قد تحمل الطرق المبتلة بعد هطول الأمطار خطرًا صحيًا غير متوقع، إذ تشير دراسة أمريكية جديدة إلى احتمال انتقال بكتيريا «ليجيونيلا» (Legionella) المسببة لمرض الفيلقية عبر رذاذ المياه الذي تثيره السيارات أثناء القيادة على الطرق المبللة.
وتأتي هذه الفرضية في وقت ارتفعت فيه حالات مرض الفيلقية، وهو شكل خطير من الالتهاب الرئوي، بأكثر من 6 مرات في الولايات المتحدة بين عامي 1999 و2019، قبل أن تتراجع بصورة مفاجئة خلال عام 2020، بالتزامن مع انخفاض حركة السيارات بسبب جائحة كورونا.
لكن الدراسة لا تثبت أن الطرق هي مصدر العدوى، إذ لم يأخذ الباحثون عينات من الطرق أو رذاذ السيارات، ولم يتتبعوا مسار العدوى لدى المرضى. وبدلًا من ذلك، بنى الباحث شيانج ي. هان من مركز إم دي أندرسون للسرطان بجامعة تكساس نموذجًا جمع بين بيانات الإصابات ودرجات الحرارة والأمطار وأشعة الشمس وحركة المرور على مدار أكثر من عقدين.
وتشير نتائج النموذج إلى أن رذاذ الطرق المبتلة قد يمثل مسارًا مهمًا لانتقال البكتيريا من التربة إلى الإنسان، وهي فرضية تستحق مزيدًا من الاختبار الميداني.
6 أضعاف خلال عقدين
حلل الباحث جميع الحالات المسجلة في سجلات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة، وبلغ عددها 98,212 حالة بين عامي 1999 و2021.
وقبل جائحة كورونا، ارتفع معدل الإصابة، بعد ضبط تأثير شيخوخة السكان، من 0.40 حالة لكل 100 ألف شخص عام 1999 إلى 2.37 حالة لكل 100 ألف عام 2019.
لكن عام 2020 حمل تحولًا لافتًا.
فمع القيود المرتبطة بالجائحة وانخفاض حركة السيارات، قاد الأمريكيون نحو 2.9 تريليون ميل خلال العام، مقابل 3.26 تريليون ميل في 2019.
وفي الفترة نفسها، تراجع معدل الإصابة بمرض الفيلقية إلى 1.67 حالة لكل 100 ألف شخص، مقارنة بالمعدل الذي كان يمكن توقعه وفق الاتجاه السابق.
وعندما عادت حركة المرور إلى الارتفاع في 2021، ارتفع معدل الإصابة مرة أخرى إلى 2.21 حالة لكل 100 ألف شخص.
ويرى هان أن التزامن بين انخفاض حركة السيارات وتراجع الحالات كان من أكثر النتائج إثارة للاهتمام في الدراسة.
لماذا ترتبط البكتيريا بالطقس الدافئ؟
تعيش بكتيريا Legionella في البيئات المائية والتربة، وتزدهر في درجات حرارة تتراوح تقريبًا بين 25 و42 درجة مئوية.
وهذا يجعل ارتفاع درجات الحرارة عاملًا مهمًا في قدرتها على البقاء والتكاثر.
وتشير الدراسة إلى أن جميع السنوات منذ 1997 كانت أكثر دفئًا من متوسط الولايات المتحدة خلال الفترة المرجعية 1895–1994، بينما كانت الفترة من 2012 إلى 2021 الأكثر دفئًا على الإطلاق خلال سجل الدراسة، بمتوسط يزيد بنحو 1.1 درجة مئوية على خط الأساس.
وكانت فصول الشتاء من أكثر الفصول تغيرًا؛ إذ بلغ متوسط درجات الحرارة بين نوفمبر وأبريل خلال الفترة 1995–2021 نحو 1.05 درجة مئوية أعلى من المتوسط التاريخي.
ويفترض هان أن الشتاء الأكثر دفئًا قد يسمح ببقاء كمية أكبر من البكتيريا في البيئة، بحيث تبدأ الموسم التالي بأعداد أكبر.
ولم يكن متوسط درجة حرارة عام واحد هو أفضل مؤشر على تغير الإصابات، بل كان تراكم السنوات الدافئة أكثر ارتباطًا بمعدل الحالات.
الأمطار تدخل المعادلة
لم ترتبط الحالات بالحرارة وحدها.
فالتغيرات السنوية في الإصابات تحركت أيضًا مع كمية الأمطار.
في عام 2003، ارتفعت الحالات من 1321 إلى 2232 إصابة، بالتزامن مع زيادة كبيرة في الأمطار في ولايات وسط المحيط الأطلسي، تراوحت بين 23% و77% مقارنة بالعام السابق.
أما عام 2012، الذي كان آنذاك الأكثر حرارة في السجل الأمريكي، فقد شهد جفافًا شديدًا وانخفاضًا في الأمطار بنحو 7.6% عن المعدل الطبيعي، وتراجعت الحالات في الولايات الشرقية من 3577 إلى 2947 حالة.
وتظهر أشعة الشمس عاملًا معاكسًا.
فالأشعة فوق البنفسجية يمكن أن تقتل بكتيريا Legionella، ولذلك وجد النموذج أن الأشهر التي تتمتع بمستويات أعلى من الأشعة فوق البنفسجية سجلت حالات أقل بعد أخذ درجة الحرارة في الاعتبار.
وقد يساعد ذلك في تفسير استمرار ظهور بعض الإصابات حتى وقت متأخر من الخريف، عندما تضعف أشعة الشمس بينما تظل التربة رطبة ودافئة نسبيًا.
كيف يمكن أن تصل البكتيريا إلى الطريق؟
هنا تظهر الفرضية الأكثر إثارة في الدراسة.
يشير البحث إلى أن بكتيريا Legionella يمكن أن توجد في التربة على أعماق تتراوح تقريبًا بين 15 و60 سنتيمترًا، بالقرب من جذور النباتات، حيث تكون أقل تعرضًا لأشعة الشمس.
وعندما تهطل الأمطار الغزيرة وتشبع التربة بالمياه، يمكن أن تنتقل البكتيريا إلى الطبقات السطحية، ثم تحملها مياه الجريان السطحي إلى الطرق.
وعندما تمر السيارات فوق الطرق المبتلة، يمكن أن يؤدي احتكاك الإطارات بحركة المياه إلى تكوين رذاذ دقيق.
ووجدت أبحاث سابقة بكتيريا حية من Legionella في مياه الأمطار المتجمعة على أسطح الطرق، كما أظهرت دراسات أخرى أن أنظمة تهوية السيارات يمكن أن تسحب جزءًا من رذاذ الطريق إلى داخل السيارة.
وبناءً على نموذج الدراسة الجديدة، قدّر هان أن 80% إلى 85% من حالات مرض الفيلقية في الولايات المتحدة يمكن أن تكون مرتبطة بالتعرض لبكتيريا مصدرها التربة عبر الطرق المبتلة أثناء القيادة.
لكن هذه النسبة يجب التعامل معها بحذر شديد.
فهي تقدير مستخلص من النموذج وليس عددًا لحالات ثبت انتقالها بالفعل من طريق أو سيارة إلى مريض.
لماذا يصعب معرفة مصدر العدوى؟
تكمن إحدى مشكلات مرض الفيلقية في أن مصدر العدوى غالبًا ما يكون مجهولًا.
في بعض حالات التفشي، يستطيع المحققون تحديد مصدر واضح مثل أحواض المياه الساخنة أو أبراج التبريد.
لكن نحو 95% من الحالات الأمريكية في السنوات الأخيرة كانت إصابات فردية لا ترتبط بتفشٍ معروف، ما يجعل تحديد مصدر البكتيريا أكثر صعوبة.
وهذا تحديدًا ما حاول هان تفسيره من خلال دراسة العلاقة بين الإصابات والعوامل البيئية وحركة المرور.
ويشير الباحث إلى أن نحو 8000 من أصل 9933 حالة مسجلة عام 2018 يمكن أن تنطبق عليها فرضية التعرض المرتبط بالطرق وفق حسابات النموذج.
لكن مرة أخرى، هذه ليست حالات جرى تتبعها مخبريًا إلى الطريق.
ما الذي فاجأ الباحث؟
لم يكن انخفاض الإصابات خلال جائحة كورونا هو النتيجة الوحيدة التي أثارت انتباه الباحث.
فقد أشار هان أيضًا إلى أن ثبات تأثير الحرارة والأمطار وحركة المرور عبر الولايات الأمريكية المختلفة كان من النتائج اللافتة.
وهذا الاتساق دفعه إلى النظر إلى هذه العوامل باعتبارها أجزاء مترابطة من سلسلة بيئية محتملة.
فالحرارة قد تساعد البكتيريا على البقاء والنمو، والأمطار قد تحركها من التربة، بينما توفر حركة السيارات احتمالًا لتحويل المياه الملوثة على الطرق إلى رذاذ قابل للاستنشاق.
لكن هذه السلسلة ما تزال بحاجة إلى إثبات تجريبي مباشر.
تغير المناخ قد يزيد المخاطر؟
تكتسب هذه الفرضية أهمية أكبر مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط هطول الأمطار.
فإذا كانت الظروف الأكثر دفئًا ورطوبة تساعد بكتيريا Legionella على البقاء، فإن تغير المناخ قد يغير بدوره البيئة التي تتحرك فيها هذه البكتيريا.
ولا يعني ذلك أن تغير المناخ هو السبب المباشر لكل زيادة في مرض الفيلقية، لكنه قد يصبح عاملًا يزيد ملاءمة الظروف البيئية لبقاء البكتيريا وانتشارها.
وتشير الدراسة إلى أن أعداد الحالات ظلت عند مستويات تقارب 8000 إصابة سنويًا بعد انتهاء الفترة التي شملها التحليل، مع استمرار الاحترار وتغير الأمطار.
هل ارتداء الكمامة داخل السيارة يحمي؟
طرح هان توصية احترازية للأشخاص الأكثر عرضة للمضاعفات، خصوصًا كبار السن والأشخاص الذين يعانون أمراضًا في الرئة أو السكري أو السرطان أو ضعف جهاز المناعة.
وقال إن ارتداء الكمامة أثناء القيادة أو ركوب السيارة خلال هطول الأمطار أو بعده قد يقلل، من وجهة نظره، التعرض لرذاذ الطرق المحتوي على بكتيريا مصدرها التربة.
لكن هناك نقطة مهمة: الدراسة نفسها لم تختبر ما إذا كانت الكمامة داخل السيارة تقلل بالفعل خطر الإصابة بمرض الفيلقية.
لذلك تظل هذه النصيحة في الوقت الحالي توصية احترازية صادرة عن الباحث، وليست نتيجة سريرية مثبتة بالتجارب.
ما الذي نعرفه وما الذي لا نعرفه؟
الدراسة تقدم رابطًا إحصائيًا مثيرًا للاهتمام بين أربعة عوامل: الحرارة، والأمطار، وأشعة الشمس، وحركة المرور، وبين تغير معدلات مرض الفيلقية في الولايات المتحدة.
لكنها لا تثبت بمفردها أن السيارة التي تسير على طريق مبلل تلتقط بكتيريا من التربة وتنقلها مباشرة إلى رئة الإنسان.
ولإثبات ذلك، يحتاج الباحثون إلى خطوة إضافية تشمل أخذ عينات من الطرق والمياه المتجمعة عليها ورذاذ السيارات، ثم تحديد وجود البكتيريا الحية، ومقارنة سلالاتها بما يوجد لدى المرضى.
وهذه الخطوة ستكون حاسمة لتحويل الفرضية من علاقة إحصائية محتملة إلى مسار عدوى مثبت.
ومع ذلك، تفتح النتائج بابًا جديدًا لفهم الحالات الفردية التي يصعب تحديد مصدرها، خصوصًا مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار.
فما يبدو للعين مجرد رذاذ سيارة على طريق مبلل قد يكون، وفق الفرضية الجديدة، جزءًا من سلسلة بيئية أكثر تعقيدًا تبدأ في التربة وتنتهي في الجهاز التنفسي للإنسان.
ونُشرت الدراسة كاملة في دورية PLOS Global Public Health.
