أخبارالسياحة

أسرار جديدة في مقبرة توت عنخ آمون.. هل تكشف الأشهر المقبلة مصير نفرتيتي؟

هل تكشف كاميرات دقيقة أسرار مقبرة توت عنخ آمون؟.. علماء يدرسون اختراق الجدار بحذر

تعود فرضية وجود غرف سرية خلف الجدران المزخرفة لمقبرة الملك توت عنخ آمون إلى واجهة الاهتمام الأثري، مع نشر مراجعة علمية لأعمال المسح الأثري والجيوفيزيائي التي أُجريت في المقبرة، بما يشمل تحقيقات نُفذت خلال عامي 2023 و2024، وأعادت طرح احتمال وجود تراكيب معمارية غير مكتشفة وراء حجرة الدفن.

 

وتكتسب الفرضية جانبًا أكثر إثارة بسبب احتمال ارتباط هذه المساحات، إن ثبت وجودها، بمقبرة الملكة نفرتيتي، زوجة إخناتون وزوجة أبي توت عنخ آمون، وفق التصور الذي طرحه بعض الباحثين، لكن الأدلة المتاحة حتى الآن لا تثبت وجود مقبرة نفرتيتي في الموقع، ولا تحسم حتى وجود غرف واسعة ومفتوحة خلف الجدار الشمالي للمقبرة.

 

مراجعة للأعمال الأثرية الجيوفيزيائية التي أُجريت في وحول مقبرة توت عنخ آمون (KV 62) منذ عام 2015، بما في ذلك موسمين نُفِّذا في 2023-2024 تحت إشراف الأستاذ الدكتور ممدوح الدماطي، وزير السياحة المصرية الأسبق.

 

وقال ممدوح الدماطي، في الدراسة التي تتألف الدراسة من ثلاثة أجزاء وتم نشرها بمجلة «نيتشر»، إن نتائج المسح تشير إلى احتمال وجود تراكيب مخفية وراء المقبرة المعروفة باسم KV62، ومن المتوقع أن يُبحث خلال الأشهر المقبلة قرار إجراء ثقب محدود في الجدار الشمالي، بما يسمح بإدخال كاميرات دقيقة لفحص ما قد يوجد خلفه، إذا أُقرت الخطوة وتوافرت الضمانات اللازمة لحماية الرسوم الجدارية.

غرف سرية خلف الجدران المزخرفة لمقبرة الملك توت عنخ آمون
غرف سرية خلف الجدران المزخرفة لمقبرة الملك توت عنخ آمون

ويظل هذا الإجراء المقترح نقطة تحول محتملة في مسار البحث؛ إذ يمكن أن ينقل القضية من تفسير المؤشرات غير المباشرة إلى المعاينة المباشرة، من دون أن يعني ذلك أن اكتشاف مقبرة ملكية أصبح وشيكًا أو أن هوية أي مدفون محتمل باتت معروفة.

 

الدراسة تمت بواسطة ممدوح الدماطي قائد المشروع، عباس محمد عباس، جورج بالارد، ونيكولاس ريفز بالتعاون مع جاد القاضي وعبد الحميد السبيشي، مصطفى أحمد علوان، وائل ر. جاويش، أحمد حنيش، محمد خليفة، محمد حسين محمود، هاني س.مصباح، معتز سيد، أيمن طه، يوميكو أوينو، وجيمس واي.

 

لماذا يُشتبه في وجود غرف خلف المقبرة؟

بدأت الفرضية قبل أكثر من عقد، عندما طرح عالم الآثار نيكولاس ريفز احتمال أن تكون مقبرة توت عنخ آمون جزءًا خارجيًا من مجمع دفن ملكي أكبر يعود إلى عصر العمارنة، خلال الفترة التقريبية بين 1350 و1325 قبل الميلاد.

 

واستند ريفز، ضمن ما استند إليه، إلى مؤشرات يعتقد أنها تظهر وجود فواصل تشبه حدود الأبواب في الجدار الشمالي لحجرة الدفن، إضافة إلى عناصر تصويرية ونقوش مطلية فوق أجزاء أخرى من المشهد الجداري.

وفسر هذه العلامات باعتبارها احتمالًا لوجود مدخل جرى إخفاؤه تحت الزخارف.

 

ويستند جانب من الفرضية إلى أن مقبرة توت عنخ آمون تبدو صغيرة بصورة غير معتادة مقارنة بما يُتوقع من مقبرة ملك فرعوني.

ويُعتقد على نطاق واسع أنها ربما كانت مقبرة خاصة جرى تعديلها على عجل لتناسب دفن الملك، الذي توفي في سن مبكرة.

لكن صغر المقبرة، أو وجود علامات معمارية محتملة في الجدار، لا يثبت وحده أنها امتداد لمقبرة أكبر. كما أن تحديد طبيعة المساحات المفترضة، إن وُجدت، يتطلب أدلة مستقلة تتجاوز التشابهات البصرية والتفسيرات التاريخية.

وتزداد أهمية المسألة لأن أي اختبار مباشر يجب أن يراعي القيمة الاستثنائية للمقبرة والرسوم التي تغطي جدرانها؛ فإحداث تلف في هذه الزخارف من أجل اختبار فرضية غير مؤكدة سيكون مخاطرة أثرية غير مقبولة.

ولهذا اتجه الباحثون إلى تقنيات المسح الجيوفيزيائي التي تسمح بدراسة ما وراء الجدران من دون إزالتها أو اختراقها.

غرف سرية خلف الجدران المزخرفة لمقبرة الملك توت عنخ آمون
غرف سرية خلف الجدران المزخرفة لمقبرة الملك توت عنخ آمون

الرادار الأرضي يبحث عمّا وراء الجدران

اعتمدت التحقيقات الأولى على تقنية الرادار المخترق للأرض، المعروفة اختصارًا باسم GPR، وهي تقنية ترسل نبضات كهرومغناطيسية إلى المواد المدروسة، ثم تحلل الإشارات المرتدة للكشف عن اختلافات قد ترتبط بتغيرات في التركيب أو الكثافة أو وجود فراغات.

 

استخدمت الدراسات الأولى ترددات منخفضة نسبيًا تراوحت أساسًا بين 400 و900 ميجاهرتز، وتمتاز هذه الترددات بقدرتها على اختراق الحجر الجيري إلى أعماق أكبر نسبيًا، لكن ذلك يأتي على حساب الدقة المكانية، أي القدرة على تمييز التفاصيل المعمارية الصغيرة.

 

وفي التحقيقات اللاحقة، اتسع نطاق الترددات المستخدمة ليصل إلى 3 جيجاهرتز، ما أتاح اختبار إمكانات الرادار ذي التردد الأعلى في تحديد التغيرات الدقيقة التي قد تشير إلى فاصل معماري أو مدخل خلف سطح الجدار.

ويرى الباحث الذي تناول هذه التحقيقات أن إعطاء أولوية خاصة للهوائيات الأعلى ترددًا كان يمكن أن يساعد في الإجابة عن سؤال أولي مهم: هل توجد بالفعل علامات واضحة على وجود فاصل يشبه حدود باب خلف الجدار الشمالي؟

فالترددات الأعلى تمنح عادة دقة أفضل في رصد التفاصيل القريبة من السطح، وإن كانت قدرتها على الاختراق أقل.

غير أن حماية الرسوم الجدارية فرضت قيدًا تقنيًا مهمًا؛ إذ لم يكن ممكنًا وضع هوائيات الرادار مباشرة على الأسطح المزخرفة، فبقيت مسافة هوائية بينها وبين الجدار.

وأدى هذا الفراغ إلى إضعاف انتقال الإشارة بين الهوائي والسطح، ما خفض جودة البيانات وزاد صعوبة تفسيرها.

وبالتالي، فإن عدم ظهور إشارة واضحة لا يعني بالضرورة عدم وجود أي تركيب معماري، لكنه في الوقت نفسه لا يُعد دليلًا على وجود غرفة خفية.

فالنتائج تتأثر بظروف القياس وطبيعة المواد ودقة الأجهزة وطريقة تفسير الإشارات.

قناع الملك توت عنخ آمون

قياسات الجاذبية تضيف وسيلة أخرى للتحقق

لم تقتصر التحقيقات الأحدث على الرادار، بل شملت أيضًا مسوحات للجاذبية الدقيقة أُجريت من أعلى المنطقة التي يُفترض أن المجمع المعماري قد يمتد إليها.

وتقيس هذه التقنية التغيرات الصغيرة للغاية في مجال الجاذبية الأرضية، التي قد تنتج عن اختلاف كثافة المواد الموجودة تحت سطح الأرض.

ويمكن أن تساعد هذه الفروق في رصد شذوذات جيوفيزيائية تشير إلى تغير في البنية الداخلية للصخور، لكنها لا تكشف بمفردها هوية أي غرفة أو الغرض الذي أُنشئت من أجله.

وتتميز قياسات الجاذبية بأنها لا تواجه مشكلة المسافة الهوائية بين هوائيات الرادار والجدار المزخرف بالطريقة نفسها، ومع ذلك، فإن تفسير نتائجها يظل مرتبطًا بطبيعة التراكيب المدفونة وخصائص الصخور المحيطة، ولا يتيح تحويل كل شذوذ إلى دليل قاطع على وجود حجرة أثرية.

 الملكة نفرتيتى
الملكة نفرتيتى

ووفق التقييم الذي تناولته الدراسة، لم تقدم نتائج الرادار وقياسات الجاذبية حتى الآن دليلًا لا لبس فيه على وجود غرفة كبيرة ومفتوحة مباشرة خلف الجدار الشمالي.

وللتوفيق بين فرضية الغرف الخفية وغياب الإشارات الواضحة إلى فراغات كبيرة، اقترح مؤيدو النظرية احتمال أن تكون الممرات أو الحجرات المفترضة قد رُدمت عمدًا بالأنقاض، ما قد يقلل من العلامات الجيوفيزيائية التي يتوقع الباحثون رصدها في حال وجود فراغ مفتوح.

هذا التفسير ممكن من الناحية النظرية ويستحق الاختبار، لكنه يظل احتمالًا يحتاج إلى أدلة، وليس حقيقة مثبتة يمكن الاستناد إليها لإعلان وجود غرف سرية.

 

هل يمكن أن تكون نفرتيتي مدفونة هناك؟

تنبع جاذبية الفرضية من احتمال ارتباط المساحات المفترضة بالملكة نفرتيتي، إحدى أبرز الشخصيات الملكية في مصر القديمة، التي اشتهرت عالميًا بالتمثال النصفي الملون الذي عُثر عليه في تل العمارنة عام 1912، ويُعرض اليوم في المتحف الجديد ببرلين.

لكن احتمال وجود غرف خلف مقبرة توت عنخ آمون، حتى لو تأكد، لا يعني تلقائيًا أنها تضم مقبرة نفرتيتي.

فهناك فرق جوهري بين إثبات وجود مساحة معمارية غير مكتشفة وبين تحديد وظيفتها وتاريخها وهوية من دُفن فيها.

 

ويتطلب إثبات ارتباط أي حجرة بنفرتيتي أدلة أثرية أكثر تحديدًا، مثل النقوش أو الأسماء الملكية أو اللقى الموجودة في سياقها الأصلي، إلى جانب تحليل التسلسل المعماري والتاريخي للموقع، ومن دون ذلك، تظل هوية المدفون المفترض غير محسومة.

وتعكس هذه المسألة تحديًا متكررًا في علم الآثار: كيف يمكن متابعة فرضية مثيرة من دون السماح للرغبة في اكتشاف استثنائي بأن تتقدم على ما تثبته البيانات؟

هوارد كارتر عام 1922 مع اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون

دروس من البحث عن مقبرة كليوباترا والإسكندر الأكبر

تقدم محاولات العثور على مقبرة كليوباترا في منطقة تابوزيريس ماجنا مثالًا على مخاطر المبالغة في تفسير المؤشرات الأثرية.

فقد عُرضت اكتشافات قبور تعرضت للنهب وقطع أثرية، فضلًا عن إعادة فحص نفق مائي تحت الأرض، في بعض التغطيات الإعلامية باعتبارها إشارات إلى اقتراب العثور على مقبرة الملكة.

لكن وجود قناة أو نفق يتوافق مع أنماط البنية التحتية الحضرية المتأثرة بالثقافة اليونانية لا يُعد دليلًا على وجود مدفن ملكي في المكان.

وفي المقابل، يوضح العمل الذي تقوده عالمة الآثار اليونانية كاليوب باباكوستا في الإسكندرية أهمية الجمع بين الحماس العلمي والالتزام بحدود الأدلة.

فقد عُثر في سياق حفرياتها على تمثال رخامي لمحارب شاب، ترى أنه قد يصور الإسكندر الأكبر، وهو تفسير يتسق، بحسب الباحث الذي استعرض التجربة، مع سمات مدرسة النحات ليسيبوس، نحات البلاط المرتبط بالإسكندر.

لكن التمثال عُثر عليه داخل طبقة ردم تعود إلى العصر الروماني، ما يعني أنه لم يبقَ في موضعه الأصلي، وهو ما يحد من قدرته على إثبات مكانه الأول أو ارتباطه المباشر بمقبرة الإسكندر.

مقبرة توت عنخ آمون في وادي الملوك خلال عشرينيات القرن الماضي

وتبرز هذه الحالة كيف يمكن لقطعة أثرية أن تحمل مؤشرات تستحق الدراسة، من دون أن تصبح وحدها دليلًا حاسمًا على موقع قبر تاريخي.

وينطبق المبدأ نفسه على مقبرة توت عنخ آمون: ينبغي اختبار كل مؤشر على حدة، مع الفصل بين ما تدعمه البيانات وما لا يزال افتراضًا.

مراجعة وتقييم أثري جيوفيزيائي لبنية وشكل مقبرة توت عنخ آمون
مراجعة وتقييم أثري جيوفيزيائي لبنية وشكل مقبرة توت عنخ آمون

اختبار مباشر قد يحسم جزءًا من الجدل

بعد سنوات من الاعتماد على الاستدلالات الجيوفيزيائية، يبرز اقتراح إجراء ثقب محدود في أحد المواضع التي أظهرت شذوذات، ثم إدخال كاميرات صغيرة لفحص ما وراء الجدار، باعتباره خطوة محتملة نحو التحقق المباشر.

وإذا حصل المشروع على الموافقات اللازمة، ونُفذ وفق ضوابط صارمة لحماية الأثر، فقد يوفر التصوير دليلًا أكثر مباشرة على طبيعة ما يوجد خلف الجدار، ويساعد في تحديد ما إذا كانت الإشارات المرصودة ترتبط بفراغ أو ممر أو اختلاف في بنية الحجر الجيري.

لكن حتى اكتشاف فراغ أو ممر لن يحسم وحده فرضية نفرتيتي؛ إذ ستظل هناك حاجة إلى فحص التركيب المكتشف وتاريخه ووظيفته وأي نقوش أو آثار مرتبطة به.

وقد تكون النتيجة وجود بنية معمارية لا صلة لها بمقبرة ملكية، أو قد لا تكشف المعاينة عن غرفة بالمعنى الذي يتوقعه مؤيدو النظرية.

مراجعة وتقييم أثري جيوفيزيائي لبنية وشكل مقبرة توت عنخ آمون
مراجعة وتقييم أثري جيوفيزيائي لبنية وشكل مقبرة توت عنخ آمون

ويصف الباحثون التحقيقات التي قادها الدماتي وزملاؤه بأنها من أشمل التقييمات العلمية التي تناولت هذه المسألة حتى الآن، ومع ذلك، فإن شمول الدراسة لا يعني أن الفرضية أصبحت مؤكدة، بل إن العمل يتيح تقييم الأدلة المتاحة بصورة أكثر منهجية وتحديد الخطوات اللازمة لاختبارها.

 

بين الاكتشاف العلمي والتوقعات الإعلامية

تجسد قضية الغرف الخفية خلف مقبرة توت عنخ آمون التوازن الدقيق بين طرح فرضيات جديدة والسعي إلى اختبارها من جهة، وبين تجنب الاستنتاجات المتسرعة من جهة أخرى.

 

فالأفكار التي تبدو غير مألوفة قد تقود أحيانًا إلى اكتشافات مهمة، لكن وجود احتمال مثير لا يغني عن الأدلة، كما أن غياب الدليل الحاسم لا يمنح الباحثين الحق في التعامل مع التوقعات باعتبارها نتائج مؤكدة.

 

حتى الآن، لا تزال الغرف الخفية فرضية قابلة للاختبار، وليست اكتشافًا أثريًا مكتملًا. أما احتمال وجود مقبرة نفرتيتي خلف الجدار الشمالي، فيمثل فرضية أكثر تحديدًا تحتاج إلى أدلة مستقلة إضافية.

 

وقد تتيح الأشهر المقبلة الانتقال إلى اختبار مباشر إذا تقرر تنفيذ الثقب المحدود واستخدام الكاميرات الدقيقة. وحتى ذلك الحين، فإن السؤال العلمي الأهم ليس ما الذي يأمل الباحثون العثور عليه، بل ما الذي تسمح الأدلة الفعلية بإثباته.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة