أخبارالسياحة

«همسات الجماجم» تكشف سرًا عمره 5 آلاف عام.. هل قتل المصريون القدماء أفراد الحاشية لمرافقة الملوك إلى العالم الآخر؟

عظام عمرها 5 آلاف عام تعيد فتح لغز التضحية بالبشر في أبيدوس.. إصابات قاتلة تكشف ما أخطأ فيه علماء الآثار قبل قرن

أعادت دراسة علمية حديثة فحص واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ مصر القديمة، وهي حقيقة ما حدث للأشخاص الذين دُفنوا في المقابر الفرعية المحيطة بمجمعات الدفن الملكية في أم القعاب بأبيدوس خلال الأسرة الأولى، بعدما كشفت تحليلات حديثة لرفات عمرها نحو 5 آلاف عام عن أدلة على إصابات وقعت قرب وقت الوفاة في عدد كبير من الجماجم المحفوظة.

الدراسة، التي أعدتها روزالين أ. كامبل من قسم الأنثروبولوجيا بجامعة بوردو الأمريكية، وأُنشرت في دورية Frontiers in Environmental Archaeology، تعيد تقييم مجموعة من البقايا البشرية التي جرى التنقيب عنها قبل أكثر من قرن، وتوضح كيف يمكن للتطور الكبير في علوم الأنثروبولوجيا الحيوية والطب الشرعي وعلم تحلل الجثث أن يغير فهم الباحثين لاستنتاجات علماء الآثار الأوائل.

وتشير النتائج إلى وجود إصابات حول وقت الوفاة (Perimortem trauma) في 18 جمجمة من أصل 46 جمجمة محفوظة، أي نحو 39% من العينة، وهو ما يقدم دليلًا جديدًا على أن عددًا من الأشخاص المدفونين في هذه المقابر تعرضوا لعنف قاتل أو يحتمل أن يكون قاتلًا.

أبيدوس.. مقابر غامضة حول ملوك الأسرة الأولى
أبيدوس.. مقابر غامضة حول ملوك الأسرة الأولى

أبيدوس.. مقابر غامضة حول ملوك الأسرة الأولى

تعود المقابر محل الدراسة إلى مجمعات الدفن الملكية في أم القعاب بأبيدوس، وترجع إلى عصر الأسرة الأولى، نحو 3078–2900 قبل الميلاد.

وفي هذه المنطقة، دُفن أحيانًا مئات الأشخاص في مقابر فرعية حول مقابر الحكام والمنشآت الجنائزية المرتبطة بهم. وكان هؤلاء يُعتقد أنهم من أفراد الحاشية الملكية وموظفين وحرفيين وأشخاص مرتبطين بالبلاط الملكي.

وضمت بعض المقابر أدوات نحاسية وأواني حجرية وفخارية وسكاكين من الصوان وأمشاطًا من العاج تحمل أسماء ملوك، كما حمل بعضها لوحات جنائزية تتضمن أسماء المدفونين وألقابهم.

ومنذ اكتشاف هذه المقابر، انقسم الباحثون حول تفسيرها: هل مات أصحابها طبيعيًا ثم دُفنوا بالقرب من الملك؟ أم أنهم قُتلوا عمدًا لمرافقة الحاكم إلى العالم الآخر وخدمته بعد وفاته؟

وكان عالم الآثار البريطاني فليندرز بيتري، الذي نقب في أبيدوس، من أبرز من اعتقدوا أن هذه المدافن تمثل نوعًا من «التضحية بأفراد الحاشية»، رغم أنه لم يجد في ذلك الوقت دليلًا واضحًا على إصابات قاتلة في الهياكل العظمية.

ماذا وجد بيتري قبل قرن؟

عندما نُقبت هذه المقابر في أوائل القرن العشرين، لم تكن الأنثروبولوجيا الحيوية قد تطورت بعد باعتبارها تخصصًا مستقلًا داخل علم الآثار والأنثروبولوجيا.

وكان تحليل الرفات البشرية غالبًا يُترك لأطباء، حتى إن كانوا أصحاب خبرة كبيرة، لكن أدوات دراسة العظام الجافة وأساليب تحديد الإصابات وتوقيت حدوثها كانت محدودة للغاية مقارنة بما هو متاح اليوم.

وسجل بيتري أن بعض المدفونين لم تظهر على رفاتهم علامات واضحة لإصابات قاتلة، لكنه ظل يرى أن العدد الكبير من المقابر التي أُغلقت في فترة واحدة يصعب تفسيره بمجرد الوفيات الطبيعية المتعاقبة.

كما ذهب إلى احتمال أن بعض الأشخاص ربما دُفنوا أحياء، مستندًا إلى أوضاع غير معتادة لبعض الجثامين، مثل الأذرع الممدودة أو الركبة المرتفعة.

لكن الدراسة الجديدة تعيد النظر في هذه الاستنتاجات من خلال أدوات لم تكن متاحة لعلماء الآثار قبل قرن.

18 جمجمة تحمل آثار إصابات حول وقت الوفاة

فحصت كامبل 46 جمجمة محفوظة في مجموعة دكوورث التابعة لمركز ليفرهولم لدراسات التطور البشري في جامعة كامبريدج، وهي جماجم تعود إلى مقابر فرعية مرتبطة بمجمعات دفن ملوك مثل دجر وجت ومرنيث.

وكانت النتيجة الأبرز العثور على أدلة على إصابات وقعت حول وقت الوفاة في 18 جمجمة، بنسبة 39%.

وكان النوع الأكثر شيوعًا هو الكسور الخطية في قبو الجمجمة، كما ظهرت بعض الإصابات الناتجة عن قوة حادة، بينها إصابة نافذة في جانب الرأس وإصابة قطع قرب العين.

وهنا تتغير الصورة القديمة التي قدمها بيتري؛ فغياب الدليل عن العنف في التحليل القديم لا يعني بالضرورة غياب العنف نفسه.

18 جمجمة تحمل آثار إصابات حول وقت الوفاة
18 جمجمة تحمل آثار إصابات حول وقت الوفاة

ربما رأى بيتري الإصابات.. لكنه لم يعرف كيف يفسرها

من أكثر النقاط إثارة في الدراسة أن الباحثة لا تستبعد أن يكون بيتري نفسه قد لاحظ بعض الكسور.

فقد استخدم بيتري شمع البارافين لتثبيت الجماجم الهشة قبل نقلها، وتظهر بقايا الشمع في عدد من الجماجم حول مناطق الكسور.

وترى الدراسة أن ذلك قد يشير إلى أن بيتري لاحظ بالفعل وجود مناطق متصدعة أو ضعيفة في العظام، لكنه لم يكن يمتلك المعرفة الحديثة اللازمة للتمييز بين الإصابات التي حدثت قرب الوفاة والأضرار التي لحقت بالعظام بعد الموت نتيجة عمليات الدفن والتحلل والضغط البيئي.

وهذه النقطة تكشف أهمية إعادة فحص ما يسمى في علم الآثار بـ**«المجموعات القديمة»**؛ أي الرفات والقطع الأثرية التي جرى اكتشافها وتحليلها قبل عقود أو قرون، ثم ظلت نتائج الدراسات الأولى تتكرر باعتبارها حقائق مستقرة.

هل قُتل أصحاب هذه الجماجم فعلًا؟

الدراسة لا تقدم إجابة مبسطة تقول إن جميع المدفونين قُتلوا، ولا تزعم أن كل إصابة كانت بالضرورة سبب الوفاة.

فالكسور المصنفة على أنها حدثت حول وقت الوفاة قد تكون وقعت قبل الموت مباشرة أو أثناءه أو بعده بفترة قصيرة، لأن العظام تحتفظ لبعض الوقت بخصائصها المرنة بعد الوفاة.

ولهذا تؤكد الباحثة أن وجود الإصابة حول وقت الوفاة لا يكفي وحده لإثبات أن الإصابة كانت سبب الموت.

لكن في المقابل، لا توجد أدلة تسمح أيضًا بالقول إن الإصابات حدثت حتمًا بعد الوفاة.

وهنا تكمن أهمية النتائج: فهي تجعل فرضية العنف والقتل أكثر حضورًا في تفسير هذه المدافن مما كانت عليه في الدراسات القديمة.

لماذا لا تتطابق الإصابات مع مشهد «الصولجان الملكي»؟

قد يبدو من السهل ربط الإصابات المكتشفة بالمشهد المصري القديم الشهير الذي يظهر فيه الملك وهو يرفع صولجانًا لضرب أحد أعدائه.

لكن الدراسة تستبعد أن يكون هذا التفسير هو الأفضل لحالة جماجم أبيدوس.

فالضرب بصولجان حجري ثقيل يُتوقع أن يترك كسورًا غائرة في الجمجمة، بينما كانت الإصابات الأكثر شيوعًا في العينة عبارة عن كسور خطية.

وتشير الدراسات التجريبية في الطب الشرعي إلى أن الكسور الخطية من هذا النوع ترتبط عادة بضربات بأجسام عريضة ومسطحة، يمكن أن تكون مصنوعة من الخشب أو مواد أخرى أخف من الحجر.

كما أن مشاهد «ضرب الأعداء» في الفن المصري القديم كانت مرتبطة أساسًا بانتصار الملك على أعدائه، وليس بتصوير قتل أفراد من حاشيته أو رعاياه.

لذلك، لا تقدم الدراسة دليلًا على أن الأشخاص المدفونين في أبيدوس قُتلوا بالطريقة الرمزية التي تظهر في مشاهد الصولجان الملكي.

«هل دُفنوا أحياء؟».. الدراسة تعيد النظر في فرضية بيتري

من أكثر الاستنتاجات إثارة للجدل التي طرحها بيتري أن بعض الأشخاص ربما دُفنوا أحياء، بعد أن لاحظ أوضاعًا بدت له وكأنها تشير إلى محاولة للحركة بعد الدفن.

لكن علم التحلل الحديث يقدم تفسيرات أخرى لهذه الأوضاع.

فالجسد لا يبقى ثابتًا بالضرورة بعد الوفاة، ويمكن لعمليات التحلل وحركة الأنسجة والعظام، وطريقة ملء المقبرة، والظروف البيئية، أن تغير وضع الأطراف.

وتشير الدراسة إلى أن بعض الأوضاع التي اعتبرها بيتري دليلًا على محاولة أشخاص أحياء الحركة داخل القبر يمكن تفسيرها أيضًا بطريقة وضع الجثامين أو إلقائها داخل المقابر، أو بالحركة التي حدثت أثناء عملية التحلل.

كما أن بعض العظام الصغيرة في اليدين والقدمين بقيت في حالة من الترابط، وهو ما يدعم فكرة أن المدافن كانت مواقع الدفن الأصلية للأفراد، وليس بالضرورة أنهم دُفنوا في أماكن أخرى ثم نُقلت أجسادهم لاحقًا.

لماذا كانت المقابر الفرعية مهمة؟

لم يكن جميع المدفونين متساوين في المكانة الاجتماعية بالضرورة.

وتشير الدراسة إلى وجود اختلافات في حجم المقابر ونوعية وكميات الأدوات الجنائزية، كما تكشف بعض اللوحات والأدوات عن وجود موظفين وحرفيين وأشخاص يشغلون وظائف مختلفة في البلاط.

وتعيد الدراسة أيضًا النظر في التفسير القديم الذي وضع هؤلاء الأشخاص جميعًا ضمن ما كان يسمى «حريم الملك».

وترى الباحثة أن استخدام مفهوم «الحريم» في هذا السياق إشكالي؛ إذ لا توجد أدلة كافية تثبت أن النساء المدفونات في هذه المقابر كن زوجات أو محظيات للملك.

كما أن الألقاب المحفوظة على اللوحات الجنائزية تشير في الغالب إلى موظفين ومسؤولين من مستويات مختلفة وحرفيين، بينما لا تظهر، في المواد المحفوظة، ألقاب رفيعة مثل «زوجة الملك» أو الوزير أو أبناء الملك بصورة بارزة.

وتشير تحليلات سابقة إلى وجود رجال ونساء بين المدفونين، مع قلة الأطفال وكبار السن، وهي تركيبة تتفق بصورة أكبر مع وجود إداريين وموظفين في البلاط الملكي.

حتى الحالة الصحية تكشف اختلافات اجتماعية

لم تتوقف إعادة التحليل عند الإصابات.

فقد استخدم باحثون سابقون علامات الإجهاد أثناء الطفولة، ومنها التحجر الحجاجي (cribra orbitalia) وفرط التعظم المسامي، لمحاولة فهم الظروف الصحية والاجتماعية للأشخاص المدفونين.

وأظهرت إحدى الدراسات أن الأشخاص المدفونين حول المنشآت الجنائزية عانوا في طفولتهم مستويات أقل من الإجهاد الفسيولوجي مقارنة بمن دُفنوا حول المقابر الملكية.

وتعقد هذه النتائج الصورة القديمة التي افترضت ببساطة أن المدفونين حول المقابر الملكية كانوا بالضرورة أعلى مكانة اجتماعية.

فالظروف الصحية في الطفولة لا تعكس بالضرورة المكانة الاجتماعية التي وصل إليها الشخص في مرحلة البلوغ، كما أن بعض خدم القصر ربما جرى اختيارهم من أسر منخفضة الدخل، في حين أن أشخاصًا من أسر أعلى مكانة قد يكونون حصلوا على رعاية أفضل خلال طفولتهم، ما ساعدهم على البقاء حتى مرحلة البلوغ.

لماذا لا تزال الأدلة غير حاسمة؟

رغم أهمية النتائج، تؤكد الدراسة وجود قيود كبيرة على إعادة بناء القصة.

فالجماجم المحفوظة لا تمثل سوى نحو 5% إلى 15% من إجمالي المدفونين في كل مجمع جنائزي، كما أن معظم عظام بقية الجسم فُقدت.

وتعرضت بعض الرفات للتلف أثناء عمليات النقل، كما غُطيت جماجم أخرى بطبقات كثيفة من البارافين أخفت بعض تفاصيلها.

وبالتالي، لا يمكن اعتبار العينة الحالية ممثلة بالضرورة لجميع الأشخاص الذين دُفنوا في المقابر الفرعية.

كما أن غياب عظام بقية الجسم يجعل من الصعب تحديد الجنس والعمر وبعض الأمراض والإصابات الأخرى بدقة، ويمنع في كثير من الحالات إعادة ربط الجماجم بعظام الأجساد التي دُفنت معها أصلًا.

من أبيدوس إلى أور.. العظام تغير الرواية القديمة

أبيدوس ليست المثال الوحيد على قدرة العلوم الحديثة على تغيير تفسير اكتشافات أثرية قديمة.

ففي أور ببلاد الرافدين، فسّر عالم الآثار ليونارد وولي في البداية أوضاع عدد من الأشخاص المدفونين في المقابر الملكية باعتبارها جزءًا من مشهد جنائزي، واقترح أن بعضهم ربما تناول السم ومات بهدوء لمرافقة الحاكم إلى العالم الآخر.

لكن تحليلات حديثة باستخدام التصوير المقطعي كشفت أن بعض هؤلاء الأشخاص تعرضوا لإصابات شديدة في الرأس، بما يشير إلى قتل متعمد.

وتقدم هذه المقارنة مثالًا واضحًا على أن الرفات البشرية قد تحتفظ بمعلومات لا تظهر بالعين المجردة، وأن تطور تقنيات التصوير والطب الشرعي يمكن أن يقلب تفسيرًا أثريًا ظل قائمًا لعقود.

العظام القديمة ليست «ملفًا مغلقًا»

الخلاصة الأهم في دراسة أبيدوس لا تتمثل فقط في السؤال عما إذا كان أفراد الحاشية قد قُتلوا بالفعل لمرافقة ملوك الأسرة الأولى إلى العالم الآخر.

الأهم أن الدراسة تثبت أن النتائج الأثرية القديمة ليست بالضرورة نهاية القصة.

فحتى عالم آثار شديد الدقة مثل فليندرز بيتري كان يعمل بأدوات ومعارف علمية تنتمي إلى عصره، بينما أصبح لدى الباحثين اليوم فهم أكثر تطورًا للإصابات، والتحلل، وحركة الجسد بعد الوفاة، والاختلافات الصحية والاجتماعية، فضلًا عن تقنيات التصوير والتحليل الجنائي.

وفي حالة أبيدوس، تشير الأدلة الجديدة إلى أن فرضية التضحية بأفراد الحاشية لا يمكن استبعادها ببساطة، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح برسم سيناريو واحد مؤكد لكل حالات الوفاة.

وتفتح هذه النتائج الباب أمام إعادة فحص عدد كبير من مجموعات الرفات البشرية القديمة الموجودة في المتاحف والمخازن، ليس فقط في مصر، وإنما في مختلف المواقع الأثرية حول العالم.

فقد تكون بعض «الأسرار» التي ظلت مدفونة لآلاف السنين موجودة بالفعل في المتاحف أمام أعين الباحثين، لكنها تحتاج فقط إلى أن تُقرأ بأدوات علمية أكثر تقدمًا.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة