الآيس كريم تحت التهديد.. أزمة إنتاج زيت جوز الهند تضرب السوق العالمي
زيت جوز الهند في ورطة.. كيف يؤثر على طبقك المفضل في الصيف؟
أصبح الحفاظ على برودة الجو أكثر تكلفة هذا الصيف، إذ ارتفع سعر زيت جوز الهند، أحد المكونات الأساسية في صناعة الآيس كريم، بشكل حاد في عام 2025.
ومن المرجح أن تستمر الأسعار في الارتفاع مع تزايد الطلب وتراجع العرض.
ففي نهاية شهر مايو، بلغ سعر الجملة لزيت جوز الهند الفلبيني، المُسلَّم في ميناء روتردام – وهو معيار عالمي في الصناعة – نحو 2800 دولار للطن، أي ما يقارب ضعف السعر المُسجل في العام السابق.
تسبب سوء الأحوال الجوية في كل من إندونيسيا والفلبين، اللتين تنتجان معًا ثلاثة أرباع الإمدادات العالمية من زيت جوز الهند، في تراجع الإنتاج، ما دفع بأسعار الآيس كريم إلى الارتفاع.
ووفقًا لتحليل أجرته شركة “RIFT” البريطانية للاستشارات، ارتفعت أسعار المصاصات المثلجة والأقماع في محال السوبر ماركت بالمملكة المتحدة بنسبة 7.6% في مايو الماضي.
يُعد زيت جوز الهند مثاليًا لصناعة الآيس كريم؛ فبفضل درجة انصهاره العالية، يساعد على الحفاظ على تماسك الآيس كريم لفترة أطول في درجة حرارة الغرفة.
والأهم من ذلك، أنه يحافظ على النكهة والملمس دون التأثير على الجودة، مما يجعله مفضلًا لدى شركات الأغذية.
وتولي صناعة الآيس كريم العالمية، التي بلغت قيمتها 81 مليار دولار في عام 2024، اهتمامًا بالغًا الآن بتحركات السوق المؤثرة في أسعار زيت جوز الهند.
ما دور الطقس؟
ينمو جوز الهند في المناطق الاستوائية، حيث تستفيد الأشجار من الأمطار الغزيرة وأشعة الشمس الوفيرة. إلا أن ظاهرة “النينيو” المناخية، التي تؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة سطح البحر في المحيط الهادئ، تسببت في طقس أكثر جفافًا في جنوب شرق آسيا، لا سيما بين يونيو، وأكتوبر من العام الماضي.
خلال تلك الفترة، تعرضت مزارع جوز الهند لموجات من الحر الشديد والجفاف، ولأن دورة نمو جوز الهند تستغرق عامًا كاملًا، فإن الظروف المناخية القاسية في العام الماضي أدت إلى تراجع في حجم الثمار المتوقع لعام 2025، ما ساهم في تقليص العرض.
وتتوقع وزارة الزراعة الأمريكية أن تؤدي هذه الظروف إلى انخفاض الإنتاج العالمي لزيت جوز الهند إلى 3.6 مليون طن خلال موسم 2024-2025، بانخفاض يُقدر بين 5 إلى 10% مقارنة بالموسم السابق.
ويرجّح المحللون، أن يظل الإنتاج منخفضًا أيضًا خلال موسم 2025-2026.
هل الوقود الحيوي مسؤول أيضًا؟
في أكتوبر الماضي، فرضت الحكومة الفلبينية استخدام نسب أعلى من “إستر ميثيل جوز الهند” – وهو مشتق من زيت جوز الهند – في مزجه مع الديزل لإنتاج وقود حيوي.
وكانت الفلبين قد بدأت تطبيق هدف مزج بنسبة 1% في عام 2007، ثم 2% في 2009.
لكن في العام الماضي، رفعت مانيلا النسبة إلى 3%، ومن المقرر أن ترتفع إلى 4% بنهاية عام 2025، ثم 5% بحلول نهاية عام 2026.
ويستلزم كل ارتفاع بنسبة 1% نحو 900 مليون ثمرة جوز هند إضافية لسوق الوقود الحيوي، مما يرفع الطلب والأسعار.
وقال وزير الطاقة الفلبيني رافائيل لوتيلا: “إن تنفيذ مزيج وقود حيوي أعلى يُمثل حلًا مربحًا للجانبين، إذ نعزز من خلاله النمو الاقتصادي، ونحسن الإدارة البيئية، ونتجه نحو طاقة نظيفة”.
وإذا نُفذت خطة الحكومة، فسيتم استخدام نحو 4.5 مليار ثمرة جوز هند لإنتاج 500 مليون لتر من “إستر ميثيل جوز الهند” اللازم لتحقيق هدف الديزل الحيوي بحلول عام 2026.
وهذا يعادل قرابة ثلث المحصول السنوي للفلبين البالغ 15 مليار ثمرة.
للمقارنة، تحول الولايات المتحدة نحو 40% من محصولها السنوي من الذرة إلى وقود الإيثانول الحيوي، المصنوع من نشا الذرة المخمر، بهدف تقليل انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
هل الشوكولاتة تستهلك جوز الهند أيضًا؟
في محاولة لخفض التكاليف، بدأ عدد متزايد من صانعي الشوكولاتة بإعادة تركيب منتجاتهم باستخدام بدائل الكاكاو، من بينها زيت جوز الهند.
ففي ديسمبر، سجلت عقود الكاكاو الآجلة في بورصة “إنتركونتيننتال” الأمريكية مستوى قياسيًا بلغ 12,931 دولارًا للطن، بزيادة ضخمة بنسبة 177% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
ورغم أن الأسعار تراجعت لاحقًا، فإنها ما تزال مرتفعة، وتبلغ حاليًا نحو 10 آلاف دولار للطن.
زيت جوز الهند يُعد بديلًا شائعًا لزبدة الكاكاو، لا سيما في منتجات الشوكولاتة النباتية والخالية من الألبان.
وحتى مع ارتفاع أسعاره، لا يزال أرخص من الكاكاو.
وقال فيليبي بولمان جونزاجا، تاجر السلع المقيم في سويسرا: “أتوقع أن يتجه العديد من مصنعي الشوكولاتة والحلويات إلى استخدام زيت جوز الهند بدلًا من الكاكاو على المدى القريب”.
هل وسائل التواصل الاجتماعي مسؤولة أيضًا؟
أضحت منصات مثل “تيك توك” و”إنستجرام” مصدرًا إضافيًا للطلب على جوز الهند، فخلال السنوات الأخيرة، أشادت مشاهير مثل غوينيث بالترو وكورتني كارداشيان بفوائد جوز الهند الصحية والتجميلية.
ويعرض موقع “Wellness Mama”، الشهير في مجال الصحة والعافية، 101 استخدامًا لزيت جوز الهند، تتنوع من علاج الأرق وحرقة المعدة إلى علاج الجروح، وحب الشباب، والبواسير، وحروق الشمس، ولدغات الحشرات.
وفي سوق مستحضرات التجميل، يُعتبر زيت جوز الهند بديلًا طبيعيًا وصديقًا للبيئة لزيت النخيل، مما يزيد من استهلاكه الصناعي أيضًا.
ورغم استمرار الجدل بشأن الفوائد الصحية الحقيقية لزيت جوز الهند، فإن الطلب عليه يشهد ارتفاعًا في سوق يعاني من شح المعروض، مما يدفع الأسعار إلى الأعلى.
هل يمكن زيادة إنتاج جوز الهند؟
رغم تزايد شعبية زيت جوز الهند عالميًا، فإن توسيع الإنتاج يُعد تحديًا كبيرًا.
يقول بولمان جونزاجا: “بعكس المحاصيل الأخرى، لا يستطيع مزارعو جوز الهند ببساطة إضافة مزيد من الأفدنة عند ارتفاع الأسعار”.
وأضاف: “فالأشجار تستغرق عامًا أو أكثر لتبلغ مرحلة الإنتاج، كما أن مخاوف إزالة الغابات والقوانين البيئية تجعل التوسع صعبًا”.
فمثل فاكهة النخيل، تنمو أشجار جوز الهند في المناطق الاستوائية، وغالبًا ما يتطلب توسع زراعتها إزالة الغابات، وهو ما تمنعه قوانين بيئية مشددة، خاصة في الاتحاد الأوروبي.
وأشار بولمان إلى أننا ننتقل من ظاهرة “النينيو” إلى “النينيا”، التي عادةً ما تتسبب في فيضانات زائدة في جنوب شرق آسيا، ما سيؤثر سلبًا على الزراعة، والحصاد، وسلاسل الإمداد.
واختتم بالقول: “مع استمرار الطلب القوي على زيت جوز الهند، ووجود قيود على جانب العرض، لا أتوقع انخفاض الأسعار في المستقبل القريب”، مضيفًا: “قد تكون أسعار الآيس كريم مرتفعة هذا الصيف، وستظل كذلك في العام المقبل. وربما آن الأوان لعشاق الآيس كريم أن يبدأوا في التفكير في بدائل مثل السوربيه المصنوع من الفواكه”.





