الثمن الصحي الخفي للحياة في المدن الرومانية.. المرض وسوء التغذية
الرصاص والازدحام وسوء التغذية.. الوجه الآخر للمدن القديمة
كشفت دراسة علمية جديدة، أن الحياة في المدن خلال العصر الروماني كانت ترتبط بأضرار صحية واضحة في وسط وجنوب إنجلترا، وفق تحليل شمل بقايا 646 هيكلًا عظميًا تعود لفترات زمنية مختلفة.
وتشير النتائج إلى أن نمو المدن نفسه، وليس الحكم الروماني وحده، كان العامل الأهم في ظهور مؤشرات الإجهاد والمرض على العظام. وقد قادت الدراسة ريبيكا بيت، عالمة الآثار الحيوية بجامعة ريدينغ، التي تتبعت كيف تترك الصعوبات المبكرة بصماتها على الهياكل العظمية، خصوصًا لدى الأمهات والأطفال دون سن الرابعة.
ركز الباحثون على أنماط الصحة بعد دخول الرومان إلى بريطانيا عام 43 ميلاديًا، ومع توسع المستوطنات الحضرية. وتبرز الدراسة فجوة مهمة في الأدلة، إذ إن مجتمعات العصر الحديدي نادرًا ما كانت تدفن البالغين في مقابر منظمة، ما يقلل من توافر هياكل كاملة تُستخدم أساسًا للمقارنة الصحية.
نُشرت الدراسة في دورية «أنتيكويتي» العلمية.

الطفولة المبكرة تحت المجهر
انصبّ التحليل على الأطفال الذين توفوا قبل سن ثلاث سنوات ونصف، وهي مرحلة سريعة النمو تسجل فيها العظام أي انتكاسات صحية بوضوح.
وربط الفريق بين هذه البقايا وهياكل إناث بالغات في سن الإنجاب، لرصد ما إذا كانت أنماط الإجهاد تنتقل عبر الأجيال.
ولتفادي التشويش، استبعد الباحثون المواقع الشمالية والغربية التي شهدت صراعات حدودية مستمرة، واستند التحليل إلى فرضية «الأصول النمائية للصحة والمرض» (DOHaD)، التي تربط التعرضات المبكرة بمخاطر الأمراض لاحقًا، مع الأخذ في الاعتبار دور التغيرات اللاجينية التي تؤثر في نشاط الجينات.

أمراض محفورة في العظام
استخدم الفريق علم الأمراض القديمة لقراءة آثار العدوى ونقص الفيتامينات في العظام، ومن أبرز المؤشرات نقص تَكَوُّن مينا الأسنان، الذي يظهر على هيئة أخاديد ناتجة عن اضطرابات في الطفولة، وكان أكثر شيوعًا في البيئات الحضرية.
كما وثّق الباحثون، التهابات عظمية مرتبطة بأمراض متكررة، وحالة «تخلخل محجر العين» التي تتسم بمسامية العظام حول العين، وترتبط غالبًا بفقر الدم أو نقص التغذية.

المدن مقابل الريف
شملت العينة 372 طفلًا و274 امرأة بالغة، وقورنت مواقع من العصر الحديدي ومناطق ريفية رومانية وأخرى حضرية. وأظهرت النتائج أن 26% من أطفال العصر الحديدي حملوا مؤشرات مرضية، مقابل 61.5% في المقابر الحضرية الرومانية.
وفي المدن، ظهرت تغيرات عظمية مرتبطة بنقص الفيتامينات لدى 28.8% من النساء البالغات، مقارنة بـ1.1% فقط في العصر الحديدي، أما المناطق الريفية الرومانية فأظهرت تعرضًا أعلى نسبيًا لمسببات الأمراض دون تدهور صحي شامل مماثل للمدن.
ويرجح الباحثون أن تشتت السكان في القرى والمزارع قلّل من الاحتكاك اليومي بالمياه الملوثة والسكن المزدحم، ومع ذلك، سجّل أطفال الريف الروماني التهابات عظمية أكثر من نظرائهم في العصر الحديدي، ما يشير إلى زيادة التعرض دون بلوغ مستويات الاكتظاظ الحضري.
تأخر النمو وتلوث الرصاص
أظهر تحليل أطوال العظام لدى الرضع تعثرًا في النمو لدى 51.9% من الحالات الحضرية، وفق مقياس الانحراف المعياري (Z-score) ، كما ربطت الدراسة الضغوط الحضرية بالتعرض للرصاص المستخدم في الأنابيب وأدوات الطهي الرومانية، وهو عنصر يمتصه الأطفال بكفاءة أعلى من البالغين، ما يضاعف مخاطره خلال فترات النمو السريع.
دروس معاصرة من الماضي
تشير ريبيكا بيت إلى أن الأمهات والرضّع نادرًا ما يحظون بتمثيل في السجلات التاريخية، لكن عظامهم قادرة على سرد قصصهم، وتعكس بقايا الأطفال صحتهم وصحة أمهاتهم خلال الحمل والرضاعة، فيما تُظهر هياكل النساء البالغات آثار الإجهاد والعمل الشاق على المدى الطويل.
ورغم القيود المنهجية، إذ تمثل الهياكل غالبًا من توفوا صغارًا أو مرضى، تقدم الدراسة خط أساس أوضح لصحة العصر الحديدي ومخاطر الحياة الحضرية. وتخلص إلى أن ظروف الطفولة المبكرة قادرة على تشكيل الصحة لعقود، وهو درس لا يزال صالحًا في مدن اليوم.





