أهم الموضوعاتأخبارالاقتصاد الأخضر

الوظائف الخضراء لا تحتاج إلى ناشطين بيئيين.. الأجور والأمان الوظيفي والأسرة عوامل حاسمة

من النفط إلى الطاقة الشمسية.. كيف تعيد الوظائف الخضراء تشكيل ثقافة العمل لدى الرجال؟

في إجابات المشاركين، إذ أشار بعضهم إلى الأجور بوصفها سببًا مباشرًا لاختيار المهنة. كما توفر برامج التدريب المهني والتلمذة الصناعية مسارًا عمليًا نحو سوق العمل، دون الاقتصار على المسارات التعليمية التقليدية.

ويرى المشاركون أن الطلب على تقنيات الطاقة النظيفة يعزز فرص التوظيف، بل وصف بعضهم وظائفهم بأنها أقل عرضة للتأثر بالركود الاقتصادي أو الاستبدال بالذكاء الاصطناعي.

وتعكس هذه الأوصاف تصورات العمال عن مستقبل مهنهم، وليست ضمانًا بأن هذه الوظائف محصنة تمامًا من التغيرات الاقتصادية أو التقنية.

الوظائف الخضراء

السلامة والتوازن الأسري يغيران حسابات العمل

إلى جانب الأجور، برزت جودة الحياة بوصفها عاملًا مهمًا في قرارات العاملين، خصوصًا من لديهم أطفال أو خبرات سابقة في قطاعات صناعية تتسم بظروف عمل أكثر قسوة.

وروى أحد المشاركين، وهو كهربائي يعمل في تركيب الألواح الشمسية، أنه سبق أن عمل في قطاع النفط في ألبرتا، لكنه تعرض لإصابة جعلته يعيد التفكير في مساره المهني.

وأضاف أن التوازن بين العمل والحياة الأسرية، إلى جانب الرغبة في ترك أثر إيجابي للأجيال المقبلة، أصبح أكثر أهمية بالنسبة إليه بعد إنجاب الأطفال.

كما تحدث عامل آخر، انتقل من قطاع السيارات إلى المهن الخضراء، عن قدرته على التحكم في جدول عمله وحضور الرحلات المدرسية والفعاليات الرياضية لأطفاله، مؤكدًا أنه لم يعد يفوّت تلك المناسبات.

وتشير هذه الشهادات إلى أن جاذبية الوظائف الخضراء لا ترتبط فقط بطبيعة التقنية المستخدمة، بل أيضًا بمدى قدرة الوظيفة على توفير وقت للأسرة، وتقليل الضغوط المهنية، وإتاحة قدر أكبر من التحكم في الحياة اليومية.

وفي مجال السلامة المهنية، أوضح الباحثان أن بعض العمال أصبحوا أكثر اهتمامًا بالصحة وإجراءات الوقاية، بعد مشاهدتهم آثار الإصابات التي تعرض لها أفراد من أجيال سابقة في المهن الحرفية.

ويتحدى هذا الاتجاه التصورات التقليدية عن الرجولة التي تربط القوة بتحمل المخاطر أو تجاهل الألم والقيود الصحية.

العمل المحلي والشعور بالإنجاز

أظهرت المقابلات أيضًا أن خدمة المجتمع ورؤية النتائج الملموسة للعمل من العوامل التي تعزز الرضا الوظيفي.

ووصف أحد العاملين في تركيب الأنظمة الشمسية السكنية شعوره بالرضا عندما يمر في منطقته برفقة زوجته ويستطيع الإشارة إلى مشروعات شارك في تنفيذها.

وقال إن رؤية الأنظمة التي ركّبها وهي تنتج الكهرباء تمنحه شعورًا بالإنجاز والانتماء إلى مجتمعه.

وتمنح هذه المهن العاملين فرصة لمشاهدة الأثر المباشر لجهودهم، سواء من خلال تركيب الألواح الشمسية أو تحسين كفاءة أنظمة التدفئة والتبريد، وقد يجمع هذا الجانب بين المهارة الحرفية والمنفعة العملية التي يشعر بها العاملون وأفراد المجتمع.

كما يمكن أن يساعد الارتباط بالمشروعات المحلية على تعزيز الرضا عن الوظيفة، إذ لا يقتصر الإنجاز على إتمام مهمة تقنية، بل يمتد إلى رؤية نتائجها في المنازل والأحياء التي يعيش فيها العاملون أنفسهم.

الوظائف الخضراء

تحديات الحوافز الحكومية وتقلبات السوق

رغم الرضا العام الذي عبّر عنه المشاركون، لا تخلو المهن الخضراء من التحديات، فقد تحدث كهربائيون عن تقلبات الطلب المرتبطة بتغير برامج الدعم والحوافز الحكومية لتركيب أنظمة الطاقة الشمسية وغيرها من التقنيات النظيفة.

ووصف بعضهم هذه التقلبات بمصطلح «السولاركوستر» (Solarcoaster)، في إشارة إلى الصعود والهبوط في سوق الطاقة الشمسية نتيجة تغير الحوافز أو توقفها.

وأوضح أحد العاملين أن التغييرات المتكررة تمثل عبئًا على الشركات الصغيرة، التي تحتاج إلى قدر أكبر من القدرة على التنبؤ بالطلب وتخطيط أعمالها.

وتعني هذه التقلبات أن التوسع في الوظائف الخضراء لا يعتمد فقط على توافر التكنولوجيا أو رغبة العملاء في استخدامها، بل يتأثر أيضًا باستقرار السياسات التي تحكم السوق. فعدم اليقين بشأن الحوافز قد يربك المشروعات ويجعل تقدير حجم العمل والاحتياجات من العمالة أكثر صعوبة.

ومع ذلك، عبّر معظم المشاركين عن رضاهم عن وظائفهم وأجورهم. وأشار أحد العاملين في تركيب الألواح الشمسية إلى أن أجره مجزٍ مقارنة بالمنافسين، مضيفًا أنه سيواصل العمل في المجال حتى لو فاز باليانصيب.

وكان هذا العامل قد انتقل إلى الطاقة الشمسية بعد عمله في قطاع الرمال النفطية بألبرتا، بحثًا عن أمان وظيفي وتوازن أفضل بين العمل والحياة.

هل تعيد الوظائف الخضراء تشكيل مفهوم الرجولة؟

تبحث الدراسة أيضًا في العلاقة بين المهن الخضراء والتصورات الثقافية عن الرجولة، ففي بعض القطاعات التقليدية، ارتبطت الرجولة بصورة العامل القوي الذي يتحمل المخاطر ويعتمد على نفسه، حتى على حساب السلامة والصحة أو المشاركة في الحياة الأسرية.

لكن الباحثين يرصدان بين المشاركين نمطًا مختلفًا، يصفانه بوظائف «الياقات الفيروزية» (Teal-collar jobs)، في إشارة إلى المهن الحرفية المرتبطة بالتقنيات الخضراء. ويبدو أن بعض العاملين في هذه الوظائف يعيدون ترتيب أولوياتهم، بحيث تتعايش المهارة العملية والاعتزاز بالعمل مع الاهتمام بالصحة والسلامة والحضور في حياة الأسرة.

ولا تعني هذه النتائج أن جميع الرجال في القطاعات الخضراء يتبنون التصورات نفسها، أو أن المهن الخضراء خالية من الضغوط والمخاطر.

لكنها تشير إلى أن ثقافة العمل ليست ثابتة بالضرورة، وأن دوافع العمال وتصوراتهم عن النجاح والرجولة يمكن أن تتغير مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية وطبيعة الوظائف المتاحة.

عمال في منشأة سينوفوس كريستينا ليك لاستخراج الرمال النفطية بالقرب من فورت ماكموري، ألبرتا، في أبريل 2024

ما الذي تعنيه النتائج للتحول إلى الطاقة النظيفة؟

تخلص الدراسة إلى أن السياسات الرامية إلى توسيع الوظائف الخضراء قد تحقق نتائج أفضل عندما تستجيب للاحتياجات الفعلية للعاملين، بدلًا من افتراض أن الالتزام البيئي هو الدافع المشترك لجميع من يعملون في هذه القطاعات.

ويشمل ذلك توفير أجور تنافسية، ومسارات تدريب واضحة، وظروف عمل آمنة، وفرص لتحقيق التوازن بين الحياة المهنية والأسرية، إلى جانب سياسات حكومية أكثر استقرارًا تقلل تقلبات الطلب على تقنيات الطاقة النظيفة.

وتظل الدراسة محدودة بنطاقها الجغرافي وعدد المشاركين وتركيزها على قطاعي الطاقة الشمسية والمضخات الحرارية في مقاطعة كولومبيا البريطانية؛ لذلك لا يمكن تعميم نتائجها تلقائيًا على جميع البلدان أو المهن الخضراء.

ومع ذلك، تقدم المقابلات مؤشرًا مهمًا إلى أن بناء قوة عاملة قادرة على دعم التحول في قطاع الطاقة يتطلب النظر إلى الوظيفة الخضراء باعتبارها مصدرًا للدخل والاستقرار والمهارة وجودة الحياة، إلى جانب دورها في خفض الأثر البيئي.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى