أهم الموضوعاتأخبارالمدن الذكية

الصين تبني أولًا وتهدم لاحقًا.. قصة التحول الأخضر الذي لا يُكسر

استثمارات خضراء بأكثر من 800 مليار دولار.. هكذا ترسم الصين مستقبل الطاقة

كيف أصبحت الصين مهد الثورة الصناعية الخضراء في العالم؟

على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية، حققت الصين تقدمًا هائلًا نحو تحقيق أهدافها في التحول الأخضر، لتصبح في طليعة الدول التي تقود الثورة الصناعية البيئية عالميًا.

ففي عام 2024 وحده، استحوذت الصين على أكثر من 40% من القدرة العالمية للطاقة المتجددة، وضخت استثمارات ضخمة بلغت 818 مليار دولار في مشروعات التحول الطاقي — أي أكثر من ضعف ما أنفقته أي دولة أخرى.

ورغم ما يشهده العالم من توترات جيوسياسية، وصراعات إقليمية، وحواجز تجارية، وركود اقتصادي عالمي، فإن محللين وخبراء يؤكدون أن مسار التحول الأخضر في الصين سيستمر بلا تراجع.

مهد الثورة الصناعية الخضراء عالميًا

وتقول البروفيسورة إليزابيث ثيربون، أستاذة بجامعة نيو ساوث ويلز ورئيسة “مشروع الحوكمة الاستراتيجية للطاقة الخضراء” في أستراليا، خلال مشاركتها في الاجتماع السنوي لأبطال المستقبل الذي نظمه المنتدى الاقتصادي العالمي في تيانجين يونيو 2025: “الصين هي مهد الثورة الصناعية الخضراء عالميًا”.

تستدعي ثيربون مشهدًا من عام 2013 حين وقفت في قلب منطقة الأعمال المركزية في بكين وسط ضباب كثيف من التلوث، لم تكن تستطيع رؤية المبنى المقابل، أما اليوم، فتصف التحول الذي شهدته البلاد بـ”الاستثنائي”.

الصين تذهب بعيدًا في الاستثمار الأخضر

تشير بيانات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة إلى أن الصين استحوذت في عام 2024 على ما يقرب من 77% من إجمالي القدرة المتجددة في قارة آسيا.

أما وكالة BloombergNEF فقد كشفت أن الصين استثمرت 818 مليار دولار في مشروعات الطاقة النظيفة، متجاوزة بذلك جميع الاقتصادات الأخرى بهامش واسع.

وعن مدى استدامة هذه الاستثمارات الضخمة، تؤكد ثيربون أنها ليست فقط مستدامة، بل تُعد مصدرًا لبناء صناعات جديدة، وتوفير الوظائف، وتحقيق عوائد مالية طويلة الأجل.

وخلال نفس الاجتماع، صرّح المبعوث الصيني الخاص لتغير المناخ، ليو تشنمين، أن التزام الصين بالتحول الأخضر “ثابت وصلب للغاية”، رغم ما يشهده العالم من تحديات.

أهداف مناخية طموحة خلال زمن قياسي

بينما تخطط العديد من الاقتصادات المتقدمة للوصول إلى الحياد الكربوني خلال فترات تتراوح بين 40 و70 عامًا، تعهدت الصين بتحقيق هذه الغاية خلال 30 عامًا فقط — عبر بلوغ ذروة الانبعاثات قبل 2030، وتحقيق الحياد الكربوني قبل 2060.

وتسعى بكين إلى تحقيق هذه الأهداف مع ضمان أمن الطاقة لـ1.4 مليار مواطن، وتلبية احتياجات أكبر قاعدة صناعية في العالم، ومواصلة مسيرة التمدن، وتحقيق أهداف التحديث بحلول 2035، فضلًا عن تقليل الاعتماد على الفحم، في وقت تتزايد فيه معدلات الاستهلاك نتيجة لتحسن مستوى المعيشة.

وإذا تمكنت الصين من الموازنة بين هذه المعادلة المعقدة، فسيشهد نظامها الطاقي تحولًا جذريًا.

ويشير المبعوث ليو إلى أن بلاده تستهدف أن تُشكّل مصادر الطاقة غير الأحفورية أكثر من 80% من إجمالي مزيج الطاقة بحلول عام 2060.

أكثر من مجرد بيئة نظيفة

ترى ثيربون أن الحكومة الصينية تنظر إلى التحول الأخضر على أنه “مضاعف ضخم للأمن القومي”، وليس فقط مسألة بيئية.

فهذه الاستراتيجية تعزز أمن الطاقة، والاستقرار الاقتصادي، والحماية الاجتماعية، والتفوق الجيوستراتيجي.

وفي كتابها الجديد “البيئية التنموية”، تصف ثيربون ما يحدث في شمال شرق آسيا بأنه نموذج لما يسميه الاقتصادي شومبيتر “الهدم الخلّاق”، إذ تُبنى صناعات جديدة للطاقة المتجددة، بينما يُفكك تدريجيًا النظام المعتمد على الوقود الأحفوري.

وتتبنى الصين رسميًا هذه المقاربة تحت شعار “先立后破” أو “ابنِ أولًا، ثم اهدم لاحقًا” – وهو ما يميّزها عن الدول المتقدمة التي كثيرًا ما تبدأ بالهدم دون التأسيس البديل أولًا.

ما بعد باريس… التحدي الأكبر

مع حلول الذكرى العاشرة لاتفاق باريس، بات من الصعب قياس مدى تقدم التحول الأخضر عالميًا.

فعلى الرغم من تعهد عدد غير مسبوق من الدول بالوصول إلى الحياد الكربوني، فإن أجواء عدم الاستقرار الدولي تُضعف الزخم المناخي.

ويُعد تمويل المناخ من قبل الدول المتقدمة عاملًا حاسمًا لجذب الاستثمارات الخاصة في البلدان النامية.

ويحذّر المبعوث الصيني ليو من أن مؤتمر المناخ القادم (COP30) في البرازيل قد يكون الأصعب منذ ثلاثة عقود، مؤكدًا أن التأخر في تسريع التحول الأخضر خلال الأعوام الثلاثة إلى الخمسة المقبلة سيؤدي إلى تكلفة عالمية باهظة.

ورغم مساهمة الصين في خفض التكلفة العالمية للطاقة النظيفة، فإن بعض القوى الغربية تعتبر إنتاجها الكبير من الألواح الشمسية والتوربينات والمركبات الكهربائية بمثابة “فائض في القدرة الإنتاجية”، ما أدى إلى فرض رسوم جمركية وتحقيقات تجارية ضدها.

لكن ثيربون ترد على ذلك قائلة: “لا يوجد فائض في الطاقة المتجددة الرخيصة حتى نصل إلى 100% طاقة نظيفة عالميًا”.
وتضيف: “الطلب على الطاقة النظيفة ضخم بما يكفي لتستفيد كل دولة من الفرصة، سواء بمفردها أو بالشراكة مع الصين”.

هل تصبح الصين سلبية الكربون؟

ختامًا، ترى ثيربون، أن التوترات الجيوسياسية قد لا تُعيق التحول الأخضر الصيني، بل قد تُسرّعه.

وتقول: “منذ اندلاع الحروب التجارية، رأينا الصين تزداد تمسكًا بمسارها الأخضر”.

وعندما سُئلت عمّا إذا كانت الصين يمكن أن تصبح يومًا ما دولة سالبة للكربون – أي تزيل من الغلاف الجوي كربونًا أكثر مما تنتج -أجابت: “لا أستطيع الجزم، لكن تاريخ الصين في تحقيق الأهداف التي تلتزم بها يجعل من هذا الاحتمال الطموح أمرًا غير مستبعد”.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading