ملفات خاصةأهم الموضوعاتأخبارالتنمية المستدامة

الاستعمار البيئي.. كيف تُغرق الدول الغنية الجنوب العالمي بنفاياتها؟

تحت شعار "إعادة التدوير".. تصدير القمامة إلى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية

تُصدّر الدول الغنية ملايين الأطنان من النفايات البلاستيكية سنويًا إلى الدول الفقيرة، تحت شعار “إعادة التدوير”. إلا أن معظم هذه النفايات ينتهي في المدافن أو يُحرق، مما يترك آثارًا خطيرة على صحة المجتمعات المستقبِلة وبيئتها.

ويُعرف هذا النظام غير العادل باسم “الاستعمار البلاستيكي”.

لا يقتصر التلوث البلاستيكي على كونه أزمة بيئية فحسب، بل هو قضية سياسية واجتماعية أيضًا.

فبينما تغزو صور السلاحف الميتة الملتفة حولها المخلفات البلاستيكية شاشات العالم، تبقى القصة الأعمق مسكوتًا عنها: ليست كل النفايات البلاستيكية التي لا يُعاد تدويرها في الشمال العالمي تُلقى في المحيط، بل يُشحن جزء كبير منها إلى الجنوب العالمي حيث تتراكم في مكبات عشوائية أو مصانع إعادة تدوير غير خاضعة للرقابة.

نشطاء صد تصدير نفايات البلاستيك من الدول الغنية للجنوب العالمي

ما هو الاستعمار بالنفايات؟


يقصد بالاستعمار بالنفايات تصدير الدول الغنية نفاياتها، خصوصًا البلاستيكية، إلى دول نامية لا تملك بنية تحتية مناسبة للتعامل معها. هذا السلوك يربط بين الاستغلال التاريخي في الحقبة الاستعمارية ونهب الموارد، وبين الواقع الحالي حيث يُلقى العبء البيئي على الدول الأقل مسؤولية عن التلوث.

وبينما يشهد الاستهلاك العالمي للبلاستيك ارتفاعًا متواصلًا، تبقى الخيارات محدودة للتخلص منه: إما الدفن أو الحرق. وحين يصبح الحرق مكلفًا بيئيًا نظرًا لبصمته الكربونية، تختار دول الشمال تصدير النفايات إلى الخارج، مستغلة ضعف القوانين في بعض الدول المستقبِلة.

لسنوات، كانت الصين أكبر مستورد للنفايات البلاستيكية، لكنها أغلقت الباب عام 2018 بسياسة “السيف الوطني”.

ومنذ ذلك الحين، تحولت دفة الصادرات إلى دول أخرى مثل ماليزيا، إندونيسيا، فيتنام، تايلاند، والفلبين، بالإضافة إلى غانا في أفريقيا والمكسيك وبيرو في أمريكا اللاتينية.

وفي عام 2023، كانت ماليزيا الوجهة الأولى عالميًا، مستوردة 610 آلاف طن من البلاستيك، فيما سجلت فيتنام وإندونيسيا زيادات ملحوظة.

تُصدّر الدول الغنية ملايين الأطنان من النفايات البلاستيكية سنويًا إلى الدول الفقيرة

إخفاق القوانين الدولية


رغم وجود اتفاقية بازل (1989) التي تهدف إلى ضبط حركة النفايات عبر الحدود، فإن تجارة النفايات غير الشرعية ما زالت مزدهرة.

ففي المملكة المتحدة مثلًا، يُستغل نظام “مسؤولية المنتج الممتدة” عبر تزوير شهادات إعادة التدوير، ما يسمح بتهريب النفايات تحت مسمى “بلاستيك مُعاد تدويره”، محققًا أرباحًا غير مشروعة تصل إلى 50 مليون جنيه إسترليني سنويًا.

هذه الممارسات لا تقوض فقط جهود إعادة التدوير، بل تكرس الاستعمار البيئي. في إندونيسيا مثلًا، استُخدمت النفايات البلاستيكية كوقود في مصانع محلية، ما أدى إلى رصد مادة الديوكسين السامة في بيض الدجاج بالمنطقة.

مكبات نفايات

الطريق إلى الأمام


رغم ضخامة الأزمة، فإن الحلول ليست بعيدة المنال. ففي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مثلًا، مارس الناس لعقود طويلة أساليب صديقة للبيئة عبر إعادة الاستخدام والإصلاح والاعتماد على مواد طبيعية بدلًا من البلاستيك.

الجمع بين هذه الممارسات التقليدية والابتكارات الحديثة يمكن أن يفتح الطريق نحو حلول أكثر عدلًا واستدامة.

لكن المسؤولية الكبرى تبقى على عاتق الدول الغنية، التي يجب أن تستثمر في أنظمة إدارة نفايات محلية عادلة، بدلًا من تصدير المشكلة إلى الآخرين، يقف العالم أمام فرصة تاريخية لوضع قواعد ملزمة تضمن عدالة بيئية حقيقية.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. I just wanted to drop by and say how much I appreciate your blog. Your writing style is both engaging and informative, making it a pleasure to read. Looking forward to your future posts!

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading