نجحت الصين خلال العقدين الماضيين في التحول إلى أكبر منتج ومصدر للسيارات الكهربائية في العالم، متجاوزة القوى التقليدية في صناعة السيارات مثل ألمانيا واليابان والولايات المتحدة، في إنجاز لم يتحقق بفضل الدعم الحكومي وحده، بل نتيجة استراتيجية صناعية طويلة الأمد جمعت بين المنافسة المحلية والابتكار والتكامل في سلاسل التوريد.
وبحسب تحليل نشره موقع The Conversation، فإن الصين لم تكتف بقيادة مبيعات السيارات الكهربائية، بل أصبحت أيضًا المنتج الأكبر عالميًا للبطاريات القابلة لإعادة الشحن، التي تمثل العنصر الأكثر أهمية في صناعة المركبات الكهربائية.
استثمارات ضخمة.. لكنها ليست السبب الوحيد
بين عامي 2009 و2022، قدمت الحكومة الصينية أكثر من 41 مليار دولار أسترالي في صورة دعم مالي وإعفاءات ضريبية لتعزيز إنتاج السيارات الكهربائية والحافلات وسيارات الأجرة الكهربائية.
لكن الدراسة تؤكد أن هذه الحوافز كانت مجرد نقطة البداية، إذ نجحت بكين في بناء منظومة صناعية متكاملة تشجع المنافسة بين الشركات المحلية، وتسهم في تسريع الإنتاج وتعزيز الابتكار.
كما هدفت الصين من خلال هذه السياسة إلى تقليل اعتمادها على واردات النفط، إلى جانب تعزيز موقعها في الصناعات المستقبلية ضمن استراتيجية وطنية لخفض الانبعاثات الكربونية أُطلقت عام 2020.
أرقام تعكس الهيمنة
تشير الدراسة إلى أن أكثر من 50% من السيارات الجديدة المباعة في الصين خلال عام 2025 كانت سيارات كهربائية أو هجينة قابلة للشحن.
كما تواصل السيارات الصينية توسعها في الأسواق العالمية، مدفوعة بانخفاض الأسعار وتحسن الجودة.
ففي المملكة المتحدة، شكلت السيارات الكهربائية أكثر من 30% من مبيعات السيارات الجديدة خلال عام 2025، بينما تجاوزت النسبة 95% في النرويج، إحدى أكثر الدول اعتمادًا على المركبات الكهربائية.
وفي أستراليا، وصلت السيارات الكهربائية إلى ما يقرب من 30% من مبيعات السيارات الجديدة في يونيو 2026، كما تجاوزت الصين اليابان لتصبح أكبر مصدر للسيارات الجديدة إلى السوق الأسترالية لأول مرة منذ نحو ثلاثة عقود.
منافسة قاسية أطاحت بمعظم الشركات
في ذروة طفرة السيارات الكهربائية، دخل أكثر من 500 شركة السوق الصينية، مستفيدة من التمويل الحكومي والاستثمارات المحلية.
لكن مع تقليص الدعم الحكومي، واجهت الشركات منافسة شرسة، أدت إلى خروج نحو 90% من الشركات من السوق.
وترى الدراسة أن هذه المنافسة القاسية أسهمت في بقاء الشركات الأكثر كفاءة وقدرة على الابتكار، ما عزز قوة القطاع على المدى الطويل.
ثلاث شركات تجسد قصة النجاح
– BYD من البطاريات إلى الصدارة العالمية
بدأت شركة BYD عملها في تصنيع البطاريات، ثم دخلت صناعة السيارات عام 2003 بعد الاستحواذ على شركة سيارات مملوكة للدولة.
واليوم أصبحت واحدة من أكبر شركات السيارات الكهربائية عالميًا، بفضل سيطرتها على معظم حلقات سلسلة التوريد، بدءًا من البطاريات والإلكترونيات وحتى منصات السيارات وعمليات الشحن والنقل.
وتشير الدراسة إلى أن الشركة أصبحت قادرة على إنتاج سيارة واحدة كل 52 ثانية، فيما سلمت نحو 4.5 مليون سيارة حول العالم خلال عام 2025.
– Geely الاستفادة من الخبرات العالمية
بدأت Geely نشاطها في تصنيع أجزاء الثلاجات قبل أن تنتقل إلى الدراجات النارية، ثم السيارات.
واعتمدت في تطوير سياراتها الكهربائية على الخبرات الهندسية لشركة Volvo، التي تمتلكها، إلى جانب علامتها الكهربائية الفاخرة Zeekr .
– Xiaomi من الهواتف إلى السيارات الذكية
دخلت شركة Xiaomi سوق السيارات الكهربائية عام 2024، مستفيدة من خبرتها الطويلة في البرمجيات والهواتف الذكية والأجهزة المنزلية المتصلة، لتقدم سيارات تعتمد على التكامل بين البرمجيات والأنظمة الذكية.
سر آخر.. التجمعات الصناعية
توضح الدراسةـ أن أحد أهم عوامل نجاح الصين يتمثل في المجمعات الصناعية الإقليمية، حيث تتكامل الصناعات المختلفة داخل مناطق متخصصة.
فعلى سبيل المثال، تستفيد شركات السيارات في دلتا نهر اللؤلؤ من خبرة مدينة شنتشن في الإلكترونيات، ومن القاعدة الصناعية العريقة لصناعة السيارات في قوانغتشو، ما يسمح بالانتقال السريع من التصميم إلى الإنتاج التجاري.
تحديات جديدة أمام الصناعة الصينية
رغم النمو السريع، تواجه شركات السيارات الكهربائية الصينية ضغوطًا متزايدة، أبرزها:
- تشبع السوق المحلية.
- انخفاض هوامش الأرباح.
- تراجع إنفاق المستهلكين داخل الصين.
وتشير الدراسة إلى أن إنفاق المشترين الصينيين على السيارات انخفض بنحو 13% خلال النصف الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وهو أكبر تراجع بين السلع الاستهلاكية الرئيسية.
لذلك أصبحت الأسواق الخارجية ضرورة اقتصادية، وليست مجرد فرصة للتوسع.
هل يكفي السعر المنخفض؟
ترى الدراسة أن النجاح العالمي المستقبلي للشركات الصينية لن يعتمد على الأسعار التنافسية وحدها، بل أيضًا على مجموعة من العوامل، منها:
- الرسوم الجمركية.
- أمن البيانات.
- معايير البطاريات.
- انتشار البنية التحتية لمحطات الشحن.
- القيمة عند إعادة البيع.
- ثقة المستهلكين.
- توصيات للدول المستوردة
تخلص الدراسة إلى أن الدول التي تعتمد على السيارات الكهربائية الصينية ينبغي ألا تكتفي بالاستفادة من انخفاض أسعارها، بل تعمل أيضًا على:
- تعزيز معايير أمن البيانات.
- تشديد معايير السلامة.
- تطوير أنظمة إعادة تدوير البطاريات.
- توسيع شبكات شحن السيارات الكهربائية.
وتؤكد أن هذه الخطوات ستضمن تحقيق أهداف خفض الانبعاثات دون الوقوع في تحديات تتعلق بالبنية التحتية أو إدارة التقنيات الجديدة.
