أخبارالسياحة

فيلا رومانية تضم نظام تدفئة وحمامًا محتملًا.. اكتشافات جديدة تكشف حياة الأثرياء في ويلز

اكتشافات أثرية تكشف مجتمعًا ثريًا وروابط تجارية في بريطانيا خلال العصر الروماني

قاد اكتشاف سبيكة رصاص رومانية تزن 63 كيلوجرامًا، عثر عليها أحد هواة الكشف عن المعادن عام 2019 بالقرب من مدينة ريكسهام في شمال ويلز ببريطانيا، إلى اكتشاف أول فيلا رومانية مؤكدة في المنطقة، لكن أعمال التنقيب الأثري التي أُجريت عام 2026 كشفت أن تاريخ الموقع أقدم من المبنى الروماني نفسه.

فقد عثر علماء الآثار على حجر كامل لطحن الحبوب في طبقة أرضية تقع أسفل الفيلا المشيدة بالحجارة، في اكتشاف يشير إلى وجود نشاط بشري سابق لبناء المجمع الروماني، دون أن تتضح حتى الآن طبيعة هذا النشاط أو الفترة الزمنية التي يعود إليها.

وأعلنت جامعة تشستر البريطانية هذا الاكتشاف في 5 أكتوبر 2026، موضحة أن أعمال التنقيب الأخيرة أضافت أدلة جديدة إلى فهم تاريخ الموقع وتطور استخدامه عبر الزمن.

اكتشافات جديدة تكشف حياة الأثرياء في ويلز

سبيكة رصاص تكشف سرًا أثريًا

عثر روب جونز، وهو هاوٍ للكشف عن المعادن من بلدة كودبوث، على السبيكة بالقرب من قرية روسيت، خارج مدينة ريكسهام، عام 2019. ويبلغ وزن القطعة نحو 63 كيلوجرامًا، وطولها قرابة نصف متر.

وتُعرف هذه السبائك باسم «الخنازير الرصاصية» (Lead Pigs)، وهي كتل من الرصاص المصهور تُصب في قوالب لتصبح جاهزة للمعالجة والاستخدامات اللاحقة.

وتحمل السبيكة اسم ماركوس تريبليوس ماكسيموس، الذي تولى منصب حاكم مقاطعة بريطانيا الرومانية بين عامي 63 و69 ميلاديًا، خلال حكم الإمبراطور نيرون.

ووفقًا للمعلومات التي نشرها مجلس ريكسهام، لم يُعثر في المملكة المتحدة على نقش آخر يحمل اسم هذا الحاكم.

وأبلغ جونز الجهات المختصة بالاكتشاف فور العثور عليه، من خلال مسؤول برنامج تسجيل الآثار المكتشفة بواسطة الأفراد في شمال شرق ويلز، الذي يعمل بالتعاون مع متحف ريكسهام.

وساعد الإبلاغ المبكر على توثيق الموقع الدقيق للعثور على السبيكة، قبل أن يقتنيها المتحف لاحقًا. وفي ديسمبر 2020، أعلن مجلس ريكسهام فوز جونز بجائزة مجلة «Searcher» لأهم اكتشاف أثري في ويلز.

وقال جونز إنه فوجئ بالاهتمام الدولي بالاكتشاف، بعدما شاهد منشورات تتحدث عنه في الولايات المتحدة وروسيا والنرويج.

مبانٍ رومانية تحت أحد الحقول في ويلز

لم تكن السبيكة الرصاصية الدليل الوحيد على الوجود الروماني في محيط روسيت، فقد عثر هواة الكشف عن المعادن في المنطقة على قطع أثرية رومانية أخرى، ما دفع متحف ريكسهام وجامعة تشستر ومؤسسة «Archaeological Survey West» إلى الإعلان عن اكتشاف الفيلا عام 2020.

وأظهرت المسوحات الجيوفيزيائية وجود مبانٍ مشيدة بالحجارة والطوب حول فناء مركزي، إلى جانب نظام من الحقول ومسار يمر بالقرب من المجمع.

كما أسفر فحص سطح الأرض بعد حرثها عن العثور على قطع أثرية يرجع تاريخها إلى الفترة الممتدة من أواخر القرن الأول الميلادي حتى أوائل القرن الرابع الميلادي، فيما أشارت أجزاء معمارية إلى احتمال وجود تجهيزات متطورة، من بينها أنظمة للتدفئة أسفل الأرضيات.

وقالت كارولين بودني، المحاضرة البارزة في علم الآثار بجامعة تشستر، عند الإعلان عن الاكتشاف الأول، إن التصورات السابقة عن المنطقة كانت تضع معظم السكان المحليين بالقرب من المنشآت العسكرية الرومانية أو في مزارع بسيطة تضم مساكن دائرية تعود إلى العصر الحديدي.

وأضافت أن اكتشاف الفيلا يطرح تساؤلات حول هذه الصورة التقليدية، ويشير إلى وجود نمط مختلف من الاستيطان والحياة في المنطقة.

وبدأت أولى عمليات التنقيب الميداني في الموقع خلال سبتمبر 2021، واستمرت ثلاثة أسابيع في منطقة بيرتون التابعة لقرية روسيت، بقيادة بودني وستيفن جرينتر من متحف ريكسهام.

وظهرت الجدران الحجرية بعد إزالة الطبقة السطحية من التربة بفترة قصيرة، كما عثر الفريق على عملة معدنية وجزء من زجاجة زجاجية وقطع فخارية.

اكتشافات جديدة تكشف حياة الأثرياء في ويلز
اكتشافات جديدة تكشف حياة الأثرياء في ويلز

تنقيب جديد يكشف نظام تدفئة رومانيًا

أُجريت حملة التنقيب الأحدث خلال الفترة من 29 أغسطس إلى 10 سبتمبر 2026، بدعم جزئي من حملة تمويل جماعي نظمتها مؤسسة «DigVentures» المتخصصة في مشروعات علم الآثار بمشاركة الجمهور، بالتعاون مع جامعة تشستر.

وشارك في الأعمال طلاب الجامعة وعلماء آثار محترفون ومتطوعون محليون، إلى جانب أشخاص ساهموا في تمويل الحملة.

وفتح الفريق منطقتين رئيسيتين للتنقيب.، ففي المنطقة الثالثة، عثر الباحثون على ما يُحتمل أنه موقد أو موقد تدفئة ذي سطح من الطين المحروق داخل أحد مباني الفيلا.

أما المنطقة الأولى، التي تقع على مسافة قصيرة، فكشفت عن نظام تدفئة روماني يُعرف باسم «الهيبوكوست» (Hypocaust)، وهو نظام يمرر الهواء الساخن أسفل الأرضيات لتدفئة الغرف، إلى جانب ما قد يكون حوضًا للغطس.

وقبيل انتهاء أعمال التنقيب، بدأ الفريق فحص جزء معماري مستدير يُعرف باسم «الحنيّة» (Apse)، وهو نهاية نصف دائرية لغرفة أو مبنى.

وعثر الباحثون داخله على قاعدة لمجموعة أخرى من الطوب، كانت تُستخدم على هيئة دعامات قصيرة لرفع الأرضية والسماح بمرور الهواء الساخن أسفلها.

وتشير هذه المكتشفات إلى أن بعض أجزاء المجمع لم تكن مجرد مبانٍ سكنية عادية، بل ربما تضمنت غرفًا مدفأة ومرافق للاستحمام، وهي تجهيزات ارتبطت في بريطانيا الرومانية بالمباني الأكثر تطورًا وثراءً.

حجر طحن الحبوب يكشف طبقة أقدم من الفيلا

كان أبرز اكتشاف في موسم التنقيب لعام 2026 العثور على حجر كامل لطحن الحبوب، يُعرف باسم «حجر الرحى» أو حجر الطحن اليدوي (Quern Stone)، في طبقة أرضية تعود إلى فترة سبقت تشييد الفيلا بالحجارة.

وقال بن سوين، مدير المشروع والمدير المشارك لموقع التنقيب في مؤسسة «DigVentures»، إن حجر الطحن يمثل أحد أهم اكتشافات الموسم، لأنه يؤكد أن الموقع شهد نشاطًا قبل بناء الفيلا الرومانية.

لكن الباحثين لم يحددوا حتى الآن تاريخ هذه الطبقة الأقدم بدقة، كما لم تتضح طبيعة المنشآت أو الأنشطة التي كانت موجودة فيها.

وأوضح سوين أن المبنى الرئيسي للفيلا لم يُنشأ دفعة واحدة، بل مر بمراحل بناء وتعديل متعاقبة، وهو ما ظهر في اختلاف ترتيب الجدران وتخطيطها داخل منطقتي التنقيب.

وفي المنطقة الثالثة، يحاول الفريق تحديد أقدم الجدران وتسلسل بنائها، بينما تشير الأدلة في المنطقة الأولى إلى احتمال وجود ثلاث مراحل معمارية، من بينها جدار لا يتوافق اتجاهه مع الجدران الأخرى.

كما احتفظ أحد المباني بأجزاء من الأرضيات الرومانية الأصلية وبقايا نظام التدفئة الأرضية، ما يتيح للباحثين دراسة كيفية استخدام المكان وتغير وظائفه عبر الزمن.

ويرجح سوين أن المبنى ربما استُخدم في إحدى مراحل تاريخه حمامًا، لكن هذا التفسير لا يزال بحاجة إلى ربط الأدلة المعمارية ببقية نتائج الدراسة.

اكتشافات جديدة تكشف حياة الأثرياء في ويلز

آثار تكشف الثراء والتجارة في بريطانيا الرومانية

تشمل المكتشفات التي عُثر عليها في الموقع قطعًا فخارية وعملات معدنية وعظام حيوانات ومواد بناء وأجزاء من الجص الملون المستخدم في تزيين الجدران.

كما أشارت بيانات نشرتها الجامعة إلى العثور على فخار مستورد ومواد بناء عالية الجودة، وهي أدلة تساعد على فهم طبيعة المجتمع الذي استخدم الفيلا وعلاقاته التجارية.

ويرى الباحثون أن هذه المكتشفات تتوافق مع وجود مجتمع ميسور الحال يرتبط بشبكات التجارة الأوسع في الإمبراطورية الرومانية.

فبناء غرف مدفأة وصيانتها، واستخدام الجص الملون، وتوفير تجهيزات معمارية متخصصة، كلها مؤشرات على توافر موارد اقتصادية تتجاوز احتياجات المعيشة الأساسية.

وتقع روسيت بين ريكسهام وتشستر، وهي المدينة التي أنشأ فيها الرومان حصنًا عسكريًا نحو عام 74 ميلاديًا.

وكانت الفيلات الرومانية في بريطانيا تتنوع بين مزارع بسيطة ومبانٍ أكثر تطورًا تضم أرضيات مزخرفة بالفسيفساء وحمامات وأنظمة تدفئة تحت الأرضيات.

ويكتسب اكتشاف روسيت أهمية إضافية لأن شمال ويلز يرتبط في السجل الأثري بدرجة كبيرة بالحصون والمنشآت العسكرية الرومانية، بينما يقدم هذا الموقع دليلًا على وجود مجمع ريفي أكثر تعقيدًا في المنطقة الغربية من بريطانيا الرومانية.

وسبق أن شهدت المنطقة اكتشافات أخرى تعكس حجم النشاط الروماني فيها، من بينها العثور في موقع آخر على ما يصل إلى 15 ألف قطعة نقدية رومانية داخل إناءين مدفونين.

اكتشافات جديدة تكشف حياة الأثرياء في ويلز

ماذا كان موجودًا قبل بناء الفيلا؟

انتقلت أعمال المشروع حاليًا إلى مرحلة ما بعد التنقيب، التي تشمل فحص القطع الأثرية والعينات البيئية وسجلات الموقع، تمهيدًا لإعداد تقرير علمي تعتزم جامعة تشستر إتاحته للجمهور.

ولا يزال الباحثون يحاولون تحديد طبيعة النشاط البشري الذي سبق بناء الفيلا، كما يسعون إلى معرفة ما إذا كانت أجزاء أخرى من المجمع المعماري لا تزال مدفونة ولم تصل إليها أعمال التنقيب.

وتشمل الأسئلة المفتوحة تحديد الامتداد الكامل للمباني، وطبيعة الجناح الغربي المحتمل، وما إذا كان المجمع يضم حمامًا متكاملًا.

وتشير معلومات المشروع أيضًا إلى وجود مبنى من العصور الوسطى ربما شُيد باستخدام حجارة رومانية أعيد توظيفها، مع احتمال أن يكون قد استُخدم كنيسة صغيرة.

وتتوقف خطط استكمال التنقيب في روسيت خلال عام 2027 على نتائج تحليل المكتشفات والسجلات الأثرية. كما تضمنت أهداف حملة التمويل إجراء مسوحات جيوفيزيائية وجوية لمواقع محتملة لفيلات رومانية أخرى في المنطقة.

وبعد سبع سنوات من اكتشاف سبيكة الرصاص التي قادت إلى الموقع، لا يزال السؤال الأبرز بلا إجابة نهائية: من استخدم هذه الأرض قبل تشييد الفيلا الرومانية، وما طبيعة النشاط الذي مارسه فيها؟

ومن المنتظر أن تساعد التحليلات الأثرية المقبلة على تحديد التسلسل الزمني للموقع، وتوضيح ما إذا كانت الطبقات الأقدم تمثل استيطانًا سابقًا للوجود الروماني أو نشاطًا آخر سبق إنشاء المجمع بالحجارة.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى