من المعصم إلى المناخ.. البصمة الكربونية الخفية للأجهزة الصحية القابلة للارتداء
تكنولوجيا تنقذ الأرواح وتزيد الانبعاثات.. الأجهزة الطبية الذكية وتفاقم البصمة الكربونية
تكشف دراسة علمية حديثة عن الأثر الكربوني الخفي للأجهزة الصحية القابلة للارتداء، محذّرة من أن التوسع السريع في استخدامها قد يحول هذه التكنولوجيا الطبية الواعدة إلى مصدر متزايد للانبعاثات وتراكم النفايات الإلكترونية.
ووفقًا لبحث أجراه باحثون من جامعتي شيكاغو وكورنيل ونُشر في دورية Nature، تتراوح الانبعاثات الكربونية الناتجة عن الجهاز الواحد من الأجهزة الصحية القابلة للارتداء بين 1.1 و6.1 كيلوجرام من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.
ومع توقع ارتفاع الاستهلاك العالمي لهذه الأجهزة بمعدل 42 ضعفًا بحلول عام 2050، ليقترب من ملياري جهاز سنويًا، تشير التقديرات إلى إضافة نحو 3.4 مليون طن متري من الانبعاثات سنويًا، فضلًا عن مخاطر بيئية أخرى تشمل السمية البيئية وتزايد النفايات الإلكترونية.
وتشمل هذه الأجهزة أجهزة قياس الجلوكوز، ومراقبة القلب وضغط الدم، والمستشعرات المدمجة في الرقع الطبية، والأحزمة الصدرية، والملابس الذكية، والساعات الذكية، والتي أحدثت تحولًا كبيرًا في الرعاية الصحية عبر المراقبة المستمرة والتفاعل الفوري والتدخلات العلاجية الدقيقة.
وعلى عكس الإلكترونيات الاستهلاكية التقليدية، تتميز الأنظمة الصحية القابلة للارتداء بمرونة عالية وقدرة على تتبع المؤشرات الحيوية بشكل مستمر، ما يعزز التزام المرضى بالعلاج ويفتح آفاقًا جديدة للرعاية الصحية الرقمية، خاصة مع دمجها بالاتصال اللاسلكي والبنية التحتية الرقمية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
غير أن هذا التقدم يعتمد بشكل كبير على عمليات تصنيع كثيفة الاستهلاك للطاقة، واستخدام مواد كيميائية خطرة، وبلاستيك مشتق من الوقود الأحفوري، ومعادن نادرة، وهو ما يؤدي إلى انبعاثات كربونية مرتفعة ومخاطر بيئية متزايدة.
كما تُسهم متطلبات معالجة البيانات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في توسيع البصمة البيئية حتى لأصغر الأجهزة حجمًا.

رصد النقاط العمياء للاستدامة
اعتمدت الدراسة، المعنونة «قياس الأثر البيئي العالمي للأجهزة الصحية القابلة للارتداء»، على دمج تقييم دورة الحياة الكاملة مع نماذج توقع انتشار الأجهزة مستقبلًا، بهدف تحديد بؤر التأثير البيئي وتقييم استراتيجيات التخفيف الممكنة.
وشمل التقييم أربعة أجهزة رئيسية: جهاز مراقبة الجلوكوز غير الجراحي، وجهاز تخطيط القلب المستمر، وجهاز قياس ضغط الدم، ورقعة الموجات فوق الصوتية عند نقطة الرعاية، وتم اختيار هذه الأجهزة بناءً على أهميتها السريرية وتنوع تقنيات الاستشعار التي تمثلها.
غَطّى تقييم دورة الحياة جميع المراحل، بدءًا من استخراج المواد الخام والتصنيع والنقل، مرورًا بمرحلة الاستخدام، وصولًا إلى التخلص النهائي من الجهاز.
كما استخدم الباحثون محاكاة مونت كارلو لقياس عدم اليقين في النتائج، إلى جانب نماذج انتشار لتوقع حجم الاستخدام المستقبلي.
أثر تراكمي يفوق التوقعات
أظهرت النتائج أن جهاز مراقبة الجلوكوز الواحد يولّد بصمة كربونية تقارب 2 كيلوجرام من مكافئ ثاني أكسيد الكربون خلال دورة حياته القصيرة التي لا تتجاوز 14 يومًا، أي ما يعادل قيادة سيارة تعمل بالبنزين لمسافة تقارب 8 كيلومترات.
ويعود أكثر من 95% من هذا الأثر إلى لوحات الدوائر المطبوعة وأشباه الموصلات، نظرًا للطاقة العالية اللازمة لتنقية المواد الخام وتشغيل عمليات التصنيع.
ومع تكرار الاستبدال السريع لهذه الأجهزة، تتراكم الانبعاثات على نطاق واسع، إذ يُتوقع أن تتجاوز مبيعات أجهزة مراقبة الجلوكوز وحدها 1.4 مليار وحدة سنويًا بحلول 2050، مولدة نحو 2.7 مليون طن متري من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًا.
وتراوحت الانبعاثات لكل جهاز بين 1.06 كيلوغرام لمراقب ضغط الدم و6.11 كيلوجرام لرقعة الموجات فوق الصوتية، في حين بلغت الانبعاثات السنوية المحسوبة وفق معدلات الاستبدال 50.6 كيلوجرامًا لجهاز مراقبة الجلوكوز و33.8 كيلوغرامًا لجهاز تخطيط القلب المستمر.

حلول تصميمية ذات أثر كبير
نمذج الباحثون أربع استراتيجيات للتخفيف، شملت استبدال أو إعادة تدوير البلاستيك، واستبدال المعادن الحرجة، واعتماد تصميمات معيارية قابلة لإعادة الاستخدام، والانتقال إلى مصادر طاقة متجددة.
وأظهرت النتائج أن استبدال الذهب بمواد مثل الفضة أو النحاس أو الألومنيوم في الدوائر المتكاملة يمكن أن يقلل الانبعاثات بنسبة تصل إلى 30%، مع خفض كبير في مؤشرات السمية البيئية.
كما أن التصميمات المعيارية التي تسمح بإعادة استخدام المكونات طويلة العمر أسهمت في تقليل الأثر الحراري بنسبة تجاوزت 60%.
أما التحول إلى كهرباء منخفضة الكربون، فقد خفّض الانبعاثات الإجمالية بنحو 45–52%، لكنه لم يكن كافيًا وحده لمعالجة جميع الأضرار البيئية، ما يؤكد الحاجة إلى حلول شاملة تجمع بين التصميم المستدام والطاقة النظيفة.





