سجلت الطاقة المتجددة نموًا قياسيًا خلال عام 2025، مع إضافة 693 جيجاوات إلى قدرات توليد الكهرباء المتجددة عالميًا، في دفعة جديدة للتحول نحو الطاقة النظيفة، إلا أن هذا التوسع لا يزال بحاجة إلى التسارع حتى يتمكن العالم من تحقيق هدف مضاعفة قدرات الطاقة المتجددة ثلاث مرات بحلول عام 2030.
وبحسب تقرير صادر عن الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA)، ارتفعت القدرة العالمية للطاقة المتجددة بمقدار قياسي خلال العام الماضي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري ومواجهة تداعيات تغير المناخ وارتفاع الطلب العالمي على الطاقة.
ويأتي الإعلان عن هذه النتائج بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبعد صيف قياسي الحرارة في نصف الكرة الشمالي، في ظل استمرار تصاعد الآثار المرتبطة بتغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية.
693 جيجاوات في عام واحد
أضاف العالم 693 جيجاوات من قدرات الطاقة المتجددة الجديدة خلال 2025، وهو رقم يعكس التسارع الكبير في نشر مصادر الطاقة النظيفة.
وتشير البيانات إلى أن إجمالي القدرات المتجددة المركبة عالميًا وصل إلى نحو 5.15 تيراوات، مع استمرار الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في قيادة التوسع في قطاع الكهرباء النظيفة.
وتعادل التيراوات الواحدة ألف جيجاوات، ما يعني أن القدرات المتجددة العالمية أصبحت بالفعل عند مستويات ضخمة، إلا أن حجم الطلب على الطاقة يستلزم إضافة قدرات جديدة بوتيرة أسرع خلال السنوات المقبلة.
وكانت IRENA قد أشارت في تقييم سابق إلى أن تحقيق هدف مضاعفة قدرات الطاقة المتجددة ثلاث مرات بحلول 2030 يتطلب متوسط إضافات سنوية يقارب 1.044 تيراوات خلال الفترة من 2024 إلى 2030.
فجوة مستمرة أمام هدف 2030
يستهدف العالم الوصول إلى نحو 11.2 تيراوات من قدرات الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، في إطار الهدف العالمي المتفق عليه خلال مؤتمر المناخ COP28 في دبي عام 2023.
وإذا استمر معدل النمو المسجل في 2025، فقد تصل القدرات العالمية إلى نحو 10.6 تيراوات بحلول 2030، أي أقل بنحو 0.6 تيراوات من المستوى المستهدف.
ورغم استمرار الفجوة، فإنها تمثل تحسنًا مقارنة بالتقييم السابق، عندما قُدرت الفجوة بنحو 0.9 تيراوات.
وتكشف هذه الأرقام أن النمو في الطاقة المتجددة يتسارع، لكنه لا يزال بحاجة إلى مزيد من الاستثمار وتسريع مشروعات الشبكات والتخزين والكهربification حتى يتحول النمو في القدرات النظيفة إلى خفض أكبر في استهلاك الوقود الأحفوري.
الطاقة المتجددة تخفض فاتورة الوقود الأحفوري
قال سيمون ستيل، الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، إن التوسع العالمي في الطاقة المتجددة ساعد البشرية على تجنب ما يقرب من نصف تريليون دولار من تكاليف الوقود الأحفوري.
ووصف ستيل هذه الوفورات بأنها عائد كبير من جهود إزالة الكربون، مشيرًا إلى أن حجمها يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لأكثر من ثلاثة أرباع دول العالم، وفق ما نقلته وكالة فرانس برس.
كما أشار إلى أن قوى السوق تلعب دورًا متزايدًا في دفع التحول نحو الطاقة النظيفة، مع استمرار انخفاض تكاليف تقنيات الطاقة المتجددة مقارنة بالعديد من مصادر توليد الكهرباء التقليدية.
الشمس والرياح والتخزين في قلب التحول
أظهر التقرير أن مصادر الطاقة المتجددة ظلت من أكثر الخيارات تنافسية من حيث التكلفة لإضافة قدرات جديدة لتوليد الكهرباء في العديد من الأسواق خلال 2025.
لكن زيادة القدرات وحدها لا تكفي لضمان إمدادات كهرباء مستقرة على مدار الساعة، وهو ما يضع شبكات الكهرباء وأنظمة تخزين الطاقة في قلب المرحلة المقبلة من التحول.
وتوصي التقارير الدولية بتسريع تحديث شبكات الكهرباء، إلى جانب الجمع بين الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات، بما يسمح بتوفير كهرباء منخفضة التكلفة وأكثر استقرارًا على مدار اليوم.
كما يمثل تحسين كفاءة استخدام الطاقة أحد العناصر الأساسية المطلوبة لتقليل الضغط على منظومات الطاقة.
الطلب المتزايد يهدد بإبطاء التحول
رغم الطفرة الكبيرة في الطاقة المتجددة، لا تزال هناك فجوة بين سرعة إضافة القدرات النظيفة وبين نمو الطلب العالمي على الطاقة.
وقال ديفيد واسكو، مدير المبادرة الدولية للمناخ في معهد الموارد العالمية، إن الزيادة في الطاقة المتجددة لم تصل بعد إلى المستوى الكافي لإزاحة كميات أكبر من الوقود الأحفوري، في ظل استمرار نمو الطلب العالمي على الطاقة.
وأشار إلى أن زيادة الطلب على التبريد في عالم أكثر سخونة، إلى جانب الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، أصبحت من أبرز المحركات لزيادة استهلاك الطاقة.
وتضيف مراكز البيانات المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي ضغطًا جديدًا على شبكات الكهرباء، خصوصًا مع التوسع السريع في البنية التحتية للحوسبة، بينما يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة الطلب على أجهزة التكييف والتبريد.
الوقود الأحفوري لا يزال حاضرًا بقوة
تكشف بيانات أحدث مراجعة إحصاءات الطاقة العالمية لعام 2026 الصادرة عن معهد الطاقة أن الطلب العالمي على الطاقة واصل الارتفاع في 2025، مع تسجيل جميع مصادر الطاقة الرئيسية مستويات قياسية جديدة للعام الثاني على التوالي.
وفي المقابل، أصبحت الطاقة المتجددة أكبر مصدر لنمو إجمالي إمدادات الطاقة لأول مرة خارج سنوات الركود، بينما ساهمت الطاقة الشمسية وحدها بنحو 71% من الزيادة في الطاقة المتجددة. كما ارتفع توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية عالميًا بنسبة 30% خلال 2025، وفق المعهد.
وتوضح هذه البيانات أن التحول العالمي في قطاع الطاقة يتقدم بالفعل، لكن التوسع في الطاقة النظيفة لا يعني تلقائيًا تراجع استخدام الوقود الأحفوري؛ إذ يمكن أن تؤدي زيادة الطلب على الطاقة إلى استيعاب جزء كبير من القدرات المتجددة الجديدة.
المعركة المقبلة ليست فقط إضافة الطاقة النظيفة
وتشير الصورة العالمية إلى أن التحدي خلال السنوات المقبلة لن يتمثل فقط في بناء المزيد من محطات الطاقة الشمسية والرياح، وإنما في بناء منظومة متكاملة تشمل الشبكات الكهربائية، والتخزين، وكفاءة الطاقة، والكهربification، وإدارة الطلب.
وبحسب معهد الطاقة، ارتفع إجمالي إمدادات الطاقة عالميًا بنسبة 1.7% في 2025، بينما كانت الطاقة المتجددة أكبر مساهم في نمو الإمدادات لأول مرة خارج فترات الركود.
وبذلك، فإن تحقيق هدف 2030 يتطلب ليس فقط الحفاظ على معدل التوسع القياسي الذي تحقق في 2025، بل رفع وتيرته، بالتوازي مع الحد من نمو استهلاك الوقود الأحفوري وتحسين كفاءة استخدام الطاقة.
فالسباق العالمي لم يعد يتعلق فقط بمدى سرعة بناء قدرات الطاقة المتجددة، وإنما بقدرة هذه القدرات على تلبية الطلب المتزايد على الطاقة وإحلال الوقود الأحفوري فعليًا داخل منظومة الطاقة العالمية.
