يُعد الشحن السريع أحد أهم العوامل التي جعلت السيارات الكهربائية أكثر عملية، إذ يحول فترات التوقف الطويلة إلى استراحات قصيرة لا تتجاوز احتساء فنجان قهوة.
لكن هذه السرعة جاءت دائما على حساب عمر البطارية، بسبب الضغط الحراري والكيميائي الذي تتعرض له أثناء الشحن.
الآن، يقول باحثون، إنهم طوروا نظاما جديدا يعتمد على الذكاء الاصطناعي يمكنه حل هذه المعضلة، عبر تعديل عملية الشحن لحظيا وفقا لحالة البطارية نفسها، ما يساعد على إطالة عمرها دون زيادة ملحوظة في زمن الشحن.
ووفقا لدراسة أجراها باحثون من Chalmers University of Technology وVictoria University of Wellington، فقد نجح النظام في زيادة عمر البطارية بنحو 23% مقارنة بطرق الشحن التقليدية.
ونُشرت الدراسة في دورية IEEE Transactions on Transportation Electrification العلمية.

كيف يتسبب الشحن السريع في تلف البطاريات؟
تعتمد السيارات الكهربائية الحديثة على بطاريات يتراوح عمرها عادة بين 8 و15 عاما، بحسب طريقة الاستخدام ونمط الشحن.
وعند استخدام الشحن السريع، يتم ضخ تيار كهربائي قوي داخل خلايا البطارية خلال وقت قصير، ما يؤدي إلى ارتفاع الحرارة وحدوث تفاعلات كيميائية تسرّع من تدهور البطارية مع الوقت.
ومن أخطر هذه المشكلات ظاهرة تُعرف باسم “ترسيب الليثيوم”، حيث تتراكم ذرات الليثيوم المعدنية على سطح الأقطاب بدلا من اندماجها بشكل طبيعي داخل بنية البطارية.
ومع مرور الوقت، يؤدي هذا التراكم إلى تقليل سعة البطارية وظهور بنى غير مستقرة داخلها، وقد يزيد في الحالات الشديدة من خطر حدوث قصر كهربائي.
وقال الباحث مينج يوان، المشارك في الدراسة، إن خطر ترسيب الليثيوم “يزداد مع تقدم عمر البطارية”، موضحا أن أنظمة الشحن الحالية تتعامل مع البطاريات الجديدة والقديمة بالطريقة نفسها، رغم اختلاف حالتها الداخلية.

الذكاء الاصطناعي يتعلم أفضل طريقة للشحن
يعتمد النظام الجديد على تقنية “التعلم المعزز”، وهي أحد أساليب الذكاء الاصطناعي التي تتعلم من خلال المكافآت والعقوبات.
وخلال التدريب، جرى مكافأة النظام عندما ينجح في تحقيق توازن بين سرعة الشحن وتقليل الأضرار الكيميائية داخل البطارية.
ويقوم الذكاء الاصطناعي بتحليل مستوى شحن البطارية ودرجة تآكلها لحظة بلحظة، ثم يضبط التيار الكهربائي بشكل مستمر، بدلا من الاعتماد على نمط ثابت للشحن كما يحدث حاليا.
وقال يوان: “أثبتنا أنه يمكن الشحن بسرعة قريبة جدا من السرعات الحالية، لكن مع تقليل كبير في التدهور طويل الأمد للبطارية”.

فوائد اقتصادية وبيئية
ويرى الباحثون أن إطالة عمر البطاريات قد تقلل تكاليف الضمان على شركات السيارات، كما قد ترفع من قيمة السيارات الكهربائية المستعملة بفضل زيادة الثقة في حالة البطارية.
كذلك، فإن تقليل الحاجة إلى استبدال البطاريات يخفف الطلب على معادن مثل الليثيوم والنيكل والكوبالت، وهي مواد مرتفعة التكلفة وتتطلب عمليات تعدين كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وقال الباحث تشانجفو زو ، إن زيادة عمر البطارية بنسبة تقارب 23% “قد تعني خفض تكاليف الضمان وتحسين قيمة إعادة البيع، إضافة إلى استخدام أكثر كفاءة للمواد الخام الحيوية”.
كما يحمل الابتكار بعدا بيئيا مهما، إذ إن تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية ينتج كميات كبيرة من الانبعاثات الكربونية، وبالتالي فإن إطالة عمر البطارية يساعد على توزيع هذه الانبعاثات على فترة استخدام أطول.

تحديثات برمجية بدلا من تغيير البطاريات
ومن أبرز مزايا التقنية الجديدة أنها قد لا تتطلب تغييرات جذرية في تصميم البطاريات أو محطات الشحن.
وأوضح الباحثون، أن النظام يمكن دمجه مستقبلا عبر تحديثات برمجية لأنظمة إدارة البطاريات الحالية، ما يسهل اعتماده على نطاق واسع.
وأشار زو إلى أن أنواع البطاريات الحالية ليست كثيرة، لكن التقنية تحتاج إلى معايرة خاصة لكل نوع، لافتا إلى إمكانية استخدام “التعلم بالنقل” لتكييف النموذج الذكي بسرعة مع بطاريات جديدة.

خطوة نحو مستقبل السيارات الكهربائية
ويخطط الفريق البحثي لاختبار التقنية على بطاريات حقيقية خارج نطاق المحاكاة الحاسوبية خلال المرحلة المقبلة.
وإذا أثبتت الاختبارات نجاحها، فقد تظهر هذه التقنية في الجيل القادم من السيارات الكهربائية، وربما تصل أيضا إلى بعض الطرازات الحالية عبر تحديثات برمجية.
ويرى الباحثون أن الجمع بين الشحن السريع وإطالة عمر البطاريات قد يزيل واحدة من أبرز المخاوف التي تمنع بعض المستهلكين من التحول إلى السيارات الكهربائية.
وأكد يوان، أن “الانتقال إلى مجتمع منخفض الانبعاثات يتطلب تشجيع الناس على استخدام السيارات الكهربائية، وإمكانية الشحن السريع مع الحفاظ على عمر البطارية تمثل عاملا حاسما لتحقيق ذلك”.





