الائتمان الكربوني.. فرصة لتحويل مرحلة إنهاء الفحم إلى شراكة مناخية عالمية والتحول الأخضر
كيف يمكن أن يصبح الائتمان الكربوني مفتاحًا لشراكة عالمية من أجل التحول النظيف؟
بعد مرور عقد على اتفاق باريس للمناخ، الذي أرسى مبدأ السير بطرق مختلفة نحو هدف واحد هو البقاء «دون 2 درجة مئوية»، يبدو أن تلك المسارات لم تلتقِ بعد، بل تبتعد أكثر مع تصاعد الأزمات الجيوسياسية وتراجع التمويل المناخي.
في هذا السياق، يرى خبراء المناخ والسياسات الأوروبية أن الاتحاد الأوروبي بات مطالبًا بلعب دور أكثر فاعلية في إعادة توجيه الجهود الدولية نحو هدف مشترك، يقوم على دعم التحول العادل للطاقة في الاقتصادات الصاعدة، لا سيما في ما يتعلق بإنهاء الاعتماد على الفحم كمصدر رئيسي للطاقة.
معضلة الفحم.. طريقان يفترقان
يمثل التخلص من الفحم حجر الزاوية في أي استراتيجية جادة لخفض الانبعاثات، لكنه في الوقت نفسه نقطة الانقسام الكبرى بين الدول المتقدمة والنامية.
ففي حين تمضي الاقتصادات المتقدمة نحو إغلاق محطات الفحم وتوسيع الاعتماد على الطاقة المتجددة والنووية، لا تزال الدول النامية تواجه معادلة صعبة: كيف يمكن تلبية الطلب المتزايد على الطاقة دون الاعتماد على الفحم الرخيص والمستقر؟
الهند، مثلًا، توسع من قدراتها في الطاقة المتجددة بسرعة غير مسبوقة، لكنها سجلت زيادة في الطلب على الفحم بنسبة 10% عام 2023 و5% عام 2024.
الصين بدورها تقود العالم في إنتاج الطاقة المتجددة، لكنها أيضًا سجلت مستويات قياسية في استهلاك الفحم. أما جنوب إفريقيا، فما زالت تعتمد عليه لتوليد 82% من كهربائها رغم تقدمها الإقليمي في الطاقة النظيفة.

هذه الوقائع تكشف فجوة كبيرة في القدرات التمويلية والتكنولوجية، تجعل من التحول الطاقي في العالم النامي مهمة شبه مستحيلة من دون دعم خارجي.
مأزق التمويل المناخي
ينص اتفاق باريس على التزام الدول المتقدمة بتوفير تمويل كبير لمساعدة الدول النامية في التحول نحو الطاقة النظيفة. لكن المفاوضات ظلت عالقة منذ سنوات حول «كم» التمويل و«من أين» سيأتي و«لمن» سيوجه. ومع تصاعد الأزمات الاقتصادية والدفاعية داخل أوروبا، تبدو فرص ضخ تمويلات جديدة محدودة للغاية.
في هذا الإطار، يبرز الائتمان الكربوني الدولي كأداة مبتكرة لإحياء التعاون المناخي. فبعد فترة من الشكوك التي أعقبت تجربة «آلية التنمية النظيفة» في عهد بروتوكول كيوتو، عادت الفكرة لتكتسب زخمًا جديدًا داخل النقاش الأوروبي، مع اقتراب صياغة أهداف الاتحاد لعام 2040.

لحظة أوروبية حاسمة
بينما تتراجع الولايات المتحدة عن قيادة الجهود المناخية، تمضي الصين في استخدام «التحول الأخضر» كأداة لتعزيز نفوذها الاقتصادي. يجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام اختبار صعب: إما أن يستعيد دوره القيادي عبر شراكات متوازنة مع الاقتصادات النامية، أو أن يخسر مكانته كمحرك رئيسي للحوكمة المناخية.
من هنا جاء اقتراح «صفقات التجارة والاستثمار النظيفة» (CTIPs) كجزء من «الصفقة الصناعية النظيفة» الأوروبية، لتكون إطارًا جديدًا للتعاون المناخي والاقتصادي.
هذه الشراكات يمكن أن تُدمج مع آليات «الائتمان الانتقالي»، التي تكافئ الدول على الإسراع في إغلاق محطات الفحم واستبدالها بمصادر نظيفة، كما يُجرَّب حاليًا في الفلبين تحت إشراف سنغافورة.

نحو شراكة عالمية عادلة
قد لا يكون الائتمان الكربوني حلاً سحريًا، لكنه يمثل أداة عملية لتعبئة التمويل وتحفيز الشركاء الدوليين. فالاتحاد الأوروبي، الذي فقد الثقة سابقًا في سوق الكربون العالمي، يمكنه اليوم استعادة زمام المبادرة عبر ضبط معايير القبول والجودة وربطها بالشراكات الثنائية ومتعددة الأطراف.
إن جعل «الائتمان مقابل إغلاق الفحم» محورًا من محاور التعاون الدولي، سيحوّل قضية المناخ من عبء على الدول النامية إلى فرصة للنمو المستدام. وكما قالت أورسولا فون دير لاين في خطاب حالة الاتحاد: «الانفتاح على العالم واختيار الشراكات مع الحلفاء القدامى والجدد يتطلب إجابات جديدة لأسئلة قديمة».
ربما يكون هذا هو الوقت المناسب لتلك الإجابات.






