الحيوانية المصنعة بزيادة الوزن خلال الفترة الأولى، وميل الأشخاص الذين تناولوا مزيدًا من الأغذية النباتية قليلة المعالجة إلى خسارة الوزن خلال الفترة الثانية، غير أن هذه النتائج لم تجتز الاختبار الإحصائي الأكثر صرامة، ولذلك لا يمكن التعامل معها باعتبارها استنتاجات مؤكدة.
كما لم يجد الباحثون ارتباطًا واضحًا بين تناول الأغذية النباتية فائقة المعالجة وتغير الوزن في أي من الفترتين.
ولا تعني هذه النتائج أن اللحوم أو الأسماك أو البيض أو الحليب تسبب زيادة الوزن بالضرورة، بل إنها تكشف عن ارتباط إحصائي يحتاج إلى مزيد من البحث لفهم أسبابه.
هل تمنح الألياف الأغذية النباتية ميزة في خسارة الوزن؟
تقدم الألياف الغذائية أحد التفسيرات المحتملة لاختلاف النتائج بين الأغذية النباتية والحيوانية، لكن الدراسة لم تختبر هذه الآلية بصورة مباشرة.
فالفواكه والخضراوات والبقوليات والحبوب الكاملة تحتوي عادة على الألياف والماء، وهو ما قد يساعد على تناول حجم أكبر من الطعام مقابل سعرات حرارية أقل نسبيًا.
كما تسهم الألياف في إبطاء عملية الهضم، وقد تساعد على تعزيز الإحساس بالشبع وتنظيم إشارات الجسم المرتبطة بالامتلاء.
وقد يكون لطبيعة الأطعمة الكاملة دور إضافي؛ إذ تتطلب كثير من الفواكه والخضراوات وقتًا أطول للمضغ، ما قد يساعد بعض الأشخاص على ملاحظة الشعور بالشبع قبل الإفراط في تناول الطعام.
واقترح الباحثون أيضًا أن الجسم قد يمتص سعرات حرارية أقل من بعض الأغذية النباتية الكاملة مقارنة بمنتجات تعرضت لمعالجة مكثفة أدت إلى تغيير بنيتها، لكن هذه التفسيرات تظل احتمالات علمية، وليست آليات أثبتتها الدراسة الحالية بصورة مباشرة.

تجربة سابقة سجلت خسارة نحو 6 كيلوغرامات
تستند الدراسة الجديدة إلى تجربة غذائية أصلية نُشرت عام 2021، وأظهرت أن المشاركين فقدوا في المتوسط نحو 13 رطلًا، أي ما يقارب 6 كيلوجرامات، خلال اتباع النظام النباتي قليل الدهون، بينما لم يسجلوا تغيرًا صافيًا في الوزن عند اتباع حمية البحر المتوسط.
وتوفر هذه النتيجة سياقًا مهمًا لفهم التحليل الجديد، لكنها لا تثبت أن استبعاد الأغذية الحيوانية وحده هو سبب خسارة الوزن؛ إذ يمكن أن تتداخل عوامل أخرى، مثل إجمالي السعرات الحرارية المتناولة، ومحتوى الطعام من الألياف، والتغيرات المصاحبة في العادات الغذائية.
لماذا تحتاج النتائج إلى الحذر؟
رغم أهمية الأسئلة التي تطرحها الدراسة، فإن حجم العينة الصغير يحد من إمكانية تعميم نتائجها على جميع الأشخاص.
فقد اقتصرت على 62 مشاركًا، كما اعتمد تقييم الطعام على سجلات لثلاثة أيام في أربع مراحل محددة، وهي مدة لا تعكس بالضرورة جميع العادات الغذائية المعتادة على المدى الطويل.
كذلك، فإن معظم العلاقات التي اختبرها الباحثون لم تجتز الاختبار الإحصائي الأكثر صرامة.
ولا يستطيع هذا النوع من التحليل وحده إثبات أن تناول الأغذية الحيوانية هو الذي تسبب مباشرة في زيادة الوزن، لأن تغير الوزن قد يتأثر بعوامل متزامنة، من بينها كمية الطعام والطاقة المستهلكة وتغيرات نمط الحياة.
ومن المهم أيضًا الإشارة إلى أن الدراسة حصلت على تمويل من لجنة الأطباء للطب المسؤول، وهي منظمة تدعو إلى الأنظمة الغذائية النباتية. ولا يبطل ذلك النتائج تلقائيًا، لكنه يمثل جانبًا يستحق الإفصاح عنه عند تقييم البحث، إلى جانب حجم العينة وتصميم الدراسة وحدود التحليل.

ما الذي تعنيه النتائج لاختياراتنا الغذائية؟
الرسالة الأساسية ليست أن كل طعام نباتي صحي، أو أن جميع الأغذية الحيوانية تؤدي إلى زيادة الوزن،
فالأطعمة النباتية فائقة المعالجة قد تحتوي على كميات مرتفعة من السكر أو الملح أو الدهون، كما أن الأغذية الحيوانية تختلف في تركيبها الغذائي ومحتواها من السعرات الحرارية.
لكن الدراسة تشير إلى أن تصنيف الطعام وفق درجة معالجته وحدها قد لا يقدم صورة كاملة عن علاقته بالوزن. فمصدر الطعام ومحتواه من الألياف والماء وكثافة السعرات الحرارية عوامل تستحق النظر أيضًا.
وبالنسبة إلى من يسعى إلى التحكم في وزنه، تظل زيادة تناول الخضراوات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة، والانتباه إلى إجمالي السعرات وحجم الحصص، خيارات عملية مدعومة بأدلة أوسع من هذه الدراسة وحدها.
أما الاستنتاج بأن تقليل الأغذية الحيوانية سيؤدي بالضرورة إلى خسارة الوزن، فلا تدعمه النتائج الحالية بصورة قاطعة.
نُشرت الدراسة في مجلة Nutrition Research، وتفتح الباب أمام مزيد من الأبحاث التي تدرس كيف يتفاعل مصدر الغذاء ودرجة معالجته وتركيبه الغذائي في التأثير على وزن الجسم والصحة على المدى الطويل.





