التعليم قد يحد من خطر الخرف رغم الاستعداد الوراثي.. ماذا كشفت دراسة امتدت لأكثر من 50 عامًا؟
سنة دراسية إضافية قد تحمي الدماغ من الخرف.. لكن حجم التأثير لا يزال غير محسوم
تشير دراسة جديدة إلى أن إضافة عام واحد إلى سنوات التعليم قد تسهم في خفض خطر الإصابة بالخرف، حتى لدى الأشخاص الذين يحملون استعدادًا وراثيًا مرتفعًا للإصابة به، مستندةً إلى إصلاح تعليمي أقرته بريطانيا قبل أكثر من خمسة عقود.
ووجد الباحثون، أن التراجع في تشخيصات الخرف كان أوضح لدى الأشخاص الأكثر عرضة وراثيًا، ما يشير إلى أن التعليم قد يؤثر في احتمالات الإصابة بالمرض، حتى عندما يكون الاستعداد الجيني أعلى من المعتاد.
قاد الدراسة سيلفيا بارسيلوس، أستاذة اقتصاديات الصحة بجامعة ويسكونسن-ماديسون، والباحثة في كلية لافوليت للشؤون العامة، بالتعاون مع باحثين من بينهم لياندرو كارفاليو، الأستاذ المشارك في الاقتصاد بجامعة جنوب كاليفورنيا.
إصلاح تعليمي قد يكشف أثر التعليم في خطر الخرف

يُصنّف انخفاض مستوى التعليم منذ فترة طويلة ضمن عوامل الخطر المرتبطة بالخرف.
فالأشخاص الذين يقضون سنوات أطول في الدراسة يميلون إلى الاحتفاظ بمهارات أفضل في الذاكرة والتفكير خلال مراحل متقدمة من العمر، كما تُسجّل بينهم معدلات أقل للإصابة بالخرف.
لكن إثبات أن التعليم نفسه هو السبب وراء هذا الاختلاف ليس أمرًا سهلًا؛ إذ قد يختلف الأشخاص الذين يحصلون على تعليم أطول عن غيرهم في جوانب أخرى، مثل مستوى الدخل خلال الطفولة، والخلفية الوراثية، وحتى سمات شخصية كضبط النفس، وهي عوامل قد تؤثر في مدة الدراسة وأنماط الحياة لاحقًا.
وقالت بارسيلوس، إن الباحثين يعرفون منذ فترة طويلة أن الأشخاص الأكثر تعليمًا أقل عرضة للإصابة بالخرف، لكن تحديد ما إذا كان التعليم نفسه مسؤولًا عن هذا الانخفاض ظل أمرًا صعبًا.
ونُشرت الدراسة في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS).
وتزداد أهمية الإجابة عن هذا السؤال مع توقع ارتفاع عدد المصابين بالخرف عالميًا إلى 131.5 مليون شخص بحلول عام 2050، ما يجعل فهم العوامل التي يمكن أن تسهم في الوقاية منه أولوية بحثية وصحية.
تاريخ الميلاد الذي أتاح اختبار أثر التعليم
استفادت الدراسة من إصلاح تعليمي أقرته بريطانيا عام 1972، ورفع الحد الأدنى لسن مغادرة المدرسة من 15 إلى 16 عامًا في إنجلترا واسكتلندا وويلز.
وطُبّق القانون على الطلاب المولودين في الأول من سبتمبر 1957 أو بعده.
وبموجب القاعدة الجديدة، كان بإمكان من وُلد في 31 أغسطس مغادرة المدرسة عند بلوغ 15 عامًا، بينما كان على من وُلد في اليوم التالي الاستمرار في الدراسة عامًا إضافيًا.
أتاح هذا الفارق الزمني للباحثين مقارنة أشخاص وُلدوا في تواريخ متقاربة، لكنهم خضعوا لقواعد مختلفة بشأن مدة التعليم، وهو ما ساعد على فصل الأثر المحتمل للدراسة عن الاختلافات الأخرى بين الأفراد.
وكان معظم المراهقين يستمرون في التعليم حتى سن 16 عامًا حتى قبل الإصلاح، ومع ذلك، زادت احتمالات استمرار المجموعة التي شملها القانون في الدراسة حتى هذا العمر بمقدار 14 نقطة مئوية مقارنة بالطلاب المولودين قبل الموعد الفاصل مباشرة.
وعلى مستوى المجموعة المشمولة بالإصلاح، زادت مدة التعليم بمتوسط يزيد قليلًا على شهرين، وهو متوسط يأخذ في الحسبان أيضًا الطلاب الذين كانوا سيواصلون الدراسة حتى سن 16 عامًا حتى دون صدور القانون.
تتبع الحالة الصحية بعد عقود من الإصلاح
حلّل الباحثون بيانات ما يصل إلى 107,200 شخص وُلدوا خلال فترة تمتد لأربع سنوات قبل الموعد الفاصل وبعده، واستعانوا ببيانات البنك الحيوي البريطاني، وهي دراسة واسعة شارك فيها 502,363 متطوعًا التحقوا بها بين عامي 2006 و2010، وكانت أعمارهم آنذاك بين 40 و69 عامًا.
وتحقق الفريق من مدى التشابه بين الأشخاص المولودين على جانبي الموعد الفاصل.
وأظهرت البيانات أن احتمالات إصابة آبائهم بالخرف كانت متقاربة، كما تشابهت مستويات المخاطر الوراثية لدى المشاركين.
واستند تحديد حالات الخرف إلى سجلات المستشفيات والوفيات والتاريخ الطبي الذي قدمه المشاركون.
وتساعد سجلات المستشفيات والوفيات على متابعة الحالة الصحية للأشخاص الذين يتوقفون عن الاستجابة للاستبيانات، وهي مشكلة قد تكون أكثر شيوعًا لدى الأشخاص الذين تتطور لديهم الإصابة بالخرف.
وأظهر تقييم سابق أن ما لا يقل عن 84.5% من التشخيصات المسجلة كانت صحيحة.
كما ارتبطت التشخيصات ببروتينات في الدم سبق ربطها بالخرف، وهو ما قدم مؤشرًا إضافيًا يدعم موثوقية البيانات المستخدمة.
انخفاض في التشخيصات.. لكن حجم التأثير غير محسوم
بين الأشخاص المولودين قبل الموعد الفاصل الذي حدده القانون، سُجلت نحو خمس حالات خرف لكل ألف شخص حتى ديسمبر 2022.
أما المولودون بعد ذلك الموعد مباشرة، فسُجلت بينهم حالتان أقل تقريبًا لكل ألف شخص.
ورغم أن الفارق يبدو محدودًا، فإن الخرف ظل نادرًا نسبيًا بين المشاركين في هذه الأعمار.
ولأن الإصلاح لم يضف سوى بضعة أشهر إلى متوسط مدة التعليم، قدّر الباحثون أيضًا التأثير المحتمل لعام دراسي إضافي كامل.
وخلص التقدير الذي فضّله الفريق إلى انخفاض قدره نحو 0.88 نقطة مئوية في خطر الخرف مقابل كل سنة إضافية من التعليم.
لكن الباحثين حذروا من أن هذا التقدير أكبر من أن يكون واقعيًا، لأنه يتجاوز معدل الإصابة بالخرف في المجموعة نفسها قبل تطبيق التقدير. كما أشاروا إلى أن النتيجة غير دقيقة بما يكفي للاعتماد عليها بوصفها قياسًا ثابتًا لحجم التأثير، بسبب العدد المحدود نسبيًا للمشاركين الذين شُخّصوا بالخرف.
وبذلك، تدعم النتائج احتمال وجود تأثير وقائي للتعليم، لكنها لا تحسم مقدار الانخفاض الفعلي في خطر الإصابة.
هل يحد التعليم من أثر الاستعداد الوراثي؟
قيّم الباحثون المخاطر الوراثية لكل مشارك باستخدام درجة تجمع تأثير عدد كبير من الاختلافات الصغيرة في الحمض النووي المرتبطة بمرض ألزهايمر، إلى جانب جين APOE.
ويُعد المتغير الوراثي APOE4 من العوامل المرتبطة بارتفاع خطر الإصابة بألزهايمر، ويكون الخطر أعلى بصورة ملحوظة لدى الأشخاص الذين يرثون نسختين منه.
وفي النصف الأعلى من المشاركين من حيث المخاطر الوراثية، كان 58% يحملون نسخة واحدة على الأقل من المتغير APOE4، مقارنة بنسبة 0.02% في النصف الأقل عرضة وراثيًا.
ولم يؤثر الإصلاح التعليمي في التركيب الوراثي للمشاركين، كما زاد مدة الدراسة بالمقدار نفسه في مجموعتي المخاطر الوراثية المرتفعة والمنخفضة.
لكن الفارق في معدلات تشخيص الخرف بين المجموعتين على جانبي الموعد الفاصل تراجع من 0.18 نقطة مئوية قبل تطبيق القانون إلى 0.02 نقطة مئوية بعده.
وظهر الانخفاض بوضوح في المجموعة ذات المخاطر الوراثية المرتفعة، إلا أن عدد الحالات لم يكن كافيًا لاستبعاد احتمال أن يكون التعليم قد حقق فائدة مماثلة لدى المجموعتين.
وقال لياندرو كارفاليو، أحد المشاركين في الدراسة، إن النتائج تبعث على الأمل لدى الأشخاص الذين يعرفون أن لديهم استعدادًا وراثيًا أعلى للإصابة بالخرف، مشيرًا إلى أن الجينات تسهم في تشكيل خطر المرض، لكنها لا تحدد بالضرورة النتيجة النهائية.
كيف يمكن أن يؤثر التعليم في صحة الدماغ؟
لم تتمكن الدراسة من تحديد الآليات التي قد تجعل التعليم الإضافي مرتبطًا بانخفاض خطر الخرف، لكن الباحثين طرحوا عدة تفسيرات محتملة.
فقد يقود التعليم الأطول إلى وظائف تتطلب قدرًا أكبر من التحفيز الذهني، أو إلى دخول أعلى يتيح فرصًا أفضل للحفاظ على نمط حياة صحي، أو إلى قضاء وقت أطول مع أشخاص يتمتعون بصحة أفضل.
وتدعم بعض نتائج الدراسة احتمال وجود صلة بين التعليم والوضع الاقتصادي؛ إذ زادت احتمالات حصول الأشخاص الذين شملهم الإصلاح على دخل أسري لا يقل عن 31 ألف جنيه إسترليني سنويًا بمقدار 2.3 نقطة مئوية.
كما انخفضت احتمالات إصابتهم بسكتة دماغية أو نوبة قلبية بمقدار 0.64 نقطة مئوية، وكان هذا الانخفاض متركزًا لدى أصحاب المخاطر الوراثية المرتفعة.
لكن النتائج لم تكن إيجابية في جميع المؤشرات الصحية؛ فقد ارتفعت احتمالات الإصابة بالمرحلة الأخف من ارتفاع ضغط الدم لدى المجموعة التي شملها الإصلاح، وهي نتيجة سبق أن أبلغ عنها بعض أعضاء فريق البحث.
وتختلف هذه النتائج عن دراسة سويدية شملت 1.3 مليون شخص، وخلصت إلى أن إصلاحًا تعليميًا مشابهًا لم يكن له تأثير في معدلات الخرف، ولم يُحدث سوى تأثير محدود في الدخل.
وأشار الباحثون إلى أن الإصلاح البريطاني أدى إلى زيادة الدخل، وهو اختلاف قد يساعد في تفسير التباين بين نتائج الدراستين، وإن كان لا يثبت أن زيادة الدخل هي السبب وراء اختلاف معدلات الخرف.
ماذا يحدث مع التقدم في العمر؟
حتى نهاية عام 2022، لم يكن أكبر المشاركين الذين شملهم الإصلاح قد تجاوزوا 65 عامًا، أي إنهم لم يصلوا بعد إلى الأعمار التي يصبح فيها الخرف أكثر شيوعًا.
كما أن المتطوعين في البنك الحيوي البريطاني يميلون إلى أن يكونوا أكثر صحة وأفضل حالًا من الناحية الاقتصادية مقارنة بعامة السكان. واقتصر التحليل الوراثي في الدراسة على الأشخاص من أصول أوروبية، ما يحد من إمكانية تعميم النتائج على مجموعات سكانية أخرى.
وتتعلق النتائج أيضًا بأشخاص كان من المرجح أن يغادروا المدرسة في سن مبكرة لولا الإصلاح، لذلك لا يمكن افتراض انطباقها بالضرورة على مستويات تعليمية أخرى أو على بلدان تختلف ظروفها التعليمية والاجتماعية.
ولاحظ الباحثون، أن الفارق في تشخيصات الخرف أصبح أوضح مع إضافة كل سنة من السنوات الأربع الأخيرة إلى سجلات المتابعة الصحية، وهو ما يعزز أهمية استمرار مراقبة المشاركين مع تقدمهم في العمر.
وقال كارفاليو، إن فهم التدخلات القادرة على إحداث آثار وقائية من هذا النوع يمثل اتجاهًا مهمًا للأبحاث المستقبلية.
ومن شأن متابعة المشاركين لفترة أطول أن تساعد في تحديد ما إذا كان الفارق في معدلات التشخيص سيستمر عندما يصلون إلى أعمار يرتفع فيها انتشار الخرف.





