علماء يكشفون سرًا جديدًا للشيخوخة الصحية.. الجينات وحدها لا تصنع ذاكرة قوية
بعض كبار السن يحتفظون بقدرات عقلية تعادل أشخاصًا أصغر بـ25 عامًا
كشفت دراسة علمية حديثة أن الاحتفاظ بذاكرة قوية في سن الثمانين وما بعدها لا يمكن تفسيره فقط بانخفاض الاستعداد الوراثي للإصابة بمرض ألزهايمر، ما يشير إلى وجود عوامل بيولوجية وسلوكية أخرى تساعد بعض الأشخاص على الحفاظ على قدراتهم العقلية لعقود أطول من المعتاد.
ونُشرت الدراسة في دورية Alzheimer’s Research & Therapy، وتوصل الباحثون إلى أن بعض كبار السن يستطيعون تذكر المعلومات بالكفاءة نفسها التي يتمتع بها أشخاص أصغر منهم بنحو ربع قرن، رغم امتلاك بعضهم عوامل وراثية ترتبط عادة بزيادة خطر الإصابة بألزهايمر.

من هم أصحاب الذاكرة الاستثنائية؟
ركزت الدراسة على فئة من كبار السن يطلق عليهم الباحثون اسم أصحاب الشيخوخة الإدراكية الاستثنائية، وهم أشخاص تجاوزوا الثمانين من العمر، لكن أداءهم في اختبارات الذاكرة يماثل أداء أشخاص أصحاء في أواخر الخمسينيات أو أوائل الستينيات.
وقد بدأ الاهتمام بهذه الفئة منذ عام 2008، عندما لاحظ الباحثون أن بعض المسنين يحتفظون بقدرات مدهشة على تذكر الكلمات والأحداث رغم تقدمهم الكبير في العمر.

اختبار بسيط يكشف قوة الذاكرة
اعتمدت الدراسة على اختبار معروف لقياس الذاكرة قصيرة وطويلة المدى، ففي البداية يقرأ الباحث على المشارك 15 كلمة غير مترابطة، ثم يطلب منه أداء مجموعة من المهام الذهنية الأخرى لإحداث فترة فاصلة.
وبعد انتهاء هذه المهام، يُطلب من المشارك تذكر أكبر عدد ممكن من الكلمات التي سمعها في البداية.
وعادةً ما يستطيع معظم الأشخاص في الثمانينيات من العمر تذكر عدد محدود من الكلمات، بينما يتمكن أصحاب الذاكرة الاستثنائية من استرجاع تسع كلمات أو أكثر، وهو مستوى يقارب أداء أشخاص تقل أعمارهم بنحو 25 عامًا.

هل السر في الجينات؟
كان الاعتقاد السائد أن هؤلاء الأشخاص يتمتعون ببساطة بجينات تحميهم من الإصابة بمرض ألزهايمر.
ولو ثبت ذلك، لأصبح من الممكن تحديدهم عبر تحليل الحمض النووي فقط، دون الحاجة إلى اختبارات إدراكية معقدة، لكن الباحثين أرادوا اختبار هذه الفرضية بصورة مباشرة.
دراسة شملت أكثر من 230 مسنًا
حلل الفريق البحثي بيانات 231 شخصًا تجاوزوا الثمانين عامًا، بينهم:
142 شخصًا يتمتعون بذاكرة استثنائية، 89 شخصًا من كبار السن بقدرات إدراكية طبيعية تناسب أعمارهم.
وكان جميع المشاركين خالين من أي علامات سريرية للخرف أو التدهور الإدراكي، وجُمعت عينات الدم بين عامي 2013 و2025، ثم أُجري تحليل وراثي شامل لمقارنة المجموعتين.

ماذا فحص العلماء؟
ركزت الدراسة على أشهر الجينات المرتبطة بزيادة خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، إضافة إلى تقييم آلاف المتغيرات الوراثية الصغيرة التي تُستخدم لتقدير الاستعداد الوراثي للإصابة بالمرض.
كما راعى الباحثون الاختلافات في الأصول الوراثية للمشاركين لمعرفة ما إذا كانت النتائج تختلف بين المجموعات السكانية المختلفة.
وكان السؤال الرئيسي: هل انخفاض الخطر الوراثي للإصابة بألزهايمر هو السبب الحقيقي وراء الذاكرة الاستثنائية؟
النتيجة المفاجئة.. لا توجد ميزة وراثية واضحة
أظهرت النتائج أن أصحاب الذاكرة الاستثنائية لم يمتلكوا أفضلية وراثية واضحة مقارنة بالمجموعة الأخرى.
فلم تظهر فروق ذات دلالة إحصائية في أكثر الجينات ارتباطًا بمرض ألزهايمر، كما لم تختلف نتائج مؤشرات الخطر الوراثي التي تجمع تأثير آلاف المتغيرات الجينية.
وبعبارة أخرى، فإن انخفاض الاستعداد الوراثي للإصابة بألزهايمر لا يفسر وحده سبب احتفاظ هؤلاء الأشخاص بذاكرة قوية.

بعضهم يحمل جينات عالية الخطورة
ومن أكثر النتائج إثارة للاهتمام أن عددًا من أصحاب الذاكرة الاستثنائية كانوا يحملون متغيرات وراثية ترتبط بزيادة كبيرة في خطر الإصابة بألزهايمر.
ورغم ذلك، حافظوا على أداء ممتاز في اختبارات الذاكرة، وهو ما يشير إلى وجود عوامل وقائية قوية استطاعت التغلب على التأثير الوراثي.
ويرى الباحثون أن دراسة هذه الحالات قد تساعد مستقبلًا في اكتشاف آليات جديدة لحماية الدماغ من التدهور.
ألزهايمر والذاكرة الاستثنائية ليسا وجهين لعملة واحدة
تؤكد الدراسة أن تجنب الإصابة بمرض ألزهايمر لا يعني بالضرورة امتلاك ذاكرة استثنائية، فالعوامل الوراثية التي تقلل خطر الإصابة بالخرف قد تساعد الإنسان على الوصول إلى عمر متقدم دون مرض، لكنها لا تفسر لماذا يحتفظ بعض الأشخاص بقدرات عقلية تفوق أقرانهم بشكل كبير.
ولهذا يدعو الباحثون إلى تحويل الاهتمام من البحث عن عوامل الخطر إلى البحث عن عوامل الحماية التي تمنح الدماغ قدرة أكبر على مقاومة الشيخوخة.

نمط الحياة قد يكون مفتاحًا مهمًا
رغم أن الدراسة لم تختبر تأثير العادات اليومية بصورة مباشرة، فإن الباحثين أشاروا إلى وجود أدلة متزايدة على أن عدة عوامل قد تسهم في الحفاظ على صحة الدماغ، من بينها:
- ممارسة النشاط البدني بانتظام.
- الحفاظ على صحة القلب والأوعية الدموية.
- الحصول على نوم جيد ومنتظم.
- المشاركة في الأنشطة الاجتماعية.
- الاستمرار في التعلم وتنشيط القدرات الذهنية طوال الحياة.
وأكد الباحثون أن هذه العوامل لا تمثل وصفة مؤكدة حتى الآن، لكنها تعد من أكثر الجوانب التي تدعمها الأدلة العلمية الحالية.
للدراسة حدود يجب الانتباه إليها
أوضح الفريق البحثي أن الدراسة لا تقدم إجابة نهائية، لعدة أسباب، أهمها:
- العدد المحدود نسبيًا للمشاركين، ما قد يمنع اكتشاف تأثيرات وراثية صغيرة.
- الاعتماد على تقييم المشاركين في نقطة زمنية واحدة، دون متابعة تطور حالتهم مع مرور السنوات.
تركيز مؤشرات الخطر الوراثي الحالية على بيانات مستمدة في معظمها من أشخاص ذوي أصول أوروبية، وهو ما قد يقلل دقتها لدى مجموعات سكانية أخرى.
عدم تحليل تأثير العوامل الصحية ونمط الحياة أو الأمراض المزمنة ضمن هذه الدراسة.

المرحلة المقبلة.. البحث عن أسرار حماية الدماغ
يعمل الباحثون حاليًا على مشروع أوسع يجمع بين اختبارات الذاكرة، وتصوير الدماغ، وتحليل المؤشرات الحيوية في الدم، ودراسة الجهاز المناعي، ومراقبة النوم والنشاط البدني، إضافة إلى تقييم العوامل النفسية والاجتماعية.
ويأمل الفريق أن يساعد هذا النهج المتكامل في اكتشاف أسباب احتفاظ بعض الأشخاص بقدرات عقلية استثنائية حتى بعد الثمانين، بما قد يفتح الباب مستقبلًا لتطوير استراتيجيات تحافظ على صحة الدماغ وتؤخر التدهور الإدراكي لدى كبار السن.





