لم يعد تغير المناخ يفرض تحدياته على الزراعة والطاقة والسياحة فقط، بل بدأ يعيد رسم واحدة من أكثر الصناعات ارتباطًا بتعاقب الفصول: صناعة الأزياء.
ففي باريس، حيث تتزامن عروض الأزياء مع إطلاق مجموعات الخريف والشتاء، كشفت درجات الحرارة المرتفعة خلال أكتوبر عن فجوة متزايدة بين تقويم الموضة التقليدي والطقس الفعلي الذي يعيشه المستهلكون.
ووصلت درجات الحرارة في العاصمة الفرنسية إلى نحو 28 درجة مئوية، بينما كانت دور الأزياء تعرض مجموعات جديدة يفترض أن تتناسب مع موسم الخريف والطقس الأكثر برودة.
النتيجة لم تكن مجرد مفارقة لافتة في شوارع باريس، حيث ظهر السياح ومرتادو عروض الأزياء بملابس صيفية، بينما كانت إعلانات دور الأزياء تروج لمعاطف الفراء والملابس الثقيلة؛ بل باتت تمثل مشكلة تجارية حقيقية لصناعة تعتمد على توقيت شراء الملابس الموسمية.
صيف أطول.. وموسم الشتاء يتراجع
لطالما اعتمدت صناعة الأزياء على دورة موسمية واضحة: إطلاق الملابس الخريفية والشتوية مع بداية انخفاض درجات الحرارة، ثم ارتفاع الطلب تدريجيًا على المعاطف والسترات والملابس الثقيلة.
لكن ارتفاع درجات الحرارة وتأخر برودة الخريف يهددان هذه المعادلة.
ويؤدي استمرار الطقس الدافئ إلى تأجيل المستهلكين شراء الملابس الشتوية، وهو ما قد يترك المتاجر أمام كميات أكبر من المخزون غير المباع، لتضطر لاحقًا إلى تقديم خصومات واسعة للتخلص منه.
وقال استشاري قطاع التجزئة باو ألمار، الذي عمل سابقًا لمدة عقد في شركة زارا، إن صناعة الأزياء بأكملها مطالبة بإدراك أن تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة يعنيان أن موعد بيع المعاطف قد أصبح متأخرًا عن المعتاد.
باريس تكشف الفجوة بين الموضة والطقس
ظهرت هذه المفارقة بوضوح خلال أسبوع الموضة في باريس.
ففي العادة، يرتدي ضيوف عروض مجموعات الربيع والصيف، التي تقام في نهاية سبتمبر، ملابس الخريف والشتاء التي تكون قد وصلت حديثًا إلى المتاجر.
لكن المشهد كان مختلفًا هذا العام.
مع وصول الحرارة إلى 28 درجة مئوية، اختار كثير من الحضور قمصانًا بلا أكمام وتنانير قصيرة، بدلًا من الملابس الخريفية التي طرحتها دور الأزياء حديثًا.
وخلال عرض لويس فويتون، كانت المعاطف أقل حضورًا من المعتاد، في مشهد يعكس بصورة مباشرة تأثير الطقس على سلوك المستهلكين.

وقالت إحدى ضيفات العرض، سوزي باكلي وودوارد، إنها لم تصدق أن باريس في أكتوبر، وإنها كانت تتمنى لو أحضرت معها بعض ملابسها الصيفية من ميامي.
وأضافت أن موظف المبيعات عرض عليها عددًا كبيرًا من المعاطف لحضور العرض، لكنها رأت أن شراء معطف في ظل هذا الطقس قد لا يكون منطقيًا.
تغير المناخ يدخل غرفة تصميم الأزياء
ولا يقتصر التأثير على المتاجر والمستهلكين، بل وصل إلى طاولات تصميم الملابس نفسها.
فمصمم الملابس النسائية في لويس فويتون، نيكولا غيسكيير، قال إن موجات الحر القياسية التي شهدتها أوروبا كان لها تأثير قوي على مجموعته الجديدة.
وجاءت التصميمات بأقمشة رقيقة وتكوينات أكثر انفتاحًا وتهوية، في محاولة للاستجابة إلى عالم ترتفع فيه درجات الحرارة بصورة متزايدة.
وقال غيسكيير إن التركيز أصبح على ابتكار ملابس تشبه ملابس السباحة تقريبًا، وتعمل كأنها طبقة ثانية من الجلد.
وهكذا يتحول المناخ من عامل خارجي يؤثر على مبيعات الأزياء إلى عنصر يدخل مباشرة في عملية التصميم والابتكار.
الملابس الخريفية تتحول إلى عبء على المتاجر
المشكلة أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى شركات الأزياء واسعة الانتشار.
فمع دخول الخريف، تبدأ المتاجر عادة في سحب القمصان والملابس الصيفية تدريجيًا وإفساح مساحة للسترات والملابس المحبوكة والمعاطف.
لكن إذا استمر الطقس الدافئ، فإن هذه الملابس قد تظل على الرفوف لفترة أطول دون أن تجد طلبًا كافيًا.
وهنا تظهر مشكلة المخزون.
فالملابس الشتوية الثقيلة تحتاج إلى توقيت دقيق في طرحها وبيعها، وأي تأخير في الطلب يمكن أن يدفع الشركات إلى اللجوء للخصومات لتصريف المنتجات قبل نهاية الموسم.
وقال ألمار إن تجار التجزئة سيكونون مضطرين إلى التكيف مع بيع عدد أقل من المعاطف الثقيلة، ومزيد من الملابس الانتقالية التي تصلح للفترات التي تفصل بين الصيف والشتاء.

أزمة مناخية تضغط على هوامش الأرباح
المشكلة ليست في حجم المبيعات فقط، وإنما في نوع المنتجات التي يتم بيعها.
فالملابس الخارجية والمعاطف عادة ما تحقق هوامش ربح أعلى، وبالتالي فإن تراجع الطلب عليها يمكن أن يضغط بصورة مباشرة على أرباح شركات التجزئة.
كما أن استمرار الطقس الدافئ قد يدفع المستهلكين إلى تأجيل شراء ملابس الشتاء حتى نهاية نوفمبر، عندما تبدأ عروض بلاك فرايداي والخصومات الموسمية.
وبذلك يمكن أن يتحول تغير موعد الشتاء من ظاهرة مناخية إلى خسارة اقتصادية مباشرة بالنسبة لصناعة الأزياء.
«هل هذا خريف وشتاء؟»
خلال عرض أزياء هيرميس، قالت مؤثرتا الموضة سنيهل وجيوتي باباني إن الطقس أصبح هو العامل الذي يحدد ملابسهما، وليس تقويم الموضة.
وقالت سنيهل: «هل هذا حقًا خريف وشتاء؟».
وأضافت أن استمرار ارتفاع حرارة الصيف سيجعل الحدود بين الربيع والصيف والخريف والشتاء أكثر ضبابية.
وهذه النقطة ربما تكون الأهم بالنسبة لصناعة الأزياء في السنوات المقبلة: المشكلة ليست في موسم واحد أكثر دفئًا، بل في احتمال تغير القاعدة المناخية التي بُني عليها التقويم التجاري للصناعة بأكملها.
فإذا أصبح الخريف أكثر دفئًا، وتأخر الشتاء، وطال الصيف، فإن شركات الأزياء لن تكون مطالبة فقط بتغيير تصميماتها، بل بإعادة التفكير في مواعيد الإنتاج، وحجم المخزون، وتوقيت طرح المنتجات، واستراتيجيات التسعير والتخفيضات.
وفي باريس، لم تكن الملابس الصيفية التي ارتداها الزوار في أكتوبر مجرد اختيار شخصي؛ بل بدت كإشارة إلى أن المناخ بدأ يفرض تقويمًا جديدًا على الموضة، أسرع من قدرة الصناعة على التكيف معه.





